عندما تمر أمام المرآة في الصباح مرورًا سريعًا، وتنظر إلى جسدك تلك النظرة الجانبية المسروقة، قبل أن تستعد للعمل، وخوض يوم جديد في معترك الحياة؛ هل ما رأيته في المرآة في تلك النظرة الخاطفة سيكون له دور في تشكيل ما تظن أنك تستحقه في هذا اليوم من نجاح أو إنجازات؟

الكثير من الدعايات الإعلانية لمستحضرات التجميل، تخبرك أنك قد لا تنجح، إلا إذا كان شعرك مثاليًا، وجسدك مثاليًا خاصة مع انتشار عقاقير إنقاص الوزن، وسواء أدركت هذا أم لم تدركه، فتلك الدعايات تؤثر سلبًا على تقديرك لجسدك، والربط بين ما تستحقه في الحياة ومدى رشاقة وجاذبية جسدك.

عادة ما نسأل أنفسنا هل يعاملنا الآخرون بطريقة مختلفة وفقًا لشكل أجسادنا؟ وفي بعض الأحيان تأتي الإجابة على هذا السؤال بنعم، ولكن السؤال المهم هل نحن أنفسنا نحدد ما نستحقه في الحياة وفقًا لشكل أجسادنا؟ هذا ما سنحاول الإجابة عنه في هذا التقرير.

هل أنا بدين للدرجة التي تجعلني لا أستحق الحب؟

«الخلاصة هي شعوري بأني لا أستحق ممارسة الجنس؛ لأني تركت وزني يزيد إلى هذا الحد»! كان هذا جزء من مقال رأي كتبته سيدة أمريكية تعاني من زيادة الوزن تحت عنوان «لأني بدينة فانا لا استحق ممارسة الجنس»، وتتحدث فيه عن شكل حياتها الجنسية مع زوجها بعد أن تغير شكل جسدها، فهي لم تعد المرأة الرشيقة التي تعرف عليها في بداية زواجهما، وكان يحب ممارسة الجنس معها معظم الوقت، الآن هو فقط يظهر لها حبه ويغمرها بعناقه، ولكنه لا يتحمس لممارسة الجنس معها بعد زيادة وزنها.

في مقالها أوضحت أنها لا تلوم زوجها على نفوره من جسدها البدين، بل هي تشعر أنها «خانته» على حد وصفها عندما تغير شكل جسدها بعد الزواج. في المقابل ما تعاني منه تلك المرأة التي تعيش في أمريكا، لا يختلف مطلقًا عما تعانيه المرأة في العالم العربي.

«ر.س» تخبر «ساسة بوست» أنها بعد أن أنجبت طفلها الأول، وتغير شكل جسدها تغيرًا ملحوظًا وزاد وزنها، امتنع زوجها عن ممارسة الجنس معها، وأخبرها أنه لا يشعر بالإثارة تجاهها بعد أن زاد وزنها، الأمر الذي جعلها تعاني كثيرًا حتى تفقد الوزن، ومن وقتها – مرت سبع سنوات على الواقعة – وهي كلما زاد وزنها ولو كليوجرامين؛ لا تجرؤ على أن تبدأ معه في ممارسة الجنس، أو حتى تتجمل له التجمل المعتاد، والذي تعتبره إشارة إليه لممارسة الجنس، ولا تفعل ذلك، إلا بعد أن تفقد الوزن بنظام غذائي قاس.

«دعونا نواجه الأمر؛ نحن نعيش في عالم يخجل من السمنة، وهناك صناعات كاملة للحميات الغذائية تعتمد على هذا الخجل، ومعظم الرسائل التي تظهر في وسائل الإعلام تقول لك: إذا فقدت الوزن ستجد الحب، والرومانسية، والجنس، والرشاقة تعني السعادة والاستحقاق» وهذا جزء من مقال آخر لسيدة بدينة تتحدث عن تجربتها مع زيادة الوزن وممارسة الجنس، وقد نشرته في مقال تحت عنوان «هل أنا بدين للدرجة التي تجعلني لا أستحق الحب؟».

من يحدد مقاييس الجمال؟

الشعور بالاستحقاق في العلاقات الرومانسية وممارسة الجنس أصبح في ذهن النساء بالأخص مرتبطًا بالوزن، هل شاهدت من قبل فيلمًا رومانسيًا بطلته زائدة في الوزن؟ كل تلك الصور النمطية التي يروج لها، تترك تأثيرًا على الرجال والنساء، فالرجال يريدون شريكة جنسية تتوافق مع معايير الجمال التي يشاهدونها كل يوم، والمرأة تشعر أنها تريد أن تصل إلى تلك المكانة حتى تستحق الحب والجنس، والأمر امتد أيضًا للرجال زائدي الوزن الذين يقارنون أنفسهم يوميًا بالرجال مفتولي العضلات.

وإذا طالب الرجل شريكته أن يكون جسدها أكثر جاذبية حتى يمارس الجنس معها، ستطالبه بأن يكون مفتول العضلات لنفس السبب، وتبدأ رحلة محمومة من السعي وراء تحسين شكل الجسد، لا بهدف الحفاظ على الصحة، بل بهدف الوصول للشكل الذي يجعلك تستحق الجنس والحب.

ما يؤكده الطب النفسي، أن شعور الإنسان بالاستحقاق يرتبط ارتباطًا بوثيقًا بمدى تحقيق للصورة النمطية عن معايير الجمال الجسدي، والتي يروج لها الإعلام والدعايات في الوقت الذي يعيش فيه الشخص، ويعتبر أكبر دليل على ذلك أنه قديمًا كان يظن العرب أن المرأة زائدة الوزن هي المرأة الجذابة، وكان يُكتب الشعر في تلك المرأة على أنها مقياس الجمال، ومن أمثلتها شعر عمرو بن كلثوم القائل في معلقته: «سمنت وطالت ردافها تنوء بما ولينا»، أي سمينة طويلة الأرداف ثقيلتها، فهل المرأة التي تعاني من زيادة الوزن في ذاك الوقت؛ كانت ستشعر أنها لا تستحق ممارسة الجنس أو الحب؟»

يؤكد الطب النفسي أن الشعور بالإثارة الجنسية، واستحقاق ممارسة الجنس، هو أمر نفسي وعقلي تمامًا يمكن التحكم فيه من خلال التدريب النفسي أو المتابعة النفسية مع طبيب متخصص، بشعور المرأة بكونها مثيرة لا يجب أن يرتبط مطلقًا بشكل جسدها، لأن أي إنسان على مدار حياته يتغير شكل جسده، خاصة المرأة، والتي تمر بالكثير من التغييرات الجسدية والهرمونية على مدار حياتها، ولذلك فشعور المرأة بكونها مثيرة يجب أن يكون «حالة عقلية» أكثر من كونه حالة جسدية.

عندما تصل المرأة زائدة الوزن إلى تلك الحالة الذهنية من الثقة والشعور بالاستحقاق، ستجد أنها تستحق المتعة مثلها مثل المرأة النحيفة، وستجد من يقدر طبيعة جسدها، وهذا الأمر أثبتته الكثير من عارضات الأزياء زائدات الوزن، واللاتي اقتحم كل منهن عالم الموضة بثقتها في جسدها، وارتدائها ما يناسب طبيعة جسدها، ويجعله جميلًا في نفس الوقت، ربما تعد أشهرهن عارضة الأزياء ذات الأصول اللبنانية نادية أبو الحسن.

الأمر لا يتوقف عند ممارسة الجنس

شعور الشخص الذي يعاني من زيادة الوزن أو السمنة بعدم الاستحقاق لا يتوقف عند تجنبه للسعي وراء ممارسة الجنس لشعوره أنه لا يصلح للحب، وإنما هذه هي البداية فقط في رحلة طويلة من الاكتئاب والرغبة في إيذاء النفس، فالأشخاص الذين يعانون من زيادة الوزن – كما أكد الطب النفسي – هم أكثر عرضة للانطواء والإغراق في الاكتئاب، والشعور، بالحزن؛ الأمر الذي قد يؤدي بهم إلى إيذاء أنفسهم، أو اختبار أفكار انتحارية ورغبة في التخلص من حياتهم.

في استطلاع رأي أجرته جريدة الجارديان، أوضح أن النساء البدينات أقرب إلى إيذاء النفس من الرجل البدين، كما اعترف ما يقرب من 15% من المشاركين في الاستطلاع أنهم يعانون من ميول انتحارية بسبب شكل أجسادهم البدين. عدم ممارسة الجنس والانخراط في الحب، سواء بإرادة الشخص البدين أو برفض الطرف الآخر له، ليست سوى المحطة الأولى في رحلة التخلي عن الأحلام والعلاقات الاجتماعية والسعي وراء تحقيق الذات، وهذا لأن نسبة كبيرة من زائدي الوزن قد لا يقبلون على مقابلة عمل يحلمون به وقد يكون مناسبًا تمامًا لقدراتهم العملية، خوفًا من رد الفعل الذي قد يحصل عليه نظرًأ لوزنه.

مع الوقت، وإذا لم يخضع إلى إشراف نفسي متخصص؛ يتحول الشخص الزائد في الوزن إلى ضحية في نظر نفسه لتلك السمنة التي يعاني منها، وكأنه سجين داخل هذا الجسد،، وليس من حقه أن تكون له حياة اجتماعية، أو مهنية او جنسية ناجحة، البعض يستسلمون لكونهم ضحايا في عقولهم، ولكن أيضًا البعض الآخر يقررون تغيير ذلك، ولكن هذا أيضًا له مخاطر نفسية، إن لم يكن الطب النفسي والمتخصصون النفسيون حاضرين.

هل لأنك رشيق وجذاب.. فأنت تستحق الأفضل في الحياة؟

الشعور بعدم الاستحقاق، والذي طالما يرافق صاحب الشخص زائد الوزن في حياته، يكون على مفترق طرق عندما يبذل جهدًا ويفقد الوزن، ويتحول إلى شخص رشيق تنظر إليه كل العيون؛ ليس بالضرورة أن تكون السعادة هي كل ما ينتظره؛ فالأمر أعمق وأكثر تعقيدًا من ذلك.

الإنسان الذي عاش فترة طويلة لا يسعى وراء شيء بسبب بدانته، قد يتعرض للعديد من الصدمات النفسية عندما لا يجد كل أحلامه تتراكم تحت قدميه بعد أن بذل مجهودًا كبيرًا في فقدان الوزن، فوزنه الذي كان يظن أنه منعه من تحقيق أحلامه قد تخلص منه؛ لماذا لا تتحقق الأحلام إذًا؟ هذا السؤال يظل يطارد الكثير من الذين فقدوا وزنهم.

عارضة الأزياء نادية أبو الحسن

فهم قد يحصلون على الإعجاب والجنس ونظرات الاشتهاء من الآخرين، ولكن جسدهم الرشيق لن يوفر لهم الصحة النفسية، والحياة الاجتماعية الناجحة، أو النجاح المهني، أو حتى الحب الحقيقي، كما أنهم يكونوا أكثر عرضة للإصابة بالهوس بأجسادهم، ويصبح هو الأمر الوحيد الذي يفكرون فيه، وكل ما تعرضوا له من تنمر أو انتقاد عندما كان وزنهم زائد، دون وعي يفعلونه مع البدناء، وقد ينظرون إليهم على أنهم ضعفاء لعدم قدرتهم على إنجاز ما أنجزوه، وقد يتطور الأمر لدى البعض إلى الشعور بالنرجسية والغرور.

الأمر الأكثر خطورة، هو الشخص الذي يغير من شكله للأفضل تحت وطأة ضغط شريك حياته، مثل أن تفقد المرأة الكثير من الوزن بعد أن طلب منها زوجها هذا، وامتنع عن ممارسة الجنس معها أثناء فترة سمنتها، فهذا الشخص قد يفكر في ترك شريكه بعد أن يرى في نفسه الجاذبية الكافية، ويشعر أن الشريك الذي لم يتقبله في أوقات سمنته، لا يستحقه في أوقات رشاقته، وقد يفكر في الانتقام من خلال الخيانة.

وحتى الشريك الذي لم يطلب من شريكه إنقاص وزنه، لن يكون محميًا من المخاطر السلبية التي قد تتبع شعور شريكة بمزيد من الجاذبية والرشاقة، فبعد أن يتحول الشخص البدين لشخص رشيق، قد يجد نفسه يستحق شريكًا أفضل في الشكل من الشخص الذي اختاره عندما زاد في الوزن.

الإشراف النفسي مهم

التغيير الجذري لشكل الجسد، سواء للأفضل أو الأسوء – من وجهة نظر صاحبه – له تأثيرات نفسية كثير على الفرد، وعادة ما تكون مؤثرة في حياته الشخصية واليومية، فالإطراء أو النقد الذي يقابله نتيجة التغيير، تجعله يشعر بالتشويش تجاه إدراكه لنفسه وجسده، خاصة إن كان التغيير سريعًا بسبب مرض ما، أو عملية شفط دهون.

مجتمع

منذ 5 شهور
هل يؤثر شكل أبنائنا في تشكيل مشاعرنا تجاههم؟

في تلك الحالة يؤكد الطب النفسي أنه لا مفر من الجوانب السلبية النفسية لهذا التغيير، وتلك الجوانب لا يمكن حلها ببعض نصائح تقرأها في تقرير طبي أو نفسي، فكل فرد تجربته تختلف كليًا عن الآخر، ولذلك فأي تغير جسدي كبير يجب أن يصاحبه إشراف نفسي متواصل، حتى يتأقلم الفرد نفسيًا مع هذا الشكل الجديد، دون أن يطور نوع من عدم الثقة في النفس، أو أن يكون نرجسيًا ويصيبه الغرور ويجعل حياته كلها تتمحور حول شكل جسده.

في النهاية؛ شكل جسدك لن يؤثر في مهنتك إلا لو كانت تتطلب مجهودًا جسديًا، أو أن تكون ممثلًا أو رياضيًا، ولكن ليس عليك ربط وزنك بالأحلام التي تريد السعي وراءها، كما أنك يجب أن تكون مقتنعًا تمامًا أنك تستحق السعادة والحب، سواء كان جسمك رشيقًا أم لا، وتدرك أن كل ما عليك فعله هو إيجاد الشخص الذي يراك جذابًا كما أنت.

المصادر

تحميل المزيد