ربما تكون معلومة أن المملكة العربية السعودية على خلاف حدودي مع كل دول مجلس التعاون الخليجي الخمسة، غير معروفة لدى الجميع. لكنها الحقيقة، وأنّه وراء كواليس المصالح المشتركة لدول النفط، خلافات حدودية قائمة لم تُطفِ لهيبها اتفاقيات دولية موقعة منذ عشرات السنوات.

فحتى الآن تعيش السعودية، مع عدة دول جوارها، خلافات حدودية، بحيث غالبًا ما تُطالب السعودية، برد أراضٍ ليست لها، وبينما تصمت بعض الدول عن مطالبتها بأراضيها، تُصر أخرى، على إجراء تعديل لاتفاقيات سابقة، أو تغييرها لتسوية هذه الخلافات.

إلا أنّ السعودية، غالبًا ما لا تُعير هذه الدول اهتمامًا، مُصرّة على بقاء الموقف لصالحها، أو حتى أخذ المزيد من الأراضي الحدودية، كما حدث قبل أيام باتفاقها مع الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، الذي تمخض عن سيطرتها على جزيرتي تيران وصنافير في مدخل خليج العقبة.

أما الأخطر، الذي لا يستبعده مُحللون، وإن كانوا لا يُرجحونه قريبًا على الأقل، هو أن تُؤدي هذه الخلافات الحدودية، إلى تجدد مواجهات عسكرية، كان قد مرّ عليها زمنٌ طويل، كالتي وقعت في المياه الخليجية، بين السعودية والإمارات وقطر، أو سياسية كالتي حدثت مع الكُويت.

ثلاث مدن يمنية صارت سعودية

خلاف حدودي طويل وصف بالدموي، وقع بين السعودية واليمن. وتعود تفاصيله إلى عام 1926، حين أصبحت المنطقة اليمنية، التي كانت تُعرف بالإمارة الإدريسية، والواقعة جنوب غرب اليمن الشمالي، تحت سيادة السعودية.

هذا الخلاف قاد إلى حرب حدودية بين البلدين، انتهت في مايو (آيار) 1934، بتوقيع اتفاقية عرفت باسم «معاهدة الطائف»، وبناء عليها ضُمّت المنطقة التي صارت تُعرف بعسير وجيزان ونجران، إلى الأراضي السعودية الرسمية.

محطة أخيرة ومهمة في اتفاقيات ترسيم الحدود بين اليمن والسعودية، سُجّلت في 12 يونيو (حزيران) 2000، عندما وافق الرئيس اليمني المخلوع علي عبدالله صالح، على توقيع اتفاقية مع السعودية، تضمنت إعادة تأكيد الحدود التي رسمتها معاهدة الطائف، مما اعتبر تأكيد على تنازل اليمن عما بقي يُطالب به من أراضٍ يمنية منذ عام 1934 وحتى عام 2000.

ونص هذا الاتفاق على أنه، في حالة اكتشاف ثروة طبيعية مشتركة، قابلة للاستخراج والاستثمار على طول خط الحدود (بدءًا من رصيف البحر تمامًا، رأس المعوج شامي، لمنفذ رديف قراد، وحتى نقطة تقاطع خط عرض 19 شرقًا، مع خط طول 52 شمالًا) يجب على الطرفين المتعاقدين التفاوض حول آلية استغلال هذه الثروة. كما تضمنت الاتفاقية تحديد منطقة الرعي بـ20 كيلو متر، يستخدمها رعاة كلا البلدين كمناطق للرعي ومصادر المياه.

ومنذ وقت الاتفاقية مع الرئيس المخلوع، والمعارضة اليمنية تتهمه بالتنازل عن نجران وجيزان، وجزء من عسير، مقابل نحو 18 مليار دولار، يُقال إنّه حصل عليها من السعودية. وطالبته المعارضة باستعادة الأراضي التي تضم في أعماقها احتياطات هائلة من النفط والغاز، تُقدّر بمليارات الدولارات. البعض، يُفضّل توقع الأسوأ، كأن تقع توترات إقليمية، بدعوى سيطرة السعودية على أراضٍ يمنية، مما قد يدفع بقوى كإيران على سبيل المثال، للتدخل في قضية كهذه.

«خور العيديد» من الإمارات إلى السعودية مُقابل الاعتراف

بهدف تسوية الخلاف الحدودي بين الإمارات والسعودية، وُقعت في أغسطس (آب) 1974، اتفاقية نصت على احتفاظ الإمارات بمنطقة البريمي، بينما تحظى السعودية بخور العيديد، وهي عبارة عن منطقة ساحلية طولها 25 كيلومتر تقريبًا، تفصل بين الإمارات وقطر، وتضم قرابة 80% من آبار الشيبة النفطية.

بعد وفاة الشيخ زايد آل نهيان، ظهر سخط الإمارات على الاتفاقية، من قبل ولي العهد نجله رئيس الإمارات وحاكم أبوظبي الحالي، خليفة بن زايد، الذي اعتبرها اتفاقيةً ظالمة، وسارع في أول زيارة إلى الرياض، بعد وفاة والده، في ديسمبر (كانون الأوّل) 2004، إلى الحديث عن الاتفاقية التي اعتبر أن الإمارات قد وقعت عليها في ظل ظروف استثنائية، تتضمن حاجتها في اعتراف السعودية بها، لأنّه عقب انسحاب القوات البريطانية 1971 من الخليج، رفضت السعودية الاعتراف بدولة الإمارات، قبل تسوية الخلاف الحدودي مع أبوظبي، لذلك أبدت الإمارات في عام 2005، رغبتها في إدخال تعديلات على الاتفاقية، وقالت إنها أصبحت غير قابلة للتنفيذ، لكن السعودية أصرت على أن الاتفاقية جارية وأن من حقها منطقة العيديد.

لم تهدأ الأمور بين البلدين، ففي عام 2006 أصدرت الإمارات في كتابها السنوي، خرائط جديدة، تُظهر خور العيديد، منطقةً تابعة للمياه الإقليمية الإماراتية، وبهذا تظهر الحدود الإماراتية واصلةً إلى قطر، بينما أظهرت الخرائط السعودية الرسمية، منطقة العين باعتبارها جزءًا من الأراضي السعودية!

في يونيو (حزيران) 2009، واحتجاجًا على قيام الإمارات بتغيير خريطتها الجغرافية الموجودة على بطاقات الهوية بين مواطنيها، أوقفت السعودية آلاف الشاحنات عند المعبر الحدودي، بينها وبين الإمارات، وقالت إن ذلك جزء من تعزيز الرقابة على دخول السيارات الإماراتية إلى أراضيها. ثم في مارس (آذار) 2010، وقع هجوم على قارب سعودي، واعتُقل اثنان من حرس الحدود البحري السعودي، من قبل قارب حرس حدود إماراتي، داخل المناطق المتنازع عليها.

المنطقة المُحايدة بين الكويت والسعودية

في فبراير (شباط) الماضي، نشر المغرد السعودي الشهير، مجهول الهوية، صاحب حساب «مُجتهد»، تغريدًا حول خلاف صامت، قائم، بين السعودية والكويت، على خلفية ترسيم الحدود بينهما.

وبعيدًا عن حديث «مجتهد»، الذي يلقى اهتمامًا كبيرًا في الخليج، فالخلاف بين الكويت والسعودية حول الحقول النفطية المشتركة بينهما، ظل قائمًا رغم توقيع البلدين على  اتفاقية «العقير»، عام 1922، والتي نصت على إقامة منطقة محايدة (مساحتها ألفا ميل مربع).

ظهرت تلك الخلافات بين عامي 1957 و1958، عندما منحت كل من البلدين امتيازات لشركات البترول في المنطقة المحايدة، وبقيت الخلافات أيضًا رغم اتفاقية عام 1965، التي قسمت المنطقة إلى جزأين متساويين في المساحة، بحيث يضم الجزء الشمالي إلى دولة الكويت، والجزء الجنوبي إلى السعودية، وأكدت الاتفاقية على تنظيم استغلال الثروات الطبيعية بجميع أنواعها، وعلى بقاء امتيازات النفط سارية المفعول، بحيث يحترم كل طرف حقوق الآخر في الجزء الذي يضم إلى إقليمه.

لكن ما بقي عالقًا بعد هذه الاتفاقية، وحتى اليوم، هو عدم وضع تسوية لجزيرتي أم المراديم وكارو، اللتين تطالب الكويت بضمهما إلى سيادتها، بينما تطالب السعودية بممارسة السيادة المشتركة مع الكويت عليهما.

وبين الفينة والأخرى تطرأ خلافات حدودية ناجمة عن آلية توزيع نفط المنطقة المحايدة، بعد أن ضاعفت الكويت من إنتاجها في الحقل المشترك، إذ اضطر وزير النفط الكويتي علي العمير، للإقرار في نوفمبر ( تشرين الثاني) 2015، بأن «أزمة توقف النفط في المنطقة المحايدة بين السعودية والكويت سياسية وليست فقط فنية».

ويشكل وقف العمل في الحقل المشترك، خسارة كبيرة للكويت على وجه التحديد، خاصة بعد عودة أسعار النفط للهبوط. لكن في مارس (آذار) الماضي، أعلنت الكويت عن اتفاق مع السعودية على استئناف الإنتاج النفطي بالمنطقة المحايدة، في الخفجي، بكميات تتواءم مع الاعتبارات البيئية.

خلاف دموي مع قطر

في أغسطس (آب) 1974، توصلت كل من السعودية والإمارات إلى اتفاق حدودي عرف بـ«اتفاقية جدة»، نص الاتفاق على تخلي السعودية عن مطالبتها بواحة البريمي، بينما تتخلى الإمارات عن خور العيديد، وذلك كما أسلفنا.

هذا الاتفاق، الذي قيل إنه كان دون علم قطر، اقتضى أن يكون خور العيديد، الذي يشمل منطقة ساحلية بطول 25 كيلومترًا، تفصل بين الإمارات وقطر تحت السيطرة السعودية، وهو ما يعني عزل السعودية لقطر ومحاذاتها كدولة وحيدة، وتحقيقًا لهذه العزلة رفضت السعودية مد خط أنابيب للغاز من قطر إلى الإمارات عبر هذا الخور، واعترضت على إنشاء جسر بحري بين الإمارات وقطر عام 2005. واعتبرت أن أي اتصال بين الإمارات وقطر يهدد تلك المنطقة التي تعتبرها منطقة أمن استراتيجي بالنسبة لها.

بقيت الأمور مستقرة على الحدود بين قطر والسعودية حتى أكتوبر (تشرين الأول) 1992، إذ وقعت حوادث حدودية أدت إلى سقوط قتلى من كلا الطرفين، عرفت بحادثة الخفوس. حينها قالت الحكومة القطرية، إن قبيلة آل مرة تآمرت مع القوات السعودية ضد القوة القطرية، وأن السعودية عملت على استغلال بعض أفراد القبيلة، في عملية الانقلاب التي حدثت بعد ذلك (1995) ضد الحكومة القطرية، وبقيت مشكلة قبيلة آل مرة، جزء من الخلاف القطري السعودي حتى الآن.

وفي رد فعل من جانب قطر على حادثة الخفوس، انسحبت من اتفاق 1965، الذي ينظم الحدود مع السعودية، قبل أن تتم المصادقة عليه بشكل كامل، وأعادت 200 من جنودها في القوة العسكرية المشتركة المرابطة في الكويت. في النهاية وصل الأمر إلى رغبة الطرفين في تدخل طرف ثالث، بدأ في الكويت، ثم الإمارات، وأخيرًا مصر، حتى وصل الطرفان إلى اتفاق خفف من حدة التوتر بين البلدين، وأنهى مقاطعة قطر لمجلس التعاون الخليجي.

في عام 1996، أشّرت البلدان الحدود بينهما، ثم في عام 2001، توصلتا إلى اتفاقٍ نهائي حول 60 كيلومترًا من الحدود البرية والبحرية، التي تسكنها بصفة أساسية قبائل بدوية. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2008، أعلنت السعودية وقطر توصلهما إلى سلسلة من الاتفاقيات، أهمها اتفاق تسوية الحدود البرية والبحرية بينها، ووقع ممثلون عن البلدين، في مارس (آذار) 2009، في مقر الأمم المتحدة بنيويورك، على هذا الاتفاق.

خلاف مع البحرين حول النفط

عام 1958، وقعت البحرين مع السعودية، اتفاقية حدودية بهدف ترسيم الحدود المشتركة بينهما، كانت هذه الاتفاقية هي الأولى التي يتم فيها تعيين حدود بين دول الخليج.

بناء على نصوص هذه الاتفاقية، عُيّنت حدود منطقة «فشت أبوسعفة» الواقعة في المياه الضحلة بين البلدين، لصالح السعودية، على أن تتقاسم الدولتان الإيراد الصافي لموارد النفط في هذا الحقل. وذكرت المادة الثانية من الاتفاقية، أن «تقاسم الإيراد الصافي بين الحكومتين، لا يمس ما للحكومة العربية السعودية، من حق السيادة والإدارة على هذه المنطقة المذكورة».

لم ينسَ البحرينيون منذ ذاك الوقت، أن فشت أبوسعفة تابعة للأرضي البحرينية، لذلك اهتموا بوثائق نادرة تتعلق بالخلاف الحدودي بين البحرين والسعودية، أكدت أن «البريطانيين، قد تدخلوا لحسم الخلاف الذي يظهر أنه حسم لصالح السعودية، من خلال تقسيم القاع البحرية، كما يتبين من خلال المراسلات بين البريطانيين والبحرين والسعودية».

وظهرت علامات استفهام حول موقف البحرين من هذه الاتفاقية، في ديسمبر (كانون أول) عام 2004، فعندما قامت السعودية بتوسعة حقل أبوسعفة، بعد أن تضاعف إنتاجه اليومي من 150 ألف برميل إلى 300 ألف برميل، غابت البحرين عن حفل التدشين الرسمي الذي أقامته السعودية.

منطقة القريات بين الأردن والسعودية

في نوفمبر (تشرين الثاني) 1925، رُسمت الحدود بين المملكة العربية السعودية والمملكة الأردن الهاشمية، بـ«اتفاق جدة»، الذي نص على ضم العقبة وعمان إلى شرق الأردن، بعد أن كان قد تنازل عنها الشريف حُسين للسعودية. كذلك نص الاتفاق على أن تحظى السعودية بمنطقة القريات، التي كانت أردنيةً أيضًا.

لكن عدم وجود قوات أمن على الحدود بين السعودية وشرق الأردن، أواخر العام 1925، تسبب في اضطراب العلاقات السياسية، إثر قيام العشائر عبر الحدود، بشن غارات، دون أن تتمكن الحكومتان من السيطرة على الوضع.

لكن العلاقات بين البلدين تحسنت عام 1948، إذ تم التمثيل السياسي بين البلدين في هذا العام، وتوثقت تلك العلاقات أكثر بعد تسلم الملك الحسين بن طلال سلطاته الدستورية، حتى شكلت محورًا مهمًا له أثره الفاعل على الساحتين الإقليمية والدولية.

في العام 1965، وقعت اتفاقية حدودية تم بموجبها تعديل مسار الحدود الذي رسم في 1925 في منطقة حداء، وبناءً عليها، صار الخط الحدودي الجديد، يبدأ على بعد 25 كيلومترًا إلى الجنوب من العقبة، أي أن الأردن حصل على  مساحة إضافية تبلغ ستة آلاف كيلومتر مربع، على ساحل خليج العقبة، بينما حصلت السعودية على بعض الأراضي الداخلية تبلغ مساحتها سبعة آلاف كيلومتر مربع، تقع إلى الغرب من الحوض الرئيسي لوادي السرحان.

ورغم أن هذه الاتفاقية قد أنهت النزاع الحدودي بين الطرفين إلا أنها ما زالت تثير اعتراضات أردنية تؤكد أنه تم تسليم أراضٍ أردنية إلى السعودية، دون إجراء أي مسوحات خاصة، بعد وجود اكتشافات نفطية توصلت لها شركة أرامكو في تلك المناطق.

ورغم أن اتفاقية ترسيم الحدود بين الأردن والسعودية، نصت على أحقية بعض العشائر الأردنية المتواجدة على الأطراف، بدخول  مساحة من الأرض السعودية للرعي، وممارسة بعض النشاطات الزراعية، إلا أن العام الماضي شهد قيام السعودية باتخاذ قرار يقتضي إغلاق المناطق الحدودية المخصصة للرعي المشترك، ووضعت إطارًا إلكترونيًا للمراقبة، لا يعترف بما جاء في الاتفاق.

عرض التعليقات
تحميل المزيد