ماذا يمكن أن يفعل المرء إذا كان من المستحيل أن يتصرف وفقًا لما هو متوقع منه؟ ماذا يفعل إذا  كان لا يستطيع أن ينصاع للأوامر خاصة إذا كانت ضد طبيعته؟ حسنًا ماذا إذا كان طفًلا صغيرًا والجميع يطلب منه الجلوس وعدم الحركة؟ ماذا إذا كانت هذه هي طريقته لاختبار العالم؟ ماذا إذا كان هذا الطفل الحركي ابنك أو تلميذك؟ كيف تتعامل معه؟

تحكي «رحاب لؤي»، أم لطفل حركي عمره سبع سنوات، أن ابنها لا يكف عن الحركة؛ فهو يتحرك طوال الوقت، «الجميع يطلب منه أن يكف عن الحركة، دائمًا ما أطلب منه أن يجلس وهو يستمع إلى شرح المعلم، ألا يقرأ وهو يقطع الغرفة ذهابًا وإيابًا، أن يتوقف عن القفز وأنا أتحدث إليه، لكن هناك شيئًا ما يدفعه للحركة، شيئًا أنا نفسي أعجز عن وصفه وأعجز عن أن أخبر الآخرين به، شيئًا يشعره بالارتياح».

في البداية.. هذه هي المهارات الحركية للطفل وهكذا تتطور

يمر الطفل منذ لحظة الميلاد وخلال مرحلة الطفولة المبكرة – المرحلة من سنتين إلى خمس سنوات- بسلسلة من التغيرات التي تساعده على النمو والتطور، تشمل هذه التغيرات أربعة مجالات أساسية وهي:

1- اكتساب اللغة والتواصل.

2- التفاعل الاجتماعي.

3- المجالات المعرفية العاطفية.

4- المهارات الحركية.

تنقسم المهارات الحركية إلى المهارات الحركية الدقيقة، مثل حركة الأصابع وحركة الشفاه، والمهارات الحركية الإجمالية للعضلات التي تمكن الرضيع من رفع رأسه وتحريكها، ثم تمكنه من الجلوس ثم الزحف، ليتمكن أخيرًا من المشي والقفز والحركة بالصورة الطبيعية.  

Embed from Getty Images

تتطور مهارات النمو المختلفة وفق تسلسل معين يجعل الطفل ينمو بمعدل طبيعي، إلا أن هناك بعض الأطفال الذين تظهر لديهم قدرات فائقة في المهارات الحركية ويطلق عليهم الأطفال الحركيون «kinesthetic child».

من هو الطفل الحركي؟

يتحرك الطفل الحركي طوال الوقت حتى أثناء النوم، فهو في حالة حركة دائمة، يجد متعة في القفز بين المقاعد وعلى الأسِرَّة، حتى وقت الطعام لا يكف عن الحركة، تقول رحاب: «ابنى يتحرك طوال اليوم، لكن المشكلة الحقيقية في أثناء الطعام ووقت النوم. فعندما يتناول الطعام يتحرك كثيرًا على الطاولة يطرق بالملاعق على الطاولة يداه تتحركان في كل مكان، يصطدم بالأطباق، وقت النوم هو أصعب وقت في اليوم، فهو لا يستطيع النوم بسهولة يتحرك كثيرًا كأن شيئًا يقلقه، كأن شيئًا بداخله يريد أن يقفز للخارج».

هذه هي طريقته لاكتشاف العالم

يُعبر الطفل الحركي عن نفسه بالحركة، ويوظف المهارات الحركية الإجمالية والمهارات الحركية الدقيقة للتعبير عن نفسه واكتشاف العالم من حوله؛ فيكتسب الخبرات المختلفة ويتعلم.

وقد وصف هوارد جاردنر، عالم النفس التنموي وأستاذ الإدراك والتعليم في كلية هارفارد للدراسات العليا بجامعة هارفارد، الأطفال الحركيين بأنهم أطفال ذوو ذكاء حركي وفقًا لنظرية الذكاءات المتعددة التي أطلقها عام 1983م.

7 أنواع من الذكاء يختبرون بها العالم من حولهم!

يوضح الدكتور خير سليمان شواهين في كتابه «نظرية الذكاءات المتعددة، نماذج تطبيقية»، معنى نظرية الذكاءات المتعددة التي وضعها جاردنر، فيشير إلى أن كل طفل يمتلك سبعة أنواع من الذكاء تتفاوت نسبة كل نوع على حسب طبيعة شخصية الطفل. تتحكم هذه الأنواع في الطريقة التي يعالج بها الطفل المعلومات، فيصبح لكل طفل طريقته الخاصة في التفكير والتذكر والفهم، وقد صنفهم جاردنر كما يلي:

  • أطفال الذكاء المكاني: يتمتع هؤلاء الأطفال بخيال خصب يمكنهم من إعادة تصميم وبناء الفراغ من حولهم بطريقة مبتكرة، فيتميزون في ألعاب مثل الشطرنج، والبازل والمكعبات.
  • أطفال الذكاء الموسيقى: هؤلاء الأطفال لديهم إحساس فطري بالنغمات والإيقاع والغناء.
  •  أطفال الذكاء اللغوي: هؤلاء الأطفال قادرون على إبهارك بطلاقة كلامهم، وانتقائهم للكلمات المميزة والتعبيرات المركبة، والتي توحي بأنك أمام أحد الشعراء أو الكتاب المستقبليين. 
  • أطفال الذكاء الرياضي: يمتلك هؤلاء الأطفال مهارات فائقة في حفظ الأرقام وربطها بمدلولاتها في سن صغيرة، كأن يدرك الطفل أن الرقم ثلاثة يُشير إلى ثلاثة أشياء مثلًا، بالإضافة إلى  قدرتهم على فهم الرموز وحل المشكلات التي تواجههم بطريقة مبتكرة.

العائلة

منذ 4 شهور
أناني ومتصلب ولا ينتمي لأحد! معلومات مغلوطة عن الطفل وحيد أبويه
  • أطفال الذكاء الاجتماعي: هم الأطفال الودودون القادرون على التعامل مع مشاعر الآخرين وإدارة مشاعرهم الخاصة، والتعبير عنها وتسميتها على الرغم من صغر سنهم.
  • ذكاء الشخصية: هو وعي الطفل بذاته ومشاعره وأفكاره ومخاوفه، والقدرة على إدارتها، والتحكم في نفسه ودوافعه وسلوكه. 
  • الذكاء الطبيعي «فهم الطبيعة»: يتوحد هؤلاء الأطفال مع الطبيعة، ويحبون البحث عن كل ما يخص الكون والنجوم والأرض والحيوانات، لديهم شغف بالمعرفة وجمع المعلومات، ومحاكاة الطبيعة فتجدهم شغوفين بتقليد أصوات البيئة من حولهم، مثل أصوات الحيوانات والطيور والرياح.
  • الذكاء الحركي: الذي يصفهم الدكتور شواهين بأنهم الأطفال القادرون على التعامل مع المثيرات المختلفة حولهم عن طريق حواسهم وأجسادهم، ولديهم مهارات عضلية مختلفة، ويفضلون الحركة في اكتساب المعلومات والتعلم. الأمر الذي يضعهم دائمًا في مشكلات ويجعلهم مصدر إزعاج للبعض بسبب عدم القدرة على فهم السبب وراء حركتهم.

الطفل الحركي في دائرة الاتهام!

تقول رحاب لـ«ساسة بوست»: «دائمًا ما كانت تلاحقني الاتهامات في المدرسة وفي البيت وفي الأماكن العامة؛ الجميع يتهمني بالتقصير ويتهم ابني بالإزعاج، لجأت إلى أحد المراكز الرسمية وأجريت بعض الاختبارات التي كانت نتيجتها أنه يعاني من فرط الحركة ونقص الانتباه، لكن كان هناك شيء يخبرني بأن هناك شيئًا آخر، شيئًا مختلفًا». جدير بالذكر أنه عادةً ما يجري تشخيص الأطفال الحركيين خطأً بأنهم يعانون من «اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه» بسبب حركتهم غير المبررة للبعض.

اضطراب فرط الحركة vs الذكاء الحركي 

وفقًا لكتاب «اضطراب تشتت الانتباه وفرط الحركة» الصادر عن جامعة وهران بالجزائر، فإن اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه يُشير إلى «اضطراب في المراكز العصبية التي تسبب مشكلات في وظائف المخ مثل: التفكير والتعلم والذاكرة والسلوك»، والتي تجعل الطفل يُعاني من عدم استقرار في الحركة مع عدم القدرة على التركيز والانتباه والاندفاعية التي تؤثر في قدرته على حل المشكلات، والتواصل مع الآخرين، وإقامة علاقات اجتماعية.

Embed from Getty Images

تقول رحاب: «من خلال ملاحظتي لابني اكتشفت أنه موهوب وأن حركته الدائمة ليست حركة عشوائية، ولكنها حركة منظمة ومتناسقة يريد أن يكتشف بها الأشياء، يريد أن يتواصل مع كل الأشياء المحيطة به عن طريق جسده، فقررت إعادة الاختبار في أحد المراكز الخاصة، وجاءت النتيجة متوافقة مع حدسي كأم، ابني ذو نمط ذكاء حركي، والحركة هي وسيلته في التعلم واكتساب المعلومات والخبرات المختلفة».

على عكس اضطراب فرط الحركة، يميز الذكاء الحركي الحركة التي يقوم بها الأطفال الحركيين، فلديهم قدرة عالية على التوازن وإتقان الحركات الصعبة والسريعة والدقيقة، كما أن الحركة تساعدهم على الانتباه والتذكر والإدراك بشكل أفضل.

الحركة تنشط الذاكرة العاملة!

تعد الذاكرة العاملة هي جوهر العمليات التنفيذية للمخ، وهي المسؤولة عن الانتباه والتذكر والإدراك، في مقال بعنوان «الذكاء الجسدي الحركي» تقول المؤلفة آني ر. هوكسترا – دي، إن الحركة تساعد الطفل الحركي في نقل المعلومات بشكل أفضل إلى الذاكرة العاملة، التي بدورها تقوم بمعالجتها وتخزينها ونقلها إلى الذاكرة طويلة الأمد بشكل أسرع، الأمر الذي يسهل على الطفل عملية استرجاع المعلومات وتذكرها.

كيف يبدو طفلك الحركي؟

يمكن أن تميز الطفل الحركي  من خلال بعض السمات التالية:

  • طفل دائم الحركة ولديه إحساس عالٍ بجسده في الفراغ.
  • موهوب في الأنشطة الرياضية المختلفة.
  • يتعلم بشكل أفضل عن طريق اللمس. 
  • لديه قدرة عالية على تأدية الأنشطة التي تحتاج إلى دمج المهارات البصرية والمهارات الحركية، أو ما يعرف باسم أنشطة  «التآزر البصري الحركي».
  • يجد صعوبة في اتباع التعليمات بسبب رغبته الدائمة في الحركة. 
  • يفقد الانتباه سريعًا ويتشتت، لذلك عادة ما يُشخص بأنه يعاني من «تشتت في الانتباه».

لكن لماذا يصاب أطفال الذكاء الحركي بتشتت الانتباه إذًا؟

يقول الدكتور شواهين إن «الذكاء هو قدرة نفسية تنشط في البيئات المحفزة»، ينطبق هذا الأمر على الأطفال أصحاب النشاط الحركي، فكلما كانت البيئة التي يتعلمون فيها بيئة محفزة، انتبهوا وأطلقوا طاقتهم بشكل هادف ومنظم، إلا أن بيئات التعلم التقليدية تجعلهم يفقدون الانتباه سريعًا؛ لأنها تخلو من المحفزات الأساسية لهم، خاصة أنهم يميلون إلى معالجة المعلومات عن طريق اللمس والرؤية، فهم متعلمون بصريون يمزجون الصورة مع الحركة، فعندما تتجاهل البيئة التعليمية احتياجات الأطفال الحركيين، تقل قدرتهم على الانتباه والتركيز.  

وأخيرًا.. فجِّر طاقاته الإبداعية: إليك إستراتيجيات التعامل مع الطفل الحركي

تضيف رحاب: «توقفت تمامًا عن مطالبة ابني بالتوقف عن الحركة، الآن أبحث عن طرق جديدة للتعامل معه بما يناسب طريقته في التعلم، قررت أن أتركه يكتشف العالم على طريقته الخاصة».

كل طفل له نمط خاص في اكتساب المعلومات ومعالجتها، لذلك بيئات التعلم التقليدية تُشكل عائقًا أمام الأطفال الحركيين في التعلم واكتساب المعلومات، إليك بعض النصائح التي تساعدك على توفير بيئة تعليمية مناسبة لهم. 

Embed from Getty Images

  • دعه يتحرك:

الطفل الحركي يجد متعة خاصة في اكتشاف العالم عن طريق جسده، فهو في حالة حركة دائمة حتى وهو جالس ستجده يحرك قدميه، ينقر بأصابعه على الطاولة يحرك القلم، في هذه الحالة لا تطلب منه أن يتوقف عن الحركة، اطلب منه أن يغير مكانه، أو أن يغير وضعه فإن كان جالسًا اطلب منه أن يقف أو العكس، أخبره بأنه يمكن أن يحرك قدميه دون مشكلة.  

  • انتبه! الطفل الحركي متعلم بصري:

الطفل الحركي متعلم بصري، يركز بشكل أكبر ويستوعب عندما يرى ويلمس ما يتعلمه، لذلك لا تعتمد على ترديد الكلام لأنه لن يتفاعل معك بسهولة، لا تدعه يسمع، دعه يسمع ويرى، استخدم الصور والرسوم التوضيحية والمجسمات.

  • دعه يُمثل:

إذا كان طفلك في سن المدرسة لا تجعل وقت المذاكرة والمدرسة وقتًا مزعجًا بالنسبة لطفلك الحركي، دعه يشترك في مسرح المدرسة، وفي المنزل قدم له المنهج على شكل مسرحيات بسيطة شاركه المتعة، حدد الأدوار ومثِّل معه.

  • الكلمات المرئية هي الحل!

تنصح سارة ميجور مؤسسة شركة «تشايلد فيرست» إحدى الشركات الرائدة في مجال الوسائل التعليمية باستخدام «بطاقات الكلمات المرئية» (Snap Words)، وهي عبارة عن بطاقات مرسومة توضح شكل الكلمة ومعناها ويجري تدريسها باستخدام حركات الجسم.

أخيرًا كلمة السر هي الحركة، لا تطلب من طفلك أن يتوقف عنها، ساعده على استثمارها بشكل يجعله يتميز، استغل هذه الموهبة وساعده على اختيار رياضة مثل الجري أو الجمباز أو السباحة، أو بعض الفنون التي تعتمد على الحركة، مثل التمثيل والمسرح والرقص والبالية.

صحة

منذ 11 شهر
من أعراضه النسيان وانعدام الثقة بالنفس.. ماذا تعرف عن اضطراب فرط الحركة؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد