كان ظهورها على هذا النحو قبل حوالي خمس سنوات مثيرًا للسخرية أحيانًا من المتخصصين في الأدب والثقافة، فهي مجرد قنوات على موقع يوتيوب لشبابٍ يقدّمون آراءهم في كتبٍ قرؤوها، بلغةٍ دارجة لا تنمّ عن ثقافة عميقة، لكن مرور السنوات ثبّت أقدامهم أكثر بحيث انتشرت فيديوهاتهم وقوبلت بشعبيةٍ كبيرة، وأصبح لها أثرٌ واضح على توزيع الكتب، ما أجبر الناشرين على الانتباه إليهم باعتبارهم وسطاء بينهم وبين فئة المراهقين والشباب، وتكمن أهمية هذه الفيديوهات في أنَّ القائمين عليها يستخدمون اللغة والتعبيرات نفسها التي يستخدمها الجمهور، فتمنح المتابع شعورًا بأنه يستمع إلى ندٍ له لا أكثر.

كيف بدأت الظاهرة؟

بدأت الظاهرة في أمريكا عام 2012 حين أُغرق «يوتيوب» بقنواتٍ تخصَّصت في عرض الكتب، وتتراوح أعمار أغلب هؤلاء «اليوتيوبرز» بين 18 و 30 عامًا، ثم انتشرت الظاهرة في أمريكا اللاتينية وأبرزت المناقشات التي تدور في التعليقات شغفًا بالقراءة والكتب، ولا يتطلب الأمر لإعداد الحلقات أكثر من غرفة مليئة بالكتب ومحتوى بسيط لتقديم الكتاب.

واليوم يعرف الناشرون أنَّ وصول كتبهم إلى هؤلاء «النجوم» يعني وصولها إلى قاعدةٍ عريضة من القرَّاء ويحرصون بالتالي على إهدائها لهم أملًا في أن تكون ضمن حلقاتهم القادمة، خاصة أنَّ حوالي 47% من جيل الألفية وفقًا لتقرير لموقع فوربس قالوا إن قراراتهم بالشراء تتأثر بوسائل التواصل الاجتماعي.

تأثيرها في صناعة النشر

بدأ هؤلاء الشباب – فقط بدافع الشغف – في إعداد فيديوهات حول الكتب التي تروق لهم – ببساطة- محتوى كانوا يودون رؤيته، دون أن يشغلهم الجمهور الذي ستصل إليه فيديوهاتهم في النهاية، لكنهم أصبحوا ظاهرة مؤثرة في مبيعات الكتب، بوجود آلاف المتابعين لقنواتهم حول الكتب. تقضي فاتيما أوروسكو وهي «بوكتيوبر» من المكسيك على الأسطورة التي تقول إن الشباب لا يقرؤون، وهي تقول: «لقد حان الوقت ليخرج إلى النور أعدادٌ كبيرة من القرّاء الشباب».

مصدر الصورة: zaybet.blogspot.com

وحول ما وصل إليه تأثير قنواتهم على الناشرين وتوزيع الكتب يقول خابيير رويسكاس أحد الكتّاب و«البوكتيوبر» الإسبان الذي يتابعه 200 ألف على قناته على يوتيوب و70 ألف متابع على تويتر: «لقد خضنا معركة طويلة». الآن يدفع الناشرون إلى هؤلاء الشباب بالكتب التي تناسب أذواقهم ويحرصون على التواصل معهم، كما حرص عدد من الكتاب أبرزهم ماريو باراجاس يوسا والراحل خوسيه ساراماجو على تقديم ما سجّله هؤلاء الشباب عن أعمالهم إلى متابعيهم.

تقول ميريام فيديليس مديرة الاتصالات والتسويق في دار نشر بلانيتا ميكسكو حول هذه الظاهرة: «اعتقد البعض أنهم يتلقّون مقابلًا ماديًا نظير تقديم الكتب، لكن الأمر أبسط من ذلك، إنهم يقدمون بصدق اختياراتهم وهي مجرد نصيحة من قارئ إلى قارئ آخر، لقد أكدوا قدرة العالم الرقمي والمحتوى المرئي على دعم القراءة».

ماريو فارجاس يوسَّا.. هل الفردوس هنا أم «على الناصية الأخرى»؟!

البوكتيوب في العالم العربي

في العام الماضي فقط شهد مجتمع البوكتيوب العربي افتتاح حوالي 15 قناة عربية من مصر والجزائر وتونس وعمان وغيرها، تتنوع أنشطتهم بين مراجعات الكتب وجولات في مكتباتهم الشخصية وتوصيات بقراءة مجموعة كتب ووضع خطط للقراءة وزيارات لمعارض الكتب وتحدي قراءة عدد من الكتب خلال فترة معينة.

وتتنوع القنوات ويختلف عدد متابعيها مثل قناة «Book Hauls» التي تقدِّمها الفلسطينية آية عباسي ويتابعها حوالي 67 ألف متابع وهي تتطرَّق أيضًا لتعلُّم اللغات والتاريخ وتقدم أفلامًا قصيرة في مجالات مختلفة، وقناة «دودة الكتب» التي تقدمها المصرية ندى الشبراوي ويتابعها ما يزيد على 22 ألف متابع، وقناة «Nedal Reads» التي يتابعها حوالي 10 آلاف متابع، وقناة «Biblio Phage» التي تقدمها أسماء غرايري وهي طالبة أدب إنجليزي من تونس يتابعها ثلاثة آلاف قارئ، وقناة «Ra of Book» للجزائري ش. عبدالرؤوف التي يتابعها حوالي 2500 متابع، وقناة أبو الكتب «Aboelkotob» التي يديرها شاب أسواني يبلغ عمره 16 عامًا، ويتابعه حوالي ألفي متابع.

يقول المغربي زكرياء ياسين الذي أسس قناة «أصدقاء الكتب» في أبريل 2017، ويتجاوز عدد متابعيها الآن 10 آلاف، وهو يوضح رغبته في تطوير المحتوى الرقمي باللغة العربية ليكون مرجعًا للمهتمين بمراجعات الكتب في الصحافة الورقية، ولدور النشر والكتّاب أيضًا، مثلما حدث في أمريكا وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى، إذ تحرص دور النشر على التعاون أو الشراكة مع قنوات «بوكتيوب»، حتى إن كثيرًا من الكتب تظهر في قنوات ومدونات صنّاع المحتوى قبل شهور من صدورها الرسمي ليكون أداة تسويقية أساسية.

ويبدو أن الظاهرة تفرض نفسها أكثر في العالم العربي بالفعل فقد خصص معرض القاهرة الدولي للكتاب هذا العام ندوة بعنوان «البوكتيوب.. المؤثرون الجدد فيما يقرأ الشباب» دعا فيها عددًا من البوكتيوبرز المصريين للحديث عن تجربتهم.

هل تعدّ مصدرًا للدخل؟

تقول ماكرينا يانيلي الفائزة بجائزة أفضل يوتيوبر في المعرض الدولي للكتاب في بوينس آيرس إنه رغم انتشار قناتها إلا أنها لا يمكنها الاعتماد عليها لتكون المصدر الوحيد للدخل، والوضع في أوروبا ليس أفضل كثيرًا فالإسباني أندريو إيثكييردو يشكو بدوره من قلة الرسوم التي يحصل عليها من يوتيوب في مقابل أعداد المشاهدة.

إن هذه النقطة تحديدًا تثير القلق من أن يسعى بعض هؤلاء الشباب في محاولة للبقاء إلى التعاون -بمقابل مادي – مع دور النشر للترويج لكتبها، وهو ما سعى بعضهم إليه فعلًا مؤكدًا على حرصه على الموازنة بين ميول القراء وما تقدمه هذه الدور.

وجد بعضهم طريقه نحو ربح أكبر بالتعاون مع دور النشر للتعليق على الكتب التي لم تُنشر بعد، تمهيدًا لزيادة الإقبال عليها قبل نزولها في الأسواق.

إنها نشاط اجتماعي أكثر من كونها قراءة فقط، فهي تعزز القراءة المشتركة والمتابعون للقناة يناقشون الكتب ويعلقون عليها ويتبادولن تقييمها إذ يقرؤونها غالبًا في الوقت نفسه، ويشكِّلون مجموعة أصدقاء حتى إنهم يتشاركون أحيانًا العادات والنصائح الخاصة بالقراءة وتعلُّم اللغات وغيرها من الجوانب التي يجدونها مشتركة.

كيف يبدو المستقبل؟

رغم أنها لا تزال ظاهرة جديدة يصعب قياس تأثيرها الفعلي على حجم المبيعات، ربما يتفق المراقبون على وجود ذلك التأثير لكنهم يفضلون مراقبته إلى أن تكون هناك طريقة لقياسه على وجه الدقة، لكن بشكل عام فقد استطاع هؤلاء الشباب تسخير الشاشات لتحمل الأعمال الأدبية وتبقيها حية، وهم يقيمون بين الحين والآخر تحديات لقراءة كتب معينة، ويضعون شروطًا للتحدي،وربما لا يكتفون بقناة اليوتيوب فينشؤون مدونة أو حسابًا على فيسبوك أو تويتر لضمان الوصول إلى المتابعين في أفضل صورة وليكوّنوا مجتمعات صغيرة يمكنهم فيها التفاعل بحرية.

وهكذا نجحت هذه الظاهرة في دفع فئة عمرية كانت قد ابتعدت كثيرًا إلى القراءة، وأعادت إحياء اختراع جوتنبرج بين هذه الفئة التي لم يكن لديها الشغف للقراءة، فخلقت لهم مجتمعًا نابضًا بالحياة.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد