البعض ترك منزله مدمرًا، وقرر النجاة بالنزوح نحو الحدود الأردنية، والبعض فقد منزله، والبعض قرر البقاء؛ لأنه وجد خيار النزوح أيضًا خيارًا قاسيًا، إنهم سكان «درعا»، إحدى المدن العربية الأقدم في سوريا التي تخوض ضدها روسيا والنظام معركة تكسير العظام، فتستهدف السكان العزل بكافة الأسلحة وبعضها بحسبب الشهادات محرمة دوليًا.

طالت العمليات العسكرية للنظام وروسيا بيوت المدنيين ومؤسساتهم وأرضيهم، ليحدق بهم خطر الموت بأسلحة النظام أينما وجدوا، فيما تبقى المعارضة السورية في هذه المناطق وحدها تقاتل، دون مساندة من فصائل الشمال، ودون أن يتحقق التزام واشنطن بمساعدتها.

مهد الثورة السورية.. درعا تحت القصف الشديد

بشكل واضح وعلني قالت روسيا إنها أنهت اتفاق «خفض التصعيد» في جنوب غرب سوريا المبرم منتصف السنة الماضية، وقالت قاعدة «حميميم» الروسية في سوريا إن موقفها هذا يعود لكون «الجماعات المتطرفة والمجموعات المسلحة غير الشرعية خرقت الاتفاق».

قصف روسي على درعا ( المصدر: وكالة الأناضول)

وبناء على ذلك اشتدت الحملة العسكرية لروسيا والنظام السوري والإيرانيين على درعا في 19 يونيو (حزيران) الحالي، وذلك بعدما فشلت المفاوضات الإقليمية والدولية التي كانت تهدف لمنع اندلاع المواجهات في المنطقة، وأصبحت درعا الآن هدفًا لشتى أسلحة النظام وحلفائه، من صواريخ مدفعية، وقذائف هاون، وعشرات البراميل المتفجرة التي تتساقط على مدن وقرى الحراك وبصر الحرير والصورة وغيرها من قرى وبلدات ريف درعا الشمالي الشرقي، وحقق النظام هدفه بالتقدم من غربي السويداء، نحو بلدة بصر الحرير لحصار منطقة اللجاة بعد فصلها عن باقي مناطق سيطرة المعارضة في عموم محافظة درعا.

وفي المجمل يهدف النظام جراء هذه العملية إلى استعادة السيطرة على المناطق الجنوبية التي تسيطر عليها المعارضة، بعزل تلك المناطق وتقسيمها لعدة جيوب عدة، حيث تركز قوات النظام على قطع خطوط إمداد الفصائل بين منطقة طريق السد ودرعا البلد باتجاه الحدود الأردنية، وكذلك فصل الريف الشرقي بشكل كامل، والذي يضم مناطق بارزة بينها بصرى الشام، والمسيفرة، وصيدا، وغصم، والجيزة، ونصيب، وأم المياذن.
واعتبرت المعارضة السورية ما أقدمت عليه روسيا والنظام هو خرق للقرار 2254، القاضي بالوقف الفوري لإطلاق النار، وكذلك اعتبرت الحملة العسكرية على درعا «جريمة بحق الإنسانية، وتقويض للحل السياسي»، وقالت الهيئة، «هيئة التفاوض العليا» المنبثقة عن مؤتمر الرياض (2) للمعارضة السورية في بيان لها:  إن «النظام السوري وحلفاءه يقومون بعدوان وحشي على درعا، مهد الثورة السورية، ومدن وبلدات الجنوب السوري، في الوقت الذي تتحرك فيه الأمم المتحدة لإعادة إحياء المسار السياسي، العالم يقف صامتًا إزاء تلك الجريمة التي تعيد إلى الأذهان المذابح المروعة التي شهدتها سوريا»، وقالت الهيئة: إن «إصرار تلك الأطراف (روسيا والنظام وإيران) على المضي قُدمًا في سياسة التدمير والقتل والتهجير القسري للمدنيين، يستهدف تقويض ما تبقى من العملية السياسية والدفع باتجاه استمرار منظومة الجريمة والاستبداد».

وفي خطوة هي الأولى من نوعها منذ انطلاق الثورة السورية، أعلنت الفصائل في عموم المنطقة الجنوبية السورية عن تشكيل (غرفة العمليات المركزية) تتكون من سبع غرف فرعية، وتهدف لـ«تنظيم وتخطيط وقيادة الأعمال القتالية في الجنوب السوري»، وتعمل الفصائل في هذه الغرفة على الإشراف على خطوط مواجهات تمتد مئات الكيلومترات من أقصى ريف القنيطرة الشمالي الغربي وصولًا لأقصى ريف درعا الجنوبي الشرقي.

ومن أبرز التشكيلات العسكرية لدرعا ثلاث فصائل رئيسة، هي «جيش الثورة» و«قوات شباب السنة» و«هيئة تحرير الشام»، وهناك فصائل أخرى تشكل غرفة عمليات «البنيان المرصوص» في أحياء مدينة درعا، ودعت فصائل الجنوب فصائل المعارضة في الشمال لمساندة فصائل المعارضة في درعا، إلا أن المراقبين استبعدوا أن تتحرك هذه الفصائل، فقد تم تهديدها من قبل النظام السوري قبل أيام بأن تكون الهدف المقبل له، كما يرى المحللون أن قرار تحرك جبهات الشمال للتخفيف عن الجنوب مرتبط بقرار تركي، وكذلك تتخوف الفصائل السورية في درعا من فصيل «جيش خالد» الذي أعلن انتمائه لتنظيم «الدولة الإسلامية (داعش)»، فقد يستغل هذا الفصيل الوضع الحالي في درعا ليبادر بتوسيع نفوذه على حسابها، الأمر الذي يحمل تداعيات أمنية وعسكرية خطيرة، منها دفع الأردن أو إسرائيل لدخول حوض اليرموك عسكريًا، ومن ثم المساومة ضمن معركة الجنوب، والضغط على فصائل المعارضة لصالح قوات النظام.

واشنطن تتخلى عن المعارضة السورية

فيما لم يكن تخلي موسكو عن التزاماتها في «اتفاق خفض التصعيد» والعودة لقصف  المناطق الجنوبية التي يشملها الاتفاق مفاجئًا لدى المعارضة السورية، كان تخلي واشنطن عن تقديم أي دعم عسكري لفصائل درعا لمواجهة النظام السوري وحلفائه قرارًا صادمًا ومفاجئًا.

وجهت واشنطن رسالة إلى الفصائل السورية التي تدعمها في درعا والقنيطرة، تفيد أن «الحكومة الأمريكية تريد توضيح ضرورة ألا تبنوا قرارتكم على افتراض أو توقع قيامنا بتدخل عسكري (..) نتوجه إليكم بضرورة عدم الرد على الاستفزازات؛ لأن ذلك لا يؤدي سوى إلا إلى تسريع السيناريو الأسوأ للجنوب السوري وتقويض جهودنا»، وذلك بالرغم من أن الولايات المتحدة هددت النظام في حال أقدم على عمل عسكري في الجنوب السوري الذي يخضع لمنطقة خفض تصعيد، كما قامت استراتيجيتها على منع قوات النظام من استعادة السيطرة على هذا الجنوب المتاخم للأردن وإسرائيل، وبذلك تكون أمريكا قد تخلت عن اتفاق خفض التصعيد في هذه المنطقة وتخلت عن مساعدة فصائل المعارضة السورية التابعة للجيش الحر.

ونقل موقع «العربي الجديد» عن القيادي في الجيش السوري الحر، العميد «إبراهيم الجباوي»، قوله: «الموقف الأمريكي موقف تخاذل وبيع ومساومة ومتاجرة بالشعوب، ويشكّل انتكاسة لأمريكا ويثبت عدوانها على الحريات وحقوق الإنسان والطفولة، وعداوتها للشعوب عامة، الولايات المتحدة همها مصالحها، وتنكث كافة العهود. لم تعد دولة ذات مصداقية»، وتابع القول: «واشنطن هي من أوصلت الجنوب إلى هذه المرحلة، وتلاعبت بمصير وأرواح الناس هناك، تقع عليها مسؤوليات تاريخية وأخلاقية. هي من تقتل الجنوب اليوم، وليس روسيا».

تعزيزات لفليق تابع للنظام السوري (المصدر: فيسبوك)

يذكر أنه تم توقيع اتفاق خفض التصعيد في الأستانة في الرابع من مايو (أيار) 2017 بين روسيا وتركيا وإيران، وكانت درعا من ضمن المناطق الجنوبية التي شملها مع ثلاث مناطق سورية أخرى.

نزوح كبير وأوضاع إنسانية خطيرة

«مذ بدأ القصف قبل نحو أسبوع، لم ننم. وكنّا نقضي معظم الوقت في قبو مبنى يجاور منزلنا مع أبنائي وبناتي وأحفادي. كذلك، كنّا نتقاسم القبو مع عدد من عائلات جيراننا، إلى أن قرّرت مغادرة البلدة قبل ثلاثة أيام. ما كنّا نخزّنه من مواد غذائية كاد أن ينفد، في حين أنّ القصف راح يتزايد يومًا بعد آخر»، هذا ما قاله المواطن السوري «أبو جابر المقداد» الذي نزح من ريف درعا تحت وطأة القصف إلى الحدود السورية الأردنية.

نازحون سوريون من درعا تجاه الحدود الأردنية ( المصدر : جيتي)

وتابع الرجل القول لـ«العربي الجديد»: «الطيران إلى جانب قذائف المدفعية والرشاشات الثقيلة كان يستهدف كل ما يتحرك على الأرض، بما في ذلك الدراجات النارية، وأنا كنت أراقب السماء كأنّني سوف أتمكّن من تجنّب قذيفة ما إذا رأيتها تتّجه صوبنا، الطريق كان وعرًا بسبب استهدافه بعدد كبير من القذائف طوال الأيام الماضية، وكادت السيارة أن تنقلب بنا».

لقد كان «المقداد» واحد من سكان درعا الذي اضطروا إلى النزوح من شدة القصف الذي نال من المنطقة، فقد استهدفت المناطق السكنية بشتى أنواع الأسلحة، فيما كان السكان يفقدون وجود أقبية و ملاجئ؛ مما جعلهم عرضة للإصابة المباشرة لأسلحة النظام وحلفائه، فاضطروا للنزوح إلى المناطق الحدودية مع الأردن، وهناك نصبوا الخيام وأنشأوا حمامات بدائية، وقاموا بإحضار المياه عبر صهاريج.

وأكدت الأمم المتحدة أن ما لا يقل عن 45 ألف من مدنيين درعا نزحوا تجاه الحدود مع الأردن، فيما قال مجلس المحافظة التابع للحكومة السورية المؤقتة أن «عدد النازحين تجاوز 80 ألفًا في درعا والقنيطرة».

البيوت السورية تتعرض للقصف (المصدر : جيتي)

وبالرغم من إعلان الأردن وقف إدخال اللاجئين إلى أراضيه، وإغلاقه حدوده الشمالية، إلا أن خطورة الوضع في درعا يدفع نحو توقع أن يزيد عدد النازحين إلى قرابة المثلين على الحدود، ولذلك طالب الأردن الأمم المتحدة بتأمين وضع السوريين داخل أراضيهم، وخاض الأردن جولة دبلوماسية للحصول على ضمانات بعدم تدفق مزيد من اللاجئين السوريين إلى أراضيه، خاصة أنه يستقبل أكثر من 1.4 مليون لاجئ سوري، موزعين داخل المدن والقرى ومخيمات مخصصة لهم.

المصادر

تحميل المزيد