في مايو ١٩٨٥م، تعرض موكب الأمير الكويتي لهجوم بسيارة مفخخة، لكن اثنين من حراسه البدون – وهما محمد العنزي وهادي الشمري – تمكنوا من الاندفاع بسيارة الحراسة والاصطدام مع السيارة المفخخة مما تسبب في مقتلهم ومقتل آخرين من الحرس الأميري وهم من فئة البدون ونجاة الأمير، خرج بعدها أمير الكويت بوعد بمنح أسر الشهداء والجرحى الجنسية الكويتية، وتأخر هذا الوعد قرابة ٢٥ عامًا، فلم يحصل أبناء هؤلاء على الجنسية الكويتية سوى هذا العام.

جابر الصباح أمير الكويت الذي تعرض لحادثة انفجار

فمن هم البدون وما هي مشاكلهم؟؟

 التسمية

البدون هم أولئك الأشخاص غير محددي الجنسية أو المقيمين بصورة غير شرعية والذين لا يحملون الجنسية الكويتية، وأغلب هؤلاء يعملون في الشرطة والجيش الكويتيين من قبل إقدام العراق على غزو الكويت عام ١٩٩٠م.

 يعرف البدون بهذا الاسم نسبة لكونهم “بدون جنسية” أي عديمي جنسية أو غير محددي الجنسية، ويعود السبب الرئيسي في تسميتهم إلى الفترة ما بين عام ١٩٥٠م وحتى عام ١٩٧٩م؛ حيث تدرج مسماهم في الوثائق الرسمية من “غير كويتي” ثم “بدون جنسية” ثم “مقيم بصورة غير شرعية”.

وأصبحت كلمة بدون تمثل مصطلحًا للتعبير عن فئتين من الناس في الكويت، الأولى تشمل من لا يحملون جنسية من أي دولة أخرى وكانوا موجودين في دولة الكويت منذ القدم، ولأسباب معينة لم يتم تجنيسهم، وهؤلاء أغلبهم كانوا في القدم بدوًا رحلاً سكنوا شبه الجزيرة العربية.

والفئة الثانية تشمل من ينتمون إلى دول إقليمية أخرى لكنهم أخفوا كل الوثائق القانونية التي تثبت أنهم يحملون هذه الجنسية.

مشكلة البدون بمثابة قنبلة موقوتة في الكويت

تزايد الأعداد

طبقاً لإحصاء عام ١٩٦٥م، فقد بلغ عدد البدون حوالي ٤٩ ألف شخص، وارتفع هذا العدد عام ١٩٨٥م ليصبح ٢٢٠ ألف شخص، وفي إحصاء عام ١٩٩١م بعد حرب الخليج الأولى، انخفض عدد البدون إلى حوالي ١١٨ ألف، ثم أصبح عددهم ١٢٠ ألف مع نهاية التسعينات.

أكثر من نصف عدد البدون هم دون سن الخامسة عشرة، كما يصل معدل الإعالة في عائلاتهم إلى سبعة أشخاص في المتوسط.

بعد حرب الخليج الأولى ازدادت نسبة الأمية في صفوف البدون لتبلغ نسبة من هم دون التعليم المتوسط ٨٧٪ حاليًا.

التضييقات

تسعى الدولة دائمًا إلى وضع حلول مؤقتة لمشكلة البدون، لا تنتهي إلا بعرقلة الحل الجذري القائم على استحقاق الحصول على الجنسية الكويتية لهم، رغم صدور قرار قضائي بأحقية البدون في الجنسية الكويتية.

ففي عام ٢٠٠٩م، تحولت الدولة الكويتية إلى دولة بوليسية بسبب محاصرة مجلس الأمة بعدد لا يستهان به من قوات الشرطة والجيش مدعومة بإغلاق المنافذ وتحويل السيارات لإحداث ازدحام مروري، مما كان له أكبر الأثر في عدم اكتمال النصاب في مجلس الأمة ومن ثم إلغاء الجلسة المقررة، والغرض إبطال إقرار قانون الحقوق المدنية للكويتيين البدون.

منظمة “هيومن رايتس ووتش” انتقدت الكويت بسبب إساءة معاملة نحو ١٠٠ ألف من البدون، وقالت إن الدولة لم تعترف بحق هؤلاء الذين يقيمون في الدولة منذ فترة طويلة بالحصول على الجنسية أو الإقامة الدائمة، وأضافت المنظمة أن هؤلاء “يواجهون قيودًا في الحصول على الوظائف والرعاية الصحية والتعليم والزواج وتكوين أسرة”.

في عام ٢٠١٠م، وصف وزير العمل الكويتي، خلال كلمته بمحكمة العدل الدولية، البدون بأنهم سكان غير شرعيين، مما تسبب في غضب كبير بين البدون في الكويت وانتقادات وجهتها منظمة هيومان رايتس ووتش.

ولم يحصل على الجنسية الكويتية سوى ١٦ ألف فقط من البدون منذ حرب التحرير، ليبقى حوالي ١٠٠ ألف منهم دون جنسية ودون حقوق.

مجلس الأمة الكويتي لم يتمكن من إعطاء البدون كامل حقوقهم

التدرج في المعاملة

منذ بداية الستينيات وبعد حصول دولة الكويت على الاستقلال قامت الحكومة الكويتية بمعاملة أبناء فئة البدون معاملة الكويتيين باستثناء التمتع بالحقوق السياسية؛ حيث تعاملت الدولة معهم على أنهم أمر واقع، وانخرط عدد كبير منهم في الجيش والشرطة.

تغيرت سياسة الدولة مع البدون منذ منتصف الثمانينات، ففي سنة ١٩٨٦م، نشأت سياسة سرية اتخذت كمرجع للتعامل مع فئة البدون. وتم نشر وافتضاح هذه السياسة على صحيفة الطليعة سنة ٢٠٠٣م، ولقيت استهجانًا واسعًا في الأوساط السياسية والاجتماعية، ولعل هذه السياسة كانت عائدة لاتفاقية الأوبك الخاصة بحصص تصدير البترول طبقًا لعدد السكان.

وشارك بعض البدون في الدفاع عن الكويت خاصة العسكريين منهم خلال غزو الكويت، ومنهم من قُتِلَ ومنهم من أخذ أسيرًا لدى العراق ومنهم من دخل مع قوات التحالف في حرب تحرير الكويت، وقد بلغت نسبة البدون في الجيش الكويتي الذي شارك في حرب تحرير الكويت ٨٠٪ من الجيش الكويتي كما أن منهم أعدادًا قليلة ممن شارك مع الجيش العراقي.

بعد حرب التحرير ترك معظم حاملي الشهادات العليا الكويت؛ حيث استفادت منهم الدول التي هاجروا إليها، ولا يستبعد أنهم حصلوا على جنسيات الدول التي استقروا فيها.

عام ١٩٩٩م، وعدت الكويت بتقديم إعانات اجتماعية وتصاريح إقامة لمدة خمس سنوات إلى البدون الذين تخلوا عن المطالبة بحقهم في الحصول على الجنسية الكويتية، لكن وحسب المدير التنفيذي لقسم الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بمنظمة “هيومن رايتس ووتش”، فإن الآباء من فئة البدون يتعرضون للضغوط لحملهم على التخلي عن حقهم المشروع في الحصول على الجنسية الكويتية.

وقد أصدر أمير الكويت الراحل الشيخ جابر الأحمد ‏الجابر الصباح مرسومًا يقضي بمنح ‏الجنسية لـ٢٠٠٠ من البدون سنويًّا، لكن يدور جدل في الكويت حول عدم التطبيق الفعلي للقانون؛ حيث يتم وقف منح الجنسية للبدون بسبب قيود وهمية يتم فرضها عليهم.

عام ٢٠٠٠م، أقر مجلس الأمة الكويتي تعديلاً قانونيًّا يجعل ما يقل عن ثلث فئة البدون مؤهلين للتقدم بطلب لاكتساب الجنسية الكويتية، لكن منظمة هيومان رايتس ووتش ترى أن نسبة ضئيلة جدًّا هي التي اكتسبت الجنسية، وأن شروط هذا القانون عسيرة التحقيق.

في عام ٢٠٠٧م، أقر مجلس الأمة الكويتي قرارًا يقضي بتجنيس ألفي شخص من فئة البدون في الكويت، وقبل نهاية العام بيوم واحد فقط تم تجنيس ٥٧٣ فردًا من بينهم فقط ٢٦ كويتيًّا من البدون، أما البقية فيعتبرون من دول الجوار، وكان هناك ٣ آلاف طفل لم يتم منحهم شهادة ميلاد، مما يعني حرمانهم من حقهم في الحصول على التطعيمات والتعليم.

الاعتصامات

عام ٢٠١١م، اعتصم عدة آلاف من الشباب الكويتيين البدون بشكل سلمي وعلى مدى ثلاثة أيام في منطقة الجهراء والصليبية ومنطقة الأحمدي، ثم تم تفريق المعتصمين بالغازات المسيلة للدموع وخراطيم المياه من قبل قوات الشرطة والقوات الخاصة. وقد تم تعليق عمليات الاعتصام على وعد من الوزراء ونواب مجلس الأمة بحل المشكلة عن طريق عقد جلسة خاصة، لكن دون فائدة أو حلول فعلية. بل استمرت المعاملة المسيئة للبدون من حيث عدم استخراج شهادات الميلاد أو الوفاة وغيرها من الحقوق المهدرة.

ومع تكرار المظاهرات والاعتصامات من قبل البدون للمطالبة بحقوقهم، يزداد التعامل الأمني معهم ويتم تفريق هذه الاعتصامات بالقوة دون وجود حل نهائي في الأفق.

ورغم أن الأوضاع تبدو هادئة في الوقت الراهن، في ضوء بعض الإجراءات التي اتخذتها الحكومة الكويتية، إلا أن ما يصفها الكثير بقنبلة “البدون” قد تشتعل في أي وقت، لاسيما أن الحكومة الكويتية أكدت مؤخرًا أن تلك الامتيازات التي قررت منحها لـ”المقيمين بصورة غير قانونية” مؤخرًا، لن تستمر طويلاً.

خريطة توضح موقع منطقة الجهراء التي شهدت أول اعتصامات البدون

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد