في الثاني من يناير (كانون الثاني) لعام 2015، وبينما تسير المظاهرة الحاشدة في شوارع العاصمة النيجيرية أبوجا، كان السيد صامويل أبانا يقف باكيًا، ولا يدري بما عليه فعله ليصلح الأمور، لقد مر 262 يومًا، ولم يتغير شيء، نفس الوجه والحزن والدموع التي كانت لديه في كل صباح، منذ أن حدث ما حدث لابنته. وفي وقفته لا يبدو حال من هم بجانبه أفضل بالشيء الكثير، وهم يشاركونه البكاء أيضًا، والألم والأيام الطويلة من الانتظار، والآمال التي تتلاشي ببطء، والعجز أمام ما عجزت أمامه الدولة بأكملها، لأنه لا شيء يمكن لحفنة من الرجال أن يفعلوه مع من يتحدون الجيش النيجيري نفسه.

في هذا العالم الحزين، وفي نفس اليوم الذي بدأت فيه مأساة الجميع، لم يكن شرطًا أن ينتشر الحزن بين جميع الرجال، لقد كان هناك رجل يضحك بالفعل سعيدًا بما حدث!

بوكو حرام

من آباء الفتيات المختطفات

في ليلة 14 أبريل (نيسان) لعام 2014، فُتحت مدرسة مدينة «شيبوك» الثانوية العامة، في ولاية بورنو في الشمال الشرقي النيجيري، بعد غلقها لأربعة أسابيع، بسبب هجمات جماعة أهل السنة للدعوة والجهاد (بوكو حرام)، التي تزايدت على المدارس والمنشآت التعليمية والعامة. في هذا اليوم، تم استدعاء 530 فتاة ما بين 16 إلى 18 عامًا، هن الطالبات المسجلات من المدينة والقرى المجاورة لأداء امتحان الفيزياء للعام الثانوي الأخير. لا يُعرف العدد الذي حضر على وجه الدقة، لكن جميع التقارير وبيانات الجيش النيجيري، وتصريحات أهالي الفتيات أيضًا، تؤكد أن العدد فاق 300 فتاة.

عندما حضرت الطالبات، طلب منهم مسؤول المدرسة أن يجلسن بلا حراك، وألا يخرجن حتى يخبرهن بذلك، بعدها أتت مجموعة كبيرة من الرجال في شاحنات، يرتدون ملابس حراس المدرسة، وأخبروا الفتيات أن يصعدن لبعض الشاحنات، ثم أخذوهن إلى ما يُتوقع أنه معسكرات الجماعة في غابات «سامبيسا»، القريبة من حدود تشاد الجنوبية. عندما علمت الفتيات بأنه اختطاف من بوكو حرام، استطاعت مجموعة ما بين 50 إلى 60 فتاة، القفز من الشاحنات والهرب، بينما اختطفت الجماعة المكونة من مرتزقة في أغلبها عددًا لا يقل عن 230 طالبة بنجاح.

منذ العام 2009، وهو عام بداية الاشتباكات بين بوكو حرام وقوات الأمن النيجيرية، يتساقط القتلى بلا توقف، حتى تعدى العدد مؤخرًا 15 ألف قتيل منذ بدء الصراع، بالرغم من ذلك، ومن بحر الدماء الذي تسبح فيه الدولة الإفريقية الأغنى بالنفط، فإنه يمكننا اعتبار حادثة خطف الفتيات علامة فارقة، هزت المجتمع النيجيري بعنف، منذ ظهر التنظيم للسطح في بداية العقد الماضي.

ما يهمنا هنا هو ما حدث بعد ذلك بفترة قصيرة، فبعد أيام من الاختطاف الجماعي، والمظاهرات الحاشدة، ووعود رئيس الجمهورية حينها، جودلاك جوناثان، بإعادتهن سالمات، ظهر رجل يحمل مدفعًا آليًا، واقفًا أمام مدرعة عسكرية، وحوله بضعة رجال مسلحين وملثمين، وبيده بضع أوراق يقرأ منها على فترات متقطعة، كان الرجل هو «أبو بكر شيكاو»، زعيم الجماعة الغامض، الذي لا يُعرف عنه الكثير.

وقف حينها شيكاو ضاحكًا، ملوحًا بيده اليمنى، وقائلًا بمرح: «الجميع يصنعون ضجة لأني أخذت بضع فتيات يتعلمون تعليمًا غربيًا! حسنًا، دعني أخبركم أنني أخذتهم وأنهن سيتزوجن. نحن ضد التعليم الغربي، أوقفوا التعليم الغربي، ودعوني أكرر: لقد أخذت الفتيات وسأبيعهن. هناك سوق لبيع الفتيات»، وأكمل حينها حديثًا استمر بضع دقائق، فيما بدا من تقلب انفعالاته السريع والحاد عدم استقراره النفسي. ثم طلب بعدها الإفراج عن مسلحي التنظيم المعتقلين من قبل الجيش، مقابل إطلاق سراح الطالبات.

بعد فترة أخرى، نشرت بوكو حرام تسجيلًا للفتيات المختطفات وهن يقرأن الفاتحة بشكل جماعي، مع إعلان تزويجهن من أعضاء الجماعة المُسلحة. وعدد لا بأس به منهن أصبحن حوامل بالفعل. الآن وبعد مرور عامين تقريبًا على ما حدث، لم يتغير أي شيء، بل اتجهت الأمور للأسوأ بلا توقف.

في نهاية العام الماضي (2015)، خرج الرئيس النيجيري، الجنرال محمد بخاري، ليتوجه بالدعوة لأمير الجماعة، شيكاو، ليخبر السلطات بمكان الفتيات، ومن ثم سيكون هناك تفاوض لإعادتهن، مما بدا أنها محاولة غير مفهومة وغير منطقية لإعادتهن بعد كل هذه الفترة، فلن يقبل شيكاو الاقتراح بالتأكيد كأنها دعوة ودية، وهو الذي وقف على شاحنة من قبل، ممسكًا ببندقية آلية قادرة على اختراق الدروع، ومطلقًا الرصاص منها وهو يرقص ضاحكًا. وبينما كان الجنرال بخاري يتحدث عن عدم امتلاكه لأي معلومات استخباراتية عن أماكن الفتيات، كانت بوكو حرام تنتقل نقلة جديدة في العام المنصرم: لقد استخدموا فتيات صغيرات كانتحاريات بلا رحمة، وأغرقوا نيجيريا في الرعب.

في الأسبوع الثاني من بداية العام الحالي، يناير (كانون الثاني)، سار أهالي الفتيات المختطفات في مظاهرة جابت أبوجا، وصولًا إلى مقر الرئاسة النيجيرية ليقابلهم بخاري بنفسه، بعد موجة لم تتوقف من الانتقاد في تعامل الحكومة النيجيرية مع الحادثة منذ وقوعها وحتى الآن، موجة عنوانها تباطؤ الجيش وعجزه عن الوصول إلى، وتحرير، من تعتبرهم بوكو وزعيمها «الطرائد الأغلى» لديهم.

كانت كلمات بخاري في مقابلته مع الأهالي دبلوماسية كما هي العادة، وأخبرهم أنه لا ينام أو يستيقظ إلا مفكرًا بشكل دائم في المختطفات، وأن التقاعس عن الوصول للفتيات كان من أهم دوافعه للإطاحة بقيادات الجيش النيجيري، في يوليو (تموز) من العام الماضي، ثم أخبرهم أنه يبذل كل ما في وسعه، وأمر بإطلاق تحقيق جديد أدق وبشكل موسع، بإشراف مستشاره الخاص للأمن القومي، فيما بدا وكأنها محاولة أخرى مستمرة لتهدئة الأهالي، وتقليل الانتقادات في هذا الصدد، وهي الانتقادات التي أخرجت الكثير من علامات الاستفهام، بخاصة بعد الفترة الأخيرة، التي نجح فيها الجيش النيجيري في استعادة معظم الأراضي التي كانت تسيطر الجماعة عليها، فضلًا عن تحرير المئات من الأسرى، بدون أي أثر أو نتيجة مشابهة بالنسبة لفتيات شيبوك.

في 20 مارس (آذار) الجاري، وفيما سبب المزيد من هذه الانتقادات ورفع وتيرتها مرة أخرى، كشف أندرو بوكوك، المفوض السامي البريطاني السابق في نيجيريا، في تحقيق أجرته كريستينا لامب لمجلة صانداي تايمز، عن أن الولايات المتحدة وبعض الحكومات الأوروبية، كانت على علم بمكان 80 فتاة من المختطفات، بعد أشهر من اختفائهن، وأن نظم مراقبة أمريكية رصدتهن في غابات سامبيسا بالفعل، في إحدى معسكرات بوكو حرام، ثم قال إنهم لم يرغبوا في التدخل مخافة استخدام الجماعة للفتيات كدروع بشرية، لكنهم مرروا المعلومات للحكومة النيجيرية التي لم تفعل شيئًا، ولم تطلب أي مساعدة منهم. ومما ذكرته كريستينا أيضًا، أن الجماعة قامت بتسجيل عمليات اغتصاب الفتيات مرارًا وتكرارًا، وأن مقاتليها استخدموهن كعبيد لممارسة الجنس والقيام بعمليات انتحارية تفجيرية أيضًا.

من هنا، بدا وأن الجماعة، المصنفة دوليًا كالتنظيم الأكثر «دموية وإرهابًا» في العالم، على مدار الأعوام السابقة، في طريقها لنيل مكاسب محققة، بعد اتباعها نمطًا غير مألوف بالنسبة للجماعات الجهادية، وإظهارها قاموسها الخاص الموصوف بـ«الجنون الدموي». لكن كل ذلك سيبدأ في الانحدار وصولًا إلى التسجيل الجديد لزعيم التنظيم هذا الشهر، وسيبدو للعالم وكأن السحر انقلب على الساحر، وأن بوكو في طريقها لتُهزم بالفعل.

قبل سرد ما حدث هذا الأسبوع، يبرز السؤال الأساسي: كيف يمكن فهم خلفية «جنون التنظيم»؟

رغم مبايعتها.. بوكو حرام ليست «داعش»

عندما أعلنت بوكو حرام مبايعتها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، في تسجيل صوتي لأبي بكر شيكاو في بداية مارس (آذار) العام الماضي، ظن الجميع أن الأمور قد حسمت لصالح أبي بكر البغدادي وتنظيمه، مع تصور عام بنجاح «تنظيم الدولة» في الانتشار، في نفس الوقت الذي ظن فيه المهتمون بالسلفية الجهادية في إفريقيا، أن صراع الانتشار بين «تنظيم الدولة» والقاعدة، حُسم في غرب إفريقيا لصالح «تنظيم الدولة»، بعد تأكيد شيكاو على طاعة البغدادي في الرخاء والشدة، وتغيير اسم بوكو إلى «ولاية غرب إفريقيا». وربما تبدو معطيات الصورة الماثلة واضحة لدرجة الحسم، لكن الأمور ليست بهذه البساطة، وبوكو ليست «داعش» حتى بعد المبايعة.

في بداية العقد الأول من الألفية الجديدة، وعندما أسس الجماعة، الشاب الثلاثيني، محمد يوسف، كان يستلهم خطى الشيخ عثمان دان فوديو، المؤسس التاريخي لخلافة «سوكوتو» في القرن التاسع عشر، وهو ما يمكن اعتباره الجذر الأقدم للسلفية الجهادية في نيجيريا، وربما إفريقيا كلها. بدا وأن محمد يوسف يُطبق نموذج الشيخ بشكل مقارب تمامًا، بخاصة مع بداية بوكو حرام المتشددة والسلمية في نفس الوقت، من حيث تحريم أنظمة التعليم الغربية والدعوة إلى تطبيق الشريعة في نيجيريا خلافًا للنظام العلماني هناك، وهو ما أكده بنفسه الأمير الحالي شيكاو، عندما قال، إن «بعض علماء الدين لا يعرفون كيف كان يحكم عثمان دان فوديو بالقرآن»، لكن كل ذلك تم حتى وقت سابق، دون سلاح.

في المرحلة الثانية والأهم من حياة الشيخ عثمان، وعندما أعلن الجهاد على نظام تلميذه القديم «يونفا» في إمارة «جوبير»، كان للشيخ حاضنة شعبية ساعدته على اتخاذ قرار الحرب، تلك الحاضنة المحتوية على ود الكثيرين من أهل جوبير، وكان ولاؤهم عن إيمان بمثابة الدرع الواقي لحركة خلافة سوكوتو، الشيء الذي افتقده مؤسس بوكو حرام بعد أعوام من التأسيس، والشيء الذي غير الدفة بأكملها، عندما اتجهت بوكو أو ولاية غرب إفريقيا حاليًا، للعنف المسلح.

خلال السنوات السبع الأولى من حياة بوكو حرام، كانت الأمور تسير بآلية منتظمة وبتفاهم هادئ بين الجماعة وبين الحكومة النيجيرية. في هذا الفهم المشترك تُترك الحرية لمحمد يوسف، وجماعته، للدعوة وإنشاء مدارسهم ونمطهم الخاص، مقابل غض الطرف عنهم، وبالطبع كان للفساد دور كبير في تسيير الأمور. لكن بدا أن بوكو تحقق انتشارًا وتزيد من تعداد مقاتليها، وبدا وكأن الجماعة تريد الانتقال من نموذج الشيخ عثمان، للنموذج المتطرف لمدعي النبوة الشهير، محمد ماروا، زعيم حركة الإسلام الثوري أو حركة «ميتاتساين»، والتي أدخلت نيجيريا في صراع أوقع خمسة آلاف قتيل في الثمانينيات، وهو النموذج الأقرب والأوضح مثالًا لما يفعله شيكاو حاليًا.

لا يعرف أحد ما الذي حدث تحديدًا حينها، لكن أغلب الروايات تشير إلى خلاف بين بوكو والشرطة كشرارة البداية، لذلك وفي 2009 تصادم الطرفان وبدأ العمل المسلح للجماعة، وفي عام البدء، تدخل الجيش بقوة خاصة لعجز الشرطة، لتكون محصلة حرب الجيش عليهم 700 قتيل، أغلبهم من أعضاء الجماعة، وعلى رأسهم محمد يوسف نفسه. وتلقائيًا تمت مبايعة الرجل الثاني وذراع يوسف اليمنى، أبي بكر شيكاو، ليبدأ مع عام 2010 مرحلة جديدة تمامًا، ويُحوّل بوكو حرام لتنظيم لا يمت بصلة لأسلوب أو طريقة عمل القاعدة أو حتى «تنظيم الدولة»، وإنما أقرب تنظيميًا لعصابات المخدرات اللاتينية وتنظيمات المافيا.

ثم كان شيكاو

إنني أستمتع بقتل أي أحد أمرني الله بقتله، بنفس الطريقة التي أستمتع فيها بذبح الدجاج والخراف. – أبو بكر شيكاو بعد هجمات كانو 2012

الغموض، والجنون، والشخصية المعقدة، والدموية التامة، وصفات أخرى متشابكة وشديدة التناقض، ميزت الرجل الذي لا يعرفه أحد تقريبًا، والمطلوب الأول إفريقيًا، وزعيم بوكو حرام منذ أعوام، أبو بكر شيكاو، والذي تساوي قيمته في نظر الولايات المتحدة سبعة ملايين دولار كمكافأة لمن يعطى أي معلومات موثوقة ترشدها إلى مكان اختبائه.

بوكو حرام

أبو بكر شيكاو في إحدى تسجيلاته

أتت مرحلة شيكاو، بعد مقتل محمد يوسف أمير الجماعة الأول، لتدشن عهدًا جديدًا من تحدي السلطة بأعلى مستوى ممكن من العنف، ولم يكن هناك أنسب من ذراع يوسف اليمنى، وصديقه الشخصي، وزميله في دراسة اللاهوت، والذي تعرف عليه عن طريق صديق مشترك بينهما يدعى «مامان نور»، بحسب الصحافي النيجيري الشهير أحمد سالكيدا، ذي الصلات الوثيقة مع جماعة بوكو، لدرجة اشتباه السلطات في عضويته في التنظيم في وقت ما. ويقول هذا الصحافي، إن أبا بكر، كان «الأكثر هدوءً وراديكالية في الثلاثة، بلا خوف، ولا يتحدث إلا قليلًا».

بجانب دراسة شيكاو للاهوت، وطريقته المعقدة في المزج بين الدين والعنف، فإنه لم يكن رجلًا بسيطًا، وإنما أجاد ثلاث لغات بطلاقة تامة، منها العربية الفصحى، فضلًا عن ذكائه في التعامل مع مقاتلي جماعته، حيث بقي بالنسبة لهم قائدًا بعيد المنال، لا يتواصل معهم وإنما مع حلقة محدودة جدًا من القادة الذين ينقلون أوامره لهم. وبحسب سالكيدا، فإنّ «هناك الكثير من المقاتلين المرتبين على أنهم قادة لمجموعات، لا يستطيعون الوصول إليه».

منذ صعود شيكاو للإمارة، وهو الذي لا يمتلك المهارات الخطابية أو كاريزما الظهور التي تمتع بها سلفه محمد يوسف، فإن بوكو حرام اتبعت نهجه شديد القسوة، ولم تعد لديها خطوط حمراء تقريبًا، على الرغم من أيديولوجيتها الجهادية الأصيلة، ويمكن التدليل على ذلك بالرجوع إلى العشرين من يناير (كانون الثاني) لعام 2012، يوم أن أبرزت بوكو ما الذي تقدر على فعله.

حينها، مرت أيام الشهر ببطء شديد بسبب هجمات الجماعة على كنائس مسيحية، على مدار الأيام الأولى منه، لكن الأسبوع الثالث من الشهر حمل بحر الدماء الحقيقي، عندما انتحل مقاتلو بوكو حرام صفة ضباط شرطة نيجيريين، وارتدوا أزياءهم الرسمية، ثم دخلوا إلى خمسة مبانٍ تابعة لشرطة مدينة كانو، وحرروا جميع السجناء ومن ضمنهم مقاتلي الجماعة الأسرى، ثم شرعوا بعدها في قصف ودك المباني، ومعها مكاتب الهجرة، ومبنى الأمن القومي في المدينة. ولم يكتفوا بذلك وإنما قاموا بإطلاق النيران بعشوائية من سياراتهم ودراجاتهم النارية في شوارع كانو، وليتركوا رسائل بلغة الهوسا المحلية تبين مسؤوليتهم عما حدث.

هذه الحادثة تحديدًا، والتي استهلكت السلطات المحلية لثلاثة أيام كاملة لإحصاء القتلى، ولتعلن تلك السلطات بعد ذلك مقتل 185 شخص فيها، منهم على الأقل 150 مدنيًا و32 ضابطًا نيجيريًا، هذه الحادثة تعتبر العلامة الفارقة في تحول بوكو حرام، من الجهادية لتنظيم أقرب لعصابة على مستوى شبه عسكري، بخاصة أن الأمور انتهت بمعجزة على هذا العدد من القتلى، والذي كان من المفترض له أن يتضاعف عدة مرات، فبعد هذا اليوم الدموي قامت سلطات المدينة بإجراء حظر تجوال كامل مع مسح متقن لها، لتجد عشر سيارات مزودة بشحنات متفجرة، وثلاثمائة قنبلة منزلية الصنع موزعة في أنحائها وطرقاتها، ولتحتويها تلك السلطات قبل أن تتسبب بمجازر أكثر.

هل يُمكن هزيمتهم؟

على مدار الأعوام السابقة لم يتوقف الرئيس النيجيري السابق، جودلاك جوناثان، عن طمأنة النيجيريين، وإخبارهم مرارًا وتكرارًا عن هزيمة بوكو حرام الوشيكة، وأن الجماعة ستتحول قريبًا إلى تاريخ، فضلًا عن إعلان مقتل زعيمها أبو بكر شيكاو عدة مرات في الفترة من 2009 إلى 2014، لكن شيئًا من هذا لم يحدث، وفي كل مرة تعود بوكو لتضرب من جديد، ويعود شيكاو للظهور في تسجيلاته شرسًا وواثقًا ومتوعدًا وعلى قيد الحياة، بالرغم من كل الادعاءات الرئاسية والحكومية، لكن كل ذلك سيتغير بعد مجيء محمدو بخاري للسلطة.
بوكو حرامعندما جاء الجنرال السابق بخاري متوليًا الرئاسة، في انتخابات مايو (أيار) من العام الماضي، كرر نفس كلمات جودلاك عن أن التنظيم سيتحول قريبًا لأثر بعد عين، وهو ما قوبل بتشكك الشعب النيجيري المفهوم والمتوقع، وربما لم ينجح الجيش، تحت قيادة بخاري حتى الآن، في القضاء كلية على بوكو أو قتل شيكاو، لكنه بالتأكيد نجح في أشياء أخرى تقل أهمية عن هاذين الهدفين الرئيسيين بدرجات بسيطة، أو كما قال فإن بوكو «هزمت تقنيًا».

في خلال 10 أشهر من رئاسته، وكما أورد تقرير هام لموقع «Africa Arguments»، نجح الرئيس النيجيري في تحقق عدة أهداف مهمة، أولها استعادة معظم الأراضي التي احتلتها بوكو تحت مسمى «ولاية غرب إفريقيا»، بعد إعلانها الانضمام إلى لواء «تنظيم الدولة» في عام 2014، وهو ما اعتبره بخاري هدف النظام الرئيس، ونجح فيه بالفعل، فلم تعد بوكو قادرة على اكتساح مدن نيجيرية بالكامل والاستيلاء عليها كما السابق، واقتصر نشاطها في أقل من عام وحتى الآن على الهجمات الانتحارية بشكل أساسي، بل ونجح الجيش في قطع طرق الإمدادات اللوجستية للتنظيم وعزله عن الوصول للسلاح والغذاء كما كان يفعل سابقًا بأريحية، وهو ما أدى إلى تناقص قدراته إلى حد بعيد بطبيعة الحال.

وربما لم ينجح الجيش في القبض على أو قتل شيكاو، لكنه نجح في قتل عدد من القادة الذين يمثلون حلقات الوصل بين شيكاو والمقاتلين، والأهم أنه عزل بشكل كبير التنظيم عن التواصل مع داعش، وإن كان هذا النجاح لا يمكننا اعتباره نجاحًا واقعيًا، لأنه وبالرغم من إعلان شيكاو البيعة رسميًا لأبي بكر البغدادي، زعيم تنظيم الدولة الإسلامية، في مارس 2015، فإن بوكو حرام كانت تنطلق من قواعد وأسس عمل تختلف بالكلية عن «تنظيم الدولة» كما أسلفنا، ولم يكن هناك تنسيقًا قويًا أو اتباع لنفس نظم وتكتيكات قتال السلطة.

أما النجاح الثالث لقبضة محمد بخاري الأمنية، فتمثل في استعادة السيطرة على «مايدوجوري»، المدينة الرئيسية في شمال البلاد، والتي كانت تمثل الهدف الأساسي لغارات مقاتلي بوكو المتواصلة، واستعادة السيطرة هنا تعني عدم قدرة مقاتلي الجماعة على اقتحامها مرة أخرى، وإن لم تتوقف الهجمات الانتحارية بطبيعة الحال، وكان آخرها في الأربعاء 16 مارس (آذار) الحالي، عندما فجرت انتحاريتان نفسيهما في مسجد في المدينة لتقتلا أكثر من 20 مصليًا وتصيبا أكثر من ثلاثين آخرين، وإن لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادث، لكن التفجيرين حملا بصمة بوكو المعتادة، وبعض التقارير رجحت أن تكون الفتاتان الانتحاريتان من فتيات شيبوك المختطفات.

منذ ستة أيام فقط، في الخميس 24 من الشهر الجاري، ظهر تسجيل مصور، منخفض الجودة بشدة على عكس السابق، لأبي بكر شيكاو، بعد شهور طويلة من اختفائه وتكاثر شائعات مصرعه، متغير النبرات، ولا يسخر كالعادة، وينظر إلى جانبه باستمرار إلى شيء غير واضح، بدأه بحمد الله والثناء عليه كأي خطبة، ثم كرر تحياته لما أسماهم «إخوانه المجاهدين»، والذين أخبرهم أنه قبل رسائلهم باهتمام وأنصت لهم، وأكد أن هذا وجهه وهذه كلماته، وهو ما استغله بعض المحللين النيجيريين للطعن في صحة مقطع الفيديو، وزعم أن من ظهر في التسجيل واحد من بدلاء شيكاو، بينما لم تعلق السلطات الرسمية على ما حدث، مكتفية بالقول، إنّها «مازالت تتحقق من صحة التسجيل». وسواء كان من في التسجيل شيكاو أو بديل له، فإن هذا يبدو غير مؤثر على النمط العام الذي تسير به الأمور في آخر ثلاثة أشهر، ولا يبدو مؤثرًا على استراتيجية بخاري في حصار وعزل بوكو حرام وتقليم أظافرها باستمرار، الأمر الذي نجح في بخاري ومن ورائه الجيش النيجيري حتى الآن.


عرض التعليقات
تحميل المزيد