قصص وتفاصيل كثيرة، مؤرخون لغتهم صعبة، روى فلان عن فلان عن فلان، اختلاف في تفاصيل الحكايات من مؤرخ لآخر، كتب موسوعية كثيرة الصفحات، أشخاص وتواريخ يصعب تذكرها مع كثرتها.. قد تكون تلك هي أصعب ما يقابل ويعيق الراغب في قراءة التاريخ.

فماذا عن القارئ غير الراغب في قراءة التاريخ كدراسة، قارئ القصة التاريخية للحصول على عبرة ودرس سريع، أو للاستمتاع بحكاية واقعية ليست من نسج الخيال؟

1)محمد المنسي قنديل (تفاصيل الشجن في وقائع الزمن)

الحكي الأدبي، والاستمتاع حد انتظار لحظات الإمساك بالكتاب، إنه الجمع بين جمال القصة التاريخية ومتعة الحكي الأدبي. يقدم لنا المنسي قنديل رائعته تفاصيل الشجن في وقائع الزمن، والذي أعادت دار الشروق طبعها تحت اسم “30 حكاية من الزمن العربي”، الكتاب يسرد 30 حكاية من حكايات العرب التي رواها ابن إياس والجبرتي والطبري بشكل ممتع ولغة جذابة، إلا أن المنسي قنديل طوال الكتاب لا يخبرنا ولا يفصل لنا بين ما هو تاريخي، وما هو أدبي من خياله.

2) أحمد بهاء الدين (أيام لها تاريخ)

“لسنا نريد لهذا التاريخ أن يكتب وبأدق التفاصيل لمجرد المباهاة، ولا لتمجيد هؤلاء الأبطال. فقد أدوا واجبهم ودفعوا أرواحهم ومضوا، ولكننا نريد أن يكتب هذا التاريخ لتعود إلى هذا الشعب ثقته بنفسه. وليسكت الذين ما زالوا يؤمنون بأن هذا الشعب خامل، خانع، لا يمكن أن يثور. لا يمكن أن يستفزه طغيان أو ينتظمه كفاح”. هكذا يرى الكاتب الكبير أحمد بهاء الدين التاريخ المصري، مخالفًا برؤيته من يزعُمون أن التاريخ المصري تاريخ غير ثوري، فيحكي كيف أن المصريين قد ثاروا على خورشيد باشا وجلبوا محمد علي، فلما شاهدوا الفساد في أسرته قاموا بالثورة العرابية، ثم ثورة 19، ثم تأييدهم والتفافهم حول ثورة يوليو، وهكذا لم يهدأ المصريون ولم يستكينوا لطاغية.

الكتاب قد يكون أفضل ما كُتِب في تبسيط التاريخ، وقد نشرت بعض فصوله منفصلة في مقالات بهاء الدين في مطبوعات الهلال والأهرام.

3) محمود السعدني (مصر من تاني)

“ونقول لأبناء مصر المحروسة إن الثوار هم أشرار الناس، حركوا الشرور بين العسكر والرعية ونعوذ بالله من الفتن، فلا تطيعوا أمر المفسدين، وحافظوا على أوطانكم فإن الله يؤتي الملك لمن يشاء ويحكم بما يريد، ونخبركم أن كل من تسبب في الفتنة قتلوا عن آخرهم، وأراح الله منهم البلاد والعباد، ونصيحتنا لكم ألا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وانشغلوا بأسباب معيشتكم وأمور دينكم، وادفعوا الخراج الذي عليكم، والدين النصيحة والسلام”. كان هذا هو رد علماء الأمة علي ثورة القاهرة الأولى التي قام بها المصريون ضد المحتل الفرنسي كما ينقلها محمود السعدني.

ولعل هذا هو منهج السعدني طوال الكتاب: “أخطر مأساة في التاريخ أن كل خليفة حي هو مصدر الحكم، وهو ينبوع المعرفة ونموذج الكمال إلى أن يموت”. ولذلك كان السعدني حريصًا بلغته الساخرة عن حكي التاريخ الحقيقي للحكام، كاشفًا كيف أفسدوا، وكيف أيدتهم النخبة وكانت معهم ضد الشعب في أغلب الأوقات.

4) صلاح عيسى (حكايات من دفتر الوطن)

التفاصيل ثم التفاصيل ثم التفاصيل، قد يكون هذا هو الفارق الأساسي بين تبسيط التاريخ لدى صلاح عيسى وتبسيطه لدى المنسي قنديل، فبينما المنسي قنديل يجمل الحكايات التاريخية ويطعمها بأدبه، يبذل صلاح عيسى ذلك المجهود في جمع الحكايات تاريخيًّا، ليتلوا علينا في كتابه هذا –حكايات من دفتر الوطن– ثماني حكايات، تشاهدها وهي تحدث أمامك على الورق كما لو كنت تشاهد فيلمًا.

وقد يكون الإغراق في البحث عن التفاصيل لاشتغال الكاتب “الرئيس الحالي لجريدة القاهرة” صلاح عيسى بالتأريخ، وفي الحكايات الثمانية – باستثناء واحدة– يعرض عيسى لتاريخ مصر الحديث، لكن من خلال الشعب وأفعاله وطريقة تفكيره وردوده، لا من خلال حكامه ونخبته.

5) جمال بدوي (مصر من نافذة التاريخ)

“مصر من نافذة التاريخ”، “الفاطمية دولة التفاريح والتباريح”، “الطغاة والبغاة”، “مسرور السياف وإخوانه”، “محمد علي وأولاده” تلك هي أسماء وطبيعة كل كتب جمال بدوي تقريبًا، قراءة موسوعية في كتب المؤرخين العرب، ثم جمع وتبسيط لتلك الحكايات، وجعل سردها ممتعًا لغير المتخصصين.

إلا أن كتابه هذا هو أشهرها بما احتواه من قصص عن شخصيات تمثل النخبة المصرية غير المعروفة للعامة، فهو لا يتناول حكايات الحاكم والرئيس بقدر ما يتناول الرجال حول الرئيس وغرائبهم، وما تتعجب من معرفته عنهم.

عرض التعليقات
تحميل المزيد