طفلة صغيرة لم يتعد عمرها أربع سنوات، تجلس أمام سيدة في منتصف العمر، يبدو أنها خالتها، لتمشط لها شعرها وهما يتبادلان حديثًا ما، فجأة تقول الفتاة بعفوية شديدة «أنا قبيحة جدًّا» فتصمت الخالة، تلتفت الصغيرة لتنظر إليها مستفسرة وكأنها لم تنطق توًّا بكلمات تسبب صدمة لمن يسمعها، تقول لها الخالة إنها ليست قبيحة وإنما جميلة، وأنها يجب ألا تقول ذلك عن نفسها مرة أخرى، فتنفجر الصغيرة في البكاء.

على مدار أربع دقائق هي مدة الفيديو الذي انتشر على وسائل التواصل الاجتماعي منذ فترة، تتحدث المرأة مع الصغيرة واصفة لها كل مميزات شكلها، ولون بشرتها الأسمر الجميل، وشعرها المصفف بعناية، وغمازات خديها، تحتضنها وتهدئ من روعها، تكرر عليها كلمات مثل أنت جميلة، أنت أجمل فتاة في الصف، شعرك جميل، جسدك جميل، عيناك جميلتان، تهدأ الصغيرة رويدًا رويدًا، وينتشر الفيديو سريعًا عبر العالم، ويعلق عليه المشاهير منددين بالتنمر والتعيير بالجسد أو اللون، والعنصرية التي يواجهها الأطفال والكبار في كل المجتمعات تقريبًا.

هذه الطفلة حتمًا لم تكوِّن هذا الرأي عن نفسها، بل بالتأكيد سمعته مرارًا في المدرسة والشارع، وهي ليست الوحيدة، فالتعيير بالجسد أو ما يسمى بالـ«Body shaming» هو مأساة يتعرض لها الكثير من الفتيات والسيدات حول العالم.

تُعيرين بلونك أو بشكلك أو بجسدك، تتعرضين للرفض والنبذ المجتمعي لأسباب جينية بحتة هي ليست عيوبًا في الأساس، فليس هناك نمط معين أو قالب يجب أن يشبهه جميع البشر، ويتسبب هذا التعيير في الكثير من المشكلات النفسية والاجتماعية، ويكون أحيانًا معطلًا للحياة، بل مهددًا لها.

في البداية.. ما هو التعيير بالجسد أو الـ«Body Shaming»؟

طبقًا لتعريف الرابطة الوطنية الأمريكية لاضطراب فقدان الشهية العصبي والاضطرابات المصاحبة؛ فإن التعيير بالجسد هو انتقاد المظهر والتقليل من شأن الفرد وإشعاره بعدم الكفاية، وأنه خارج عن المألوف بطريقة سلبية، وهو ينقسم إلى ثلاثة أنماط:

  • انتقاد المظهر الذاتي من قبل الفرد لنفسه، والحكم الذاتي على نفسه بأنه غير كفاية، أو المقارنة بين ذاته والآخرين.
  • انتقاد مظهر الآخرين في حضورهم.
  • انتقاد مظهر الآخرين في غير حضورهم.

وطبقًا لمقال منشور على موقع مؤسسة «سايكولوجي توداي»؛ فإن التقليل من شأن الآخرين والاستهزاء بهم والتعيير بأجسادهم أو أشكالهم يمكن أن يحدث شخصيًّا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فالمنصات التكنولوجية في هذا العصر تلعب دورًا مهمًّا في التنميط الجسدي، فضلًا عن أنها تعد وسيطًا مناسبًا للحكم على مظهر الآخرين وتعييرهم بأجسادهم.

رمانة الميزان.. الحاجة للتقبل ليست رفاهية!

في الأربعينيات ظهر «تسلسل ماسلو الهرمي» للاحتياجات الإنسانية، والذي وضعه عالم النفس الشهير، أبراهام ماسلو، بناء على دراساته للطبيعة النفسية البشرية واحتياجاتها الأكثر إلحاحًا، والتي لا يمكن أن يتحقق التوازن النفسي للإنسان دونها.

كانت الاحتياجات النفسية تمثل منتصف الهرم بالضبط، وهي تتمثل باختصار في الحاجة إلى التقبل والتقدير، والحاجة إلى الشعور بالثقة، وهي تأتي بالضبط بين الاحتياجات البيولوجية في قاعدة الهرم وبين الحاجة إلى تحقيق الذات التي تأتي على قمته، ومن ثم فالحاجة إلى التقدير والتقبل هي رمانة ميزان الصحة النفسية للفرد.

الحاجة إلى أن يتقبلنا الآخرون ليست رفاهية، بل هي حاجة نفسية أساسية من الاحتياجات الأساسية التي ترتكن عليها صحة الإنسان ووجوده، وبالتالي فإن الشعور بعدم التقبل الذي يجلبه التعيير بالجسد لا يؤثر فقط في مستوى الرضاء النفسي للفرد، بل في أفكاره ومشاعره؛ مما يعرضه أحيانًا لأفكار انتحارية للتخلص من الشعور الملازم له بعدم الكفاية.

ما النتائج المترتبة على التعيير بالجسد؟

التعيير المجتمعي بالشكل أو الجسد أو اللون منتشر حول العالم، هناك دومًا من يجد ثغرة فيمن حوله ويبدأ في استغلالها للضغط النفسي عليهم، ونتيجة لهذا الضغط والتعيير بالجسد وطبقًا لمقال منشور على مؤسسة «كلاريتي كلينيك» فإن التعيير بالجسد يعرض الفرد لمجموعة من المشاعر السلبية، والتي تكون نتيجتها:

  • الحرج
  • القلق
  • الحزن
  • الغضب
  • الخوف
  • تدني قيمة الذات
  • انخفاض الصورة الذاتية
  • انخفاض معدل الاحترام الذاتي

الأمر ليس هينًا ولا يندرج تحت بند الرفاهيات؛ فالإنسان كائن اجتماعي يستمد وجوده من تفاعلاته مع البشر من حوله، وإذا كانت هذه التفاعلات تتسم بالسلبية فإن مردودها على الصحة النفسية والجسدية للفرد لا يمكن أن يكون هينًا.

ففي تقرير منشور في صحيفة «الجارديان» وطبقًا لأحد أكبر استطلاعات الرأي التي أجرتها مؤسسة الصحة العقلية البريطانية، فإن واحدًا من ثمانية أشخاص في عمر الثامنة عشرة فما فوق تنتابهم أفكار انتحارية بسبب القلق المزمن الذي يعانونه بسبب صورتهم الذهنية عن أجسادهم، والتي ساهم المجتمع من حولهم في تشويهها.

لماذا النساء أكثر عرضة إلى التعيير بالجسد؟

في بحث منشور على موقع مؤسسة «سايكولوجي توداي» الأمريكية عن الإحصائيات الخاصة بصورة الجسد والتنمر عليه، وجد أن النساء هن الفئة الأكثر عرضة لمشكلات الصورة الذاتية الناتجة من التنميط المجتمعي للجسد والشكل المثاليين.

فقد أوضحت الدراسات أن نسبة 91% من النساء غير راضيات عن أجسامهن، ودائمًا ما يتبعن أنظمة حمية في سبيل الوصول للجسم المثالي، ومقارنة بالرجال فكل 10 نساء يعانين من اضطرابات الطعام مقابل رجل واحد، هذا على مستوى الجسد، أما على مستوى الشكل، فقد أوضحت الدراسات أن نسبة 40% من النساء لديهن قابلية للخضوع لعمليات التجميل لتصحيح ما يرونه عيوبًا في ملامحهن، في مقابل 20% من الرجال.

وعلى موقع منصة «إيه بي سي» نشر تقرير عن الأسباب التي جعلت النساء هن الأكثر عرضة إلى التعيير بالجسد من قبل المجتمع، وقد كانت الأسباب كالتالي:

  • حشو رؤوس الأطفال منذ الصغر بأن في جسد المرأة شيئًا ما خاطئًا؛ فالكبار دومًا يعطون للأعضاء الحساسة أسماء حركية، ومن التابوه أن ينطق الأطفال كلمة مهبل مثلًا، وكل الأمور الخاصة بأجسام النساء لا يتم النقاش فيها بحرية وعلى الملأ ولكن في السر دومًا.
  • معاملة الوظائف الجسدية البيولوجية الطبيعية وكأنها فضيحة، الحيض على سبيل المثال يعامل بوصفه شيئًا يجب دومًا أن نداري حدوثه، رغم أنه إحدى الوظائف الحيوية التي يقوم بها جسد المرأة دوريًّا ولا يستلزم كل هذا الحرج.
  • تشييء المرأة والسعي وراء الجسد المثالي، والذي غذته السوشيال ميديا في عقول وخيالات الأفراد أيضًا، يساهم في الضغط المجتمعي على المرأة ويعرضها للتعيير الجسدي إذا خرجت عن هذه المعايير المثالية المتعارف عليها.

كيف إذن يمكن التغلب على التعيير بالجسد؟

تحدثنا رجاء باسم (اسم مستعار) فنانة تشكيلية تبلغ من العمر 44 عامًا، وأم لشابة مراهقة تعرضت ابنتها كثيرًا للتعيير الجسدي؛ كونها ورثت بنية عريضة وكبيرة من الأب والأم على حد سواء؛ مما جعل الابنة دومًا تبدو أكبر من عمرها بجسد ضخم عرَّضها للتعيير بالجسد مرات كثيرة في المدرسة والشارع وفي العائلة، ورغم ذلك استطاعت أن تتغلب على هذا الوصم؛ مما جعل ابنتها وهي في مرحلة المراهقة الحساسة تلك لا تشعر أصلًا بأنها مختلفة عن قريناتها.

تقول رجاء، إنها منذ أن كانت ابنتها طفلة وهي تؤكد لها شيئًا واحدًا فقط، وهو أن الحجم غير مؤثر، ولكن المقياس الأهم هو الصحة، ولذلك كانت تشترك لابنتها في كل الأنشطة المدرسية المتاحة ومنها مثلًا الجمباز، أيضًا كانت تحرص على أن تشتري لابنتها كل أنواع الملابس التي ترتديها قريناتها، فلم يكن هناك في حياتهم ما يمنع أن ترتدي الفتاة ملابس الصغار حتى لو كان جسدها أكبر من أجسادهم، هي فتاة صغيرة ويجب أن ترتدي وتعامل كفتاة صغيرة ولا دخل للحجم هنا بأي شيء، الحجم ليس عاملًا أصلًا.

تتدخل الابنة في الحديث لتخبرنا بأنها لا تشعر بأنها مختلفة، ولم تفكر أبدًا في أن جسدها قبيح أو غير كافٍ ليقبلها المجتمع، بل في كل مرة تتعرض فيها لأي تعليق من أي شخص في محيطها عن جسدها والأنظمة الغذائية والحميات؛ تشعر بأن المشكلة ليست فيها لكن قطعًا المشكلة في الشخص الذي قرر فجأة أن يعلق على جسدها، وتنهي كلامها بأنها تعتقد أن السبب في ذلك أن أهلها يتقبلونها ويشعرونها بأنها كافية.

تعود لنا الأم لتخبرنا بأن الطريق لم يكن سهلًا كما يبدو من حديث ابنتها، ولكنها اضطرت لخوض الكثير من الصراعات والنقاشات على مدار عمرها عن جسد ابنتها، رغم أن الفتاة ورثت البنية الكبيرة من العائلة، فمن الواضح جدًّا أنها لا تعاني أي مشكلة صحية أو تفرط في الطعام، ومع ذلك كان الكثيرون يتجاهلون ذلك، ويبدأون في إسداء النصائح الحزينة للفتاة وللأم، مما اضطرها لأن تدخل معارك كثيرة لتربح نفسية ابنتها وتربح نظرة ابنتها الآن التي تفتخر بجسدها وجمالها، والتي لا تكف عن التقاط الصور لنفسها ولو للحظة واحدة.

لكن.. كيف تتخطى التعيير بالجسد فلا يترك أثره في نفسك؟

يلخص مقال منشور على موقع مؤسسة «سايكولوجي توداي» الإستراتيجية المثلى لتخطي التعيير بالجسد في عدة نقاط كالتالي:

  • أحط نفسك دومًا بوسائل تعدد قبول الجسد، خاصة على منصات السوشيال ميديا المختلفة.
  • صدق أنه بإمكانك أن تحب نفسك كما هي.
  • لا تخجل من جسدك وتتفنن في إخفائه.
  • اعتبر نفسك كنت مخطئًا عندما اعتقدت أن جسدك ليس كافيًا ليجعلك مقبولًا.
  • توقف عن التنمر على ذاتك.
  • اخلق داعمًا ذاتيًّا لك من داخلك.
  • تدرب على توجيه الشكر لجسدك.

تربية

منذ سنتين
أنتِ أم وتعانين من الانتقاد والتنمر؟ 6 نصائح تساعدك في تخطي الشعور بالذنب

وفي النهاية لا يسعنا سوى أن نؤكد أن أجسادنا منحة يجب أن نحافظ عليها، وأنه ليس هناك أي منطق في أن يكون كل البشر متساوين في الشكل والملامح والأحجام، وأن تنوع أشكال وألوان وأحجام البشر ضرورة، وأن التعيير بالجسد يخلو تمامًا من أي منطق، ومن يمارسه إنما يكون في الغالب يعوض ضعفًا ما أو نقصًا يجتاحه لا يستطيع تعويضه إلا لو قلل من شأن الآخرين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد