أضحت حوادث الشغل المميتة في المغرب متواترة بشكل ملفت، بدءًا من عمال المناجم الذين تلتهمهم آبار الفحم، إلى العاملات الفلاحيات اللاتي يسقطن صرعى على الطرق في كل مرة، وأخيرًا فاجعة طنجة حيث لقي 28 مواطنًا ومواطنة، كانوا يشتغلون بمعمل نسيج «سري»، حتفهم.

كل هذه الحوادث تشير إلى حقيقة أن الكثير من العمال المغاربة يعيشون أوضاعًا في غاية الهشاشة والتردي أمام أصحاب رأس المال من مالكي المصانع والضيعات وورشات البناء، حتى أصبح كسب لقمة العيش عند بعض العمال محفوفًا بالموت، مما يثير السؤال حول مدى حضور «عبودية الأجر» في قطاع العمل المغربي.

«عبودية الأجر».. مظهر من مظاهر العبودية الحديثة

عانى الإنسان من العبودية لقرون عديدة، حتى أضحت أمرًا مسلمًا به في كثير من الإمبراطوريات والممالك، ولم يتخلص البشر من هذه الظاهرة المقيتة في التاريخ الإنساني إلا في العصر الحديث، إذ كانت عملية الحضارة قائمة على تحرير الناس من حالة العبودية التي كانوا محتجزين فيها من قبل رفاقهم من البشر.

Embed from Getty Images

ومع ذلك، أدرك المفكرون – ولاسيما الماركسيون منهم – مبكرًا، أن الحضارة لم تصل بعد إلى الإنسانية، ما دام هناك «عبودية الأجر»، والممثلة في اعتماد العمال المعدمين كليًّا على أرباب أعمالهم لكسب عيشهم والبقاء على قيد الحياة.

واحد من هؤلاء المنظرين هو كانفريدريك دوجلاس، الذي قال في عام 1883، إن: «التجربة تعلمنا أن هناك عبودية للأجور أقل إثارة للإزعاج في آثارها من عبودية المتاع».

كانت الرأسمالية الصناعية حينها تُشغِّل العمال في ظروف بائسة ولساعات طويلة وبأجور زهيدة لا تكفي للعيش بكرامة، ومن ثمة ظهر ما يُعرف بـ«عبودية الأجر» لوصف الكدح الصناعي، بوصفه مظهرًا من مظاهر العبودية الحديثة، والتي لا تختلف من حيث الظروف والآثار من مثيلتها العتيقة، وذلك من وجهة نظر الكاتبة بريانا رونيكس.

بل إن البعض يجادل في أن «عبودية الأجر» كانت أسوأ؛ إذ يمكن للرأسمالي أن يستأجر عماله ويدمر أجسادهم من خلال الساعات الطويلة وظروف العمل القاسية، ويستبدل بها ببساطة أجساد عمال جدد بدون تكلفة تذكر. بينما في السابق كان مالك العبيد يحرص على صحة عبيده وإطعامهم بشكل جيد، كي لا يضطر لشراء آخرين.

وعلى الرغم من تحسن ظروف العمل اليوم، بفضل شيوع التكنولوجيا، وظهور النقابات، ونفوذ ثقافة حقوق الإنسان والبيئة، فما تزال العديد من بلدان العالم الثالث إلى حد الساعة تشهد نوعًا من «عبودية العمل» بدرجات متفاوتة، حيث يشتغل العمال في ظروف غير إنسانية، لا تختلف كثيرًا عن العبودية العتيقة في آثارها، سوى أنها تجري بشكل مُقنَّع.

الربيع العربي

منذ سنتين
الوتد الأخير ضد الاستبداد.. ماذا تعرف عن كفاح العمال من السودان إلى تونس؟

وفي هذا الإطار، يُقدر عدد ضحايا عبودية الأجر في المغرب خلال سنة 2018، بـ85 ألف حالة، بينهم آلاف العمال الذين يحصلون على أجور لا تلبي الضرورات الأساسية ويعملون في ظروف غير إنسانية، حسب منظمة «ووك فري فونديشن» الدولية.

مظاهر «عبودية الأجر» في المغرب

يجادل ناثان روبينسون رئيس تحرير مجلة «كارنت أفير» في مقالة افتتاحية، بأن شركة أمازون تمارس الاستعباد في حق الأمريكيين العمال، لأن الحد الأدنى للأجور لديها هو 13 دولارًا للساعة فقط، وتراقبهم باستمرار، ولا يشارك مالكها الفاحش الثراء، جيف بيزوس، بعض أرباحه معهم. لكن النظر إلى وضع الكثير من العمال المغاربة في بعض المصانع والضيعات الفلاحية وورشات البناء يجعل العمل في أمازون يبدو حلمًا.

فبالإضافة إلى الأجور البخسة والساعات الطويلة، يشتغل بعض العمال المغاربة في ظروف محفوفة بالمخاطر، أحيانًا تقودهم إلى حتفهم، مثلما حصل في مصنع طنجة، ويحصل مع عاملات الفلاحة في الطرقات، وكل ذلك بسبب غياب شروط السلامة من قبل المشغلين.

وفي هذا السياق، تقول فيدرالية رابطة حقوق النساء، إن ما وقع بقبو معمل نسيج بطنجة، «يضاف إلى مجموعة من الحوادث التي يكون ضحيتها عاملات وعمالًا يدفعهم الفقر والهشاشة إلى الاشتغال في ظروف غير إنسانية وغير آدمية، تفتقر لأدنى شروط الكرامة والسلامة وشروط العمل اللائقة والآمنة، وعلى رأسها الحق في السلامة الجسدية والحق في الضمان الاجتماعي وعقود الشغل، وغيرها من الحقوق التي يضمنها وينص عليها الدستور وقانون الشغل المغربي».

وكان المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي قد وصف الخسائر التي يتكبدها المغرب اقتصاديًّا واجتماعيًّا من جراء الوفيات الناجمة عن حوادث الشغل بـ«المهولة»، لتسببها بنحو ألفي وفاة سنويًّا، وذكر المجلس أن عدد الشركات التي تمتثل لإجراءات الحماية الصحية والسلامة، لا يتجاوز 17%.

ويزداد الأمر سوءًا عند الحديث عن القطاع غير المهيكل، الذي يُشغل حوالي 80% من إجمالي اليد العاملة في البلاد حسب بنك المغرب؛ إذ يمارس أرباب العمل فيه مختلف الممارسات الخارجة عن القانون في حق العمال.

ويشمل ذلك منح العمال أجورًا تحت الحد الأدنى المرسوم، وتشغيلهم لأكثر من ثماني ساعات، وحرمانهم من حقوق التغطية الصحية والضمان الاجتماعي، وعدم تعويضهم عن العطل وحوادث الشغل والساعات الإضافية، فضلًا عن غياب شروط السلامة.

وتؤكد هذا الوضع الجمعية المغربية لحقوق الإنسان التي تذكر أن الحقوق الاقتصادية والاجتماعية في البلد، ولاسيما حقوق الشغيلة، تشهد تدهورًا مطردًا، زادت من حدته الانعكاسات الوخيمة لاستمرار جائحة «كوفيد-19».

ما بين عبودية الأجر والفساد.. هذه أسباب تدهور الوضع العمالي بالمغرب

بشكل عام، ترجع هشاشة الوضع العمالي في المغرب إلى ضعف الديمقراطية وثقافة حقوق الإنسان، لكن هناك أسبابًا محددة ساهمت في سحق الطبقة الكادحة أمام الطبقة الثرية المالكة لوسائل الإنتاج في البلاد.

على رأس القائمة، يبرز عامل هزالة النقابات العمالية في البلاد، التي تحولت إلى مرتع للفساد والزبونية والدعاية السياسية، لتبتعد عن مهمتها الأصيلة في تمثيل مصالح الطبقة الشغيلة، حتى غدت هياكل خاوية ليس لها أي تأثير في الدفاع عن مصالح العمال، بل غائبة تمامًا عن الدينامية المجتمعية؛ مما حرم العمال من مظلة مؤسسية، يمكن أن تدافع عن حقوقهم أمام سياسات الحكومة والطبقة الغنية من أصحاب المصانع والضيعات الفلاحية.

في حين تعرف اللوبيات البورجوازية في المغرب انتظامًا قويًّا، إلى درجة أن لها هيئات نقابية وسياسية وإعلامية تمثل مصالحها، وتمنع المساس بامتيازاتها الريعية أو التنازل عن بعض الحقوق لفائدة العمال، خاصة مع نفوذها العميق في السلطة والسياسة، وهو ما يعطيها اليد العليا على الطبقات الشعبية العاملة.

مجتمع

منذ 8 شهور
نساء منذورات للشقاء.. أزمة كورونا تكشف عن معاناة عاملات الفلاحة المغربية

وتزيد سطوة أصحاب الأعمال مع تفشي الفساد في أجهزة التفتيش والمراقبة الخاصة بقطاع الشغل، فمن خلال المال والرشوة يستطيع أصحاب رأس المال التنصل من مسؤولياتهم القانونية في حق عمالهم.

علاوة على ذلك، يعد ضعف الوعي الشعبي بحقوق العامل عاملًا أساسيًّا في تقبل الطبقة العاملة لحقوقها المهدورة، خاصة في بعض القطاعات التي تشهد تسيبًا خارج القانون، مثل ضيعات الفلاحة والبناء ومعامل النسيج، والتي تستقطب في الغالب العمال الأميين والمستضعفين القادمين من الضواحي والقرى.

وكانت الجمعية المغربية لحقوق الإنسان، قد أشارت إلى أن الحوادث المفجعة التي يذهب ضحيتها العمال والعاملات، ليست استثنائية، بل «هي نتاج للفساد المستشري، وتواطؤ المسؤولين مع الشركات الجشعة، ويحمي المشغلين الذين لا تهمهم إلا الأرباح ولو على حساب الأرواح»، على حد تعبيرها.

المصادر

تحميل المزيد