كم تبلغ درجة حرارة الجسم البشري؟ هذا السؤال يبدو بسيطًا وسهل الإجابة لأي شخص تقريبًا، لأن هذه المعلومة لا بد وأن تكون مرت عليك بالفعل خلال دراستك الابتدائية أو الإعدادية، أو حتى خلال مرضك أو مرض أحد أفراد أسرتك وارتفاع درجة حرارته. يعرف أغلبنا أن متوسط ​​درجة حرارة جسم الإنسان هو 37 درجة مئوية، لكن يبدو أننا مخطئين، إذ اتضح أن أجسادنا أصبحت أقل برودة عما كانت عليه في القرن التاسع عشر. هذا صحيح، إذ يبدو أن جسم الإنسان كان يمر بعملية تبريد تدريجية على مدار سنوات عديدة دون أن نشعر بهذا الأمر.

37 رقم أعلى من الطبيعي.. لكن ما السبب؟

ما هي درجة حرارة الجسم الطبيعية لدينا؟ في عام 1851، قام طبيب ألماني يدعى كارل راينهولد أوجست وندليتش بعملية مسح لحوالي 25 ألف شخص في مدينة واحدة ووجد أن 37 درجة مئوية هي درجة حرارة الجسم القياسية. ومع ذلك، تشير التحليلات والمسوحات الحديثة إلى أن متوسط درجة حرارة الجسم أصبح الآن أقل.

على سبيل المثال، وجدت دراسة أجريت على أكثر من 35 ألف شخص في المملكة المتحدة أن 36.6 درجة مئوية هي متوسط درجة الحرارة عن طريق الفم. هل يمكن أن يكون هذا التناقض نتيجة للتغيرات في أدوات القياس؟ أم أن النتائج الجديدة تعكس أمرًا ما طرأ على حياة الإنسان بالفعل؟

تقول جولي بارسونيت من جامعة ستانفورد في كاليفورنيا إن الأطباء الذين درسوا درجة حرارة الجسم عرفوا لعقود أن 37 درجة مئوية كانت رقمًا مرتفعًا للغاية ولا يبدو أنه حقيقي. هؤلاء الأطباء اعتقدوا دائمًا أن هذا الرقم الأعلى من الطبيعي كان مجرد خطأ في عمليات القياس في الماضي، وليس لأن درجة الحرارة انخفضت بالفعل.

بعبارة أخرى فإن الأطباء في العصر الحديث لاحظوا بالفعل أن درجة حرارة جسم الإنسان هي أقل من 37 درجة مئوية، وبالتالي افترضوا أن عمليات قياس درجة الحرارة في الماضي كانت خاطئة وغير دقيقة، وأن حرارة جسم الإنسان مستقرة عند رقم ثابت معين وأن الأطياء القدامى لم يكونوا دقيقين في حساباتهم.

ولمعرفة ما حدث بالفعل، قامت بارسونيت وفريقها البحثي بدمج ثلاث مجموعات من البيانات. غطت الأولى 23710 من قدامى المحاربين في جيش الاتحاد خلال الحرب الأهلية الأمريكية، والذين جرت عملية قياس درجات الحرارة لهم في الفترة بين عامي 1860 و1940.

هذا الأمر مثل تحديًا حقيقيًا للباحثين، إذ استغرق منهم الأمر وقتًا طويلاً للعثور على قاعدة بيانات تعود إلى القرن التاسع عشر تضم درجات حرارة الأشخاص. في المقابل، امتدت مجموعات البيانات الثانية في الفترة بين عامي 1971 إلى 1975، فيما كانت المجموعة الثالثة بين عامي 2007 إلى 2017. في المجموع، حلل الفريق البحثي 67723 درجة حرارة مقاسة لأفراد.

المفاجأة: البشر يبردون تدريجيًا

في المتوسط​​، انخفضت درجة حرارة أجسام الأفراد محل الدراسة بمقدار 0.03 درجة مئوية لكل عقد من الزمن. كان لدى الرجال الذين ولدوا في أوائل القرن التاسع عشر درجات حرارة أعلى بنسبة 0.59 درجة مئوية عن رجال اليوم. وبالنسبة للنساء لم يصل الأمر إلى نفس الدرجة، لكن درجة حرارة أجسادهن انخفضت بنسبة 0.32 درجة مئوية منذ تسعينيات القرن التاسع عشر. هذا يعني أن متوسط ​​درجة حرارة الجسم اليوم حوالي 36.6 درجة مئوية، وليس 37 درجة مئوية كما كان يعتقد على نطاق واسع.

ربما يشكك البعض في أن القياسات التي أخذت في القرن التاسع عشر لم تكن دقيقة، وهو ما يعني أن عملية الانخفاض في درجة حرارة جسم الإنسان ليست حقيقية. لكن الفريق البحثي الذي قام بهذا البحث قدم لنا دليلين على أن البرودة حقيقية وليست ببساطة نتيجة لمقاييس الحرارة القديمة التي لا يمكن الاعتماد عليها.

الدليل الأول اتضح من وجود اتجاه ملحوظ ومرئي ضمن مجموعات البيانات الأكثر حداثة حول حدوث هذا الانخفاض في الحرارة، والتي من المفترض أن تكون فيها موازين الحرارة المستخدمة أكثر موثوقية. التراجع في حرارة جسم الإنسان الذي شهدناه منذ ستينيات القرن التاسع عشر إلى ستينيات القرن العشرين، نرى نفسه في الفترة من ستينيات القرن العشرين وحتى اليوم. وبالطبع لا يعتقد أحد أن هناك فرقًا كبيرًا في موازين الحرارة بين ستينيات القرن العشرين وتلك الموجودة اليوم.

صحة

منذ سنة واحدة
أفكار خاطئة عن مؤشر كتلة الجسم.. كونك نحيفًا لا يعني أن صحتك جيدة

الدليل الثاني ظهر من خلال ملاحظة أن كبار السن لديهم درجات حرارة لأجسادهم أعلى من الأشخاص الأصغر سنًا الذين تم قياسهم في نفس السنة، بغض النظر عن الوقت الذي كانت فيه تلك السنة التي وقع فيها القياس. هذا يدل على دقة قياس هذه الترمومترات إذ كنت لتتوقع الحصول على مزيد من الاختلافات في البيانات إذا كانت مقاييس الحرارة أقل دقة.

لكن هذا الأمر لم يحدث، إذ كان هناك توافق صحيح لقياسات مجموعات الأشخاص حسب تواريخ ميلادهم مع درجات الحرارة المتغيرة لهم خلال فترات أعمارهم. هذا يعني أن تغيير موازين الحرارة وحدها لا يمكن أن يفسر التأثير والاختلاف الحادث. وبالتالي يتضح أن هناك بالفعل انخفاضًا في درجة حرارة جسم الإنسان.

علينا أن نعرف أيضًا أن هذا الاتجاه نحو برودة جسم الإنسان لا يظهر أي علامات على التوقف قريبًا. لكن في المقابل سيكون هناك حد بالتأكيد لهذا الانخفاض، ولن تصل حرارة أجسادنا إلى الصفر. لكن لا أحد من العلماء يعرف متى سيقف هذا الانخفاض بالضبط.

لكن لماذا يحدث هذا الانخفاض؟

بحسب الباحثين، فإن التفسير الأكثر ترجيحًا من وجهة نظرهم هو أن البشر من الناحية الميكروبيولوجية، أصبحوا أشخاصًا مختلفين للغاية عما كانوا عليه من قبل. إذ يعاني الأشخاص المعاصرون من عدد أقل من الإصابات المعدية الميكروبية، وذلك بفضل اللقاحات والمضادات الحيوية، وبالتالي فإن أجهزتنا المناعية أقل نشاطًا وأنسجة أجسامنا أقل التهابًا.

إذا كان هذا صحيحًا، فستكون درجات حرارة الجسم قد انخفضت أيضًا في بلدان أخرى تحسنت فيها صحة الناس وليس أمريكا فقط، كما أظهرت الدراسة التي ذكرناها في البداية. فقط نحتاج إلى التأكد من خلال دراسات مشابهة في بعض الدول المتقدمة الأخرى، وأيضًا بعض الدول النامية لتأكيد هذه الفرضية. الاختلافات التي لوحظت في درجة الحرارة بين القرن التاسع عشر واليوم توفر أدلة فسيولوجية مهمة للتغييرات في صحة الإنسان وطول العمر منذ الثورة الصناعية.

(تغير نمط حياتنا أدى إلى انخفاض درجة حرارة أجسادنا)

معظمنا يأخذ درجات الحرارة على محمل الجد فقط عندما نشعر بالقلق من احتمال الإصابة بالحمى نتيجة للعدوى أو نزلة برد، على سبيل المثال. لكن يمكن أن تشير درجة حرارة الجسم إلى العديد من العوامل الأخرى وتتأثر بها؛ إذ يمكن لعادات نمط الحياة والعمر ودرجة الحرارة المحيطة أن تؤثر جميعًا على الكيفية التي يشتت بها الجسم الحرارة.

درجة حرارة الجسم هي أيضًا علامة على صحة التمثيل الغذائي. على وجه التحديد، يوضح الباحثون أن درجة حرارة جسم الإنسان تشير إلى معدل الأيض، الذي يربطه البعض بطول وحجم الجسم. وكلما قلت إصاباتنا بالالتهابات نتيجة العدوى فإن مقدار الطاقة الذي نحتاجه لمواجهة الغزو الخارجي ونحصل عليه من خلال عمليات الأيض يقل. أمر آخر مهم، قد تسبب تكييف الهواء وانتشار التدفئة في البيوت وأماكن العمل إلى جعل درجة الحرارة في البيئة المحيطة بالإنسان أكثر اتساقًا، مما يجعل استهلاك الجسم للطاقة للحفاظ على نفس درجة حرارة الجسم أمرًا غير ضروري.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد