يقول الكاتب إنه سيغادر هذا الأسبوع (تاريخ كتابة المقال 6 مايو) لزيارة سلسلة من البلدان التي تقع الآن على خط المواجهة بين روسيا وشبه الجزيرة الأوروبية وهي: بولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا وصربيا وأذربيجان، فجولة مثل هذه تسمح لك بأن تنظر إلى تفاصيل التاريخ، ولكن من المستحيل أن نفهم تلك التفاصيل بعيدًا عن سياقها، فكلما فكّر في الأحداث الأخيرة، أدرك أن ما حدث في أوكرانيا لا يمكن فهمه إلا من خلال النظر في الجغرافيا السياسية الأوروبية منذ عام 1914 – أي قبل مائة عام وعند بداية الحرب العالمية الأولى -.

في بداية أغسطس، كتبت باربرا توكمان قصة رائعة ودقيقة عن الكيفية التي بدأت بها الحرب العالمية الأولى، فبالنسبة لها كان ذلك نتاج تقاطع كل من الإدراك والتصور الخاطئ والسمات الشخصية والقرارات وتمحور الأمر حول القادة، وظهرت في قصتها بشكل ضمني فكرة أن الحرب العالمية الأولى كان نتيجة لسوء التقدير وسوء الفهم، ويقول الكاتب إنه عند التركيز على التفاصيل، فقد تبدو تلك الحرب حدثًا مؤسفًا ولا يمكن تجنبه، ويؤكد الكاتب أنه يتبنى وجهة نظر مختلفة: فالحرب كانت أمرًا لا مفر منه بعد أن توحدت ألمانيا في عام 1871، فالتوقيت والكيفية التي حدث بها ذلك ربما كان بيد صناع القرار، وأن ما سيحدث كان ضرورة جيوسياسية، وسيمنحنا فهم تلك الضرورة الجيوسياسية إطارًا لفهم ما يحدث في أوكرانيا، وما هو المرجح أن يحدث بعد ذلك.

المعضلة الألمانية

شكَّل توحيد ألمانيا دولة اتسمت بالحيوية للغاية قبل مطلع القرن العشرين، فقد تطابق اقتصاد ألمانيا مع الاقتصاد البريطاني. ومع ذلك، فقد تمحور الاقتصاد البريطاني حول إمبراطورية شاسعة وتركز على المصالح البريطانية، أما ألمانيا فلم يكن لديها مثل هذه الإمبراطورية، فقد حققت المساواة من خلال رفع معدلات النمو الداخلي وزيادة الصادرات على أساس تنافسي، وكانت هذه واحدة فقط من المشاكل التي تعاني منها ألمانيا، فالنظام الاقتصادي الدولي استند على نظام ممتلكات الإمبراطورية إلى جانب قطاع الصناعة الأوروبي، أما ألمانيا فقد افتقرت إلى تلك الممتلكات ولم يكن لديها سيطرة سياسية وعسكرية على أسواقها، وبينما كان اقتصادها يساوي الاقتصاد البريطاني، كانت المخاطر المحيطة به أعلى بكثير.

وقد تفاقمت المخاطر الاقتصادية بسبب المخاطر الإستراتيجية، فألمانيا تقع في شمال أوروبا، على أرض مستوية نسبيًّا، مع عدد قليل من الأنهار بين الشمال والجنوب كحواجز، وقد غزا الألمان الروس في الشرق والفرنسيين في الغرب، وأصبحت كل من موسكو وباريس حليفتين، ولو أنهما قررتا الهجوم على ألمانيا في وقت واحد من اختيارهما، لوجدت ألمانيا صعوبة كبيرة في مقاومتهما، ولم يدرك الألمان النوايا الروسية الفرنسية، لكنها كانت على علم بقدراتهما. وإذا اندلعت حرب بين الطرفين، كان على الألمان الهجوم أولاً في اتجاه واحد، وتحقيق النصر هناك ومن ثم حشد القوات على الجانب الآخر.

كان وقت اندلاع تلك الحرب وما إذا كانت الإستراتيجية التي اختارها الألمان ستنجح في نهاية المطاف أمرًا محل شك، ولكن خلافًا لرأي تاكمان حول الحرب، فإن الحرب التي بدأت بهجوم ألماني لا مفر منه، لم تكن نتيجة لسوء فهم، بل بالعكس كانت نتيجة للواقع الاقتصادي والإستراتيجي.

هاجم الألمان الفرنسيين أولاً ولكنهم فشلوا في إلحاق الهزيمة بهم، وعليه فقد باتوا محاصرين في حرب على جبهتين هم من أشعلوها، لكنهم على الأقل كانوا في حالة تعبئة كاملة وبوسعهم المقاومة، وظهرت فرصة ثانية لتنفيذ إستراتيجيتهم في شتاء عام 1917، عندما اندلعت ثورة ضد قيصر روسيا، والذي على إثرها تنازل عن العرش في 15 مارس 1917، (كانت ألمانيا في الواقع هي المحرك للثورة التي اندلعت في مارس عبر إعادة لينين إلى روسيا في مقطورة مغلقة على أحد القطارات) كان هناك قلق شديد من أن الروس قد ينسحبون من الحرب، وعلى أي حال، فقد تدهورت قدراتهم العسكرية بشكل كبير، لم يبدُ انتصار الألمان هناك أمرًا ممكنًا فحسب، بل إنه كان مرجحًا، وإذا حدث ذلك، وإذا نُقلت القوات الألمانية الموجودة في روسيا إلى فرنسا، فقد كان من المرجح أنهم قد يشنوا هجومًا واسعًا من شأنه أن يلحق الهزيمة بالفرنسيين والبريطانيين.

في أبريل عام 1917، أعلنت الولايات المتحدة الحرب على ألمانيا، وقد كانت هناك أسباب متعددة لذلك بما في ذلك تهديد الغواصات الألمانية بغلق طرق الشحن بين المحيط الأطلسي وأمريكا، ولكن أيضًا بسبب الخوف من أن تؤدي الأحداث في روسيا إلى هزيمة الحلفاء، وكان للولايات المتحدة مصلحة عميقة في التأكد من أن الكتلة القارية الأوراسية لن تسقط تحت سيطرة أي دولة بعينها، وأن القوى العاملة والموارد والتكنولوجيا التي ستقع تحت سيطرة الألمان ستفوق تلك التي تمتلكها الولايات المتحدة، فلم تكن لتقوى على تحمل انتصار ألماني، وبالتالي وفي غضون عام أرسلت أكثر من مليون رجل إلى أوروبا وساعدت في مواجهة الهجوم الألماني بعد انسحاب روسيا من الحرب بعد الثورة الروسية في أكتوبر 1917، ومنحت معاهدة السلام أوكرانيا إلى الألمان، ووضعت روسيا في خطر حال هزيمة الألمان للتحالف الأنجلو فرنسي، في نهاية المطاف أدى التدخل الأمريكي إلى هزيمة الألمان، واستعاد الروس أوكرانيا.

كان التدخل الأمريكي حاسمًا وحدد شكل الإستراتيجية الأمريكية في أوراسيا لقرن من الزمان، فهو سيحافظ على توازن القوى، وبتحول ذلك التوازن فإن واشنطن ستزيد من المساعدات، وستتدخل عند الضرورة بشكل حاسم في سياق التحالف العسكري القائم والفعال.

سارت الحرب العالمية الثانية بنفس الشكل، فقد تحالف الألمان – الذين وقعوا مرة ​​أخرى في موقف خطير – مع السوفييت، فضمنت ألمانيا جبهة واحدة للحرب، وهزمت فرنسا هذه المرة، وفي الوقت المناسب، انقلبت ألمانيا على روسيا وحاولت السيطرة على أوراسيا بشكل حاسم. اتخذت الولايات المتحدة موقفًا محايدًا أول الأمر، ثم قدمت مساعدات للروس والبريطانيين، وحتى بعد دخولها الحرب في ديسمبر 1941 أخفت هدفها الرئيسي حتى آخر لحظة ممكنة، إلا أن الولايات المتحدة غزت شمال إفريقيا وصقلية وبقية إيطاليا، ولكن كانت هذه عمليات هامشية على هامش السلطة الألمانية. لم تقع الضربة الحاسمة حتى يونيو عام 1944، بعد أن ضعف الجيش الألماني بشكل ملحوظ بسبب شراسة الجيش السوفييتي المدعوم بشكل كبير من قبل الولايات المتحدة، واستغرقت الحملة الحاسمة في شمال أوروبا أقل من سنة، وقد انتصرت فيها أمريكا وخرجت بخسائر محدودة بالمقارنة مع الدول الأخرى، لقد كان تدخلاً في سياق تحالف عسكري قوي.

في الحرب الباردة، جهز الاتحاد السوفييتي نفسه عن طريق إنشاء منطقة عازلة عميقة، وشكّل من دول البلطيق وروسيا البيضاء وأوكرانيا خط دفاع أول، وتكوّن خطه الدفاعي الثاني من بولندا وتشيكوسلوفاكيا والمجر ورومانيا وبلغاريا، بالإضافة إلى ذلك، انتقلت المنطقة العازلة السوفييتية إلى وسط ألمانيا وعند الشمال الألماني، وبالنظر إلى تلك الحقبة، احتاج السوفييت إلى إنشاء منطقة عازلة عميقة بأقصى قدر، وقد منع هذا الخط بشكل فعال أي هجوم على الاتحاد السوفييتي.

كان الرد الأمريكي أكثر فعالية مما كان عليه في الحربين الأولين، لكنه لم يكن بنفس الحسم، فقد نشرت الولايات المتحدة قوات في ألمانيا الغربية في سياق تحالف عسكري قوي، وقد كان هذا التحالف على الأرجح غير كافٍ لمنع هجوم سوفييتي، وقد وعدت الولايات المتحدة بتقديم قوات إضافية في حالة الحرب وأكدت أيضًا بأنها مستعدة لاستخدام الأسلحة النووية لوقف الهجوم السوفييتي إذا لزم الأمر.

كان الأمل هو الحفاظ على توازن القوى مع حد أدنى من تعرض أمريكا للخطر، وفي حال انكسار هذا التوازن، كانت الولايات المتحدة على استعداد لإرسال مزيد من القوات، وفي أسوأ الحالات ادعت الولايات المتحدة استعدادها لاستخدام القوة الحاسمة، وكان الشيء المهم اللافت للنظر هو أن الولايات المتحدة احتفظت بخيار تعزيز قواتها واستخدام القدرات النووية. لم يبدأ السوفييت الهجوم أبدًا، لأنهم لم يكونوا في حاجة إلى ذلك من ناحية – فهم لم يكونوا في خطر – ومن ناحية أخرى لأن المخاطر المرتبطة بالهجوم كان مرتفعة جدًّا.

وهكذا، اتبعت الولايات المتحدة إستراتيجية متسقة في جميع الحروب الثلاث، في الحرب العالمية الأولى، تجنبت التعرض المفرط للخطر بخفض وجودها إلى الحد الأدنى المطلوب، ولم تشترك الولايات المتحدة في الحرب العالمية الأولى حتى وقت متأخر جدًّا، في الحرب العالمية الثانية، انطوى الوجود الأمريكي على عمليات هامشية بتكلفة منخفضة نسبيًّا، وفي الحرب الباردة، وضعت قوة كافية لإقناع السوفييت بالنوايا الأمريكية، ولكنها دائمًا كانت تحت سيطرتها ومستعدة دائمًا للتدخل في الوقت المناسب، وبحد أدنى من الخسائر، في سياق تحالف عسكري فعال.

أدى انهيار الاتحاد السوفياتي والثورات التي اندلعت عام 1989 إلى تجريده من المناطق العازلة التي استولى عليها في الحرب العالمية الثانية، كان موقفه الإستراتيجي أسوأ مما كان عليه قبل الحربين العالميتين أو حتى منذ القرن 17، إذا أصبحت المنطقة العازلة الداخلية، ممثلة في دول البلطيق وروسيا البيضاء وأوكرانيا، عدائية وجزءًا من منظومة التحالف الغربي، فإن التهديد لروسيا سيكون عظيمًا. تم قبول دول البلطيق أعضاءً في حلف شمال الأطلسي وكان التحالف الآن على بعد أقل من 100 كم من سانت بطرسبرغ، وإذا سارت أوكرانيا وبيلاروسيا في نفس الطريق، فإن مدينة سمولينسك، والتي كانت ذات يوم في عمق الاتحاد السوفييتي والإمبراطورية الروسية، ستصبح بلدة حدودية، كما أن المسافة إلى موسكو من أراضي حلف شمال الأطلسي ستبلغ 250 ميلاً.

كان العامل المخفف لهذه التطورات هو أن حلف شمال الاطلسي كان ضعيفًا ومفككًا، لم يجلب ذلك قدرًا كبيرًا من العزاء للروس، الذين رأوا ألمانيا تتحول من دولة ضعيفة ومجزأة في عام 1932 إلى قوة هائلة عام 1938، فحيثما يكون هناك قاعدة صناعية، يمكن أن تتولد القدرة العسكرية بسرعة ويمكن أن تتغير النوايا بين عشية وضحاها. وبالتالي، بالنسبة لروسيا، فإن منع نظام التحالف الغربي من امتصاص أوكرانيا كان أمرًا حاسمًا، وذلك كما أظهرت أحداث الأشهر السابقة.

النهج الأمريكي

لا تزال الإستراتيجية الأمريكية في أوروبا هي نفسها كما كانت في عام 1914: وهي السماح بإدارة توازن القوى في أوروبا بشكل ذاتي. وبعيدًا عن التصريحات العلنية، كانت الولايات المتحدة تشعر بالراحة من ضعف القوى الأوروبية طالما كان الروس ضعفاء أيضًا، فلم يكن هناك أي تهديد للهيمنة الناشئة. كانت الإستراتيجية الأمريكية، كما هو الحال دائمًا، السماح للتوازن بالحفاظ على نفسه، والتدخل بتقديم أي مساعدات لازمة للحفاظ على هذا التوازن والتدخل عسكريًّا في سياق تحالف قوي في اللحظة الحاسمة وليس قبل ذلك.

نستنتج من هذا أن الولايات المتحدة ليست مستعدة لبذل أكثر من الانخراط في جهود رمزية الآن. قد يكون الجيش الروسي قادرًا على احتلال أوكرانيا، على الرغم من أن التحديات اللوجستية خطيرة، لكن الولايات المتحدة ليست في وضع يمكنها من نشر قوة دفاعية حاسمة في أوكرانيا، كما لا يزال التحول في ميزان القوى الأوروبية بعيدًا عن الحسم، ولا يزال أمام الولايات المتحدة الوقت لمراقبة الوضع وهو يتطور.

عند هذه المرحلة، يقول الكاتب إن الولايات المتحدة على الأرجح مستعدة لزيادة توافر الأسلحة إلى البلدان التي ينوي زيارتها، فضلاً عن بلغاريا ودول البلطيق. ولكن مشكلة الولايات المتحدة هي أن إستراتيجيتها التاريخية تعتمد على وجود قوة عسكرية كبيرة، تشترك فيها بلدان متعددة في شكل تحالف فعال، إن من غير المجدي بالنسبة للولايات المتحدة تقديم الأسلحة إلى البلدان التي لن تتعاون مع بعضها البعض وغير قادرة على تعبئة قوة قادرة على استخدام هذه الأسلحة.

منذ أحداث أوكرانيا ناقشت العديد من الدول الأوروبية زيادة الإنفاق على الدفاع والتعاون العسكري، وليس من الواضح ما إذا كان حلف شمال الاطلسي هو وسيلة لهذا التعاون، وكما رأينا خلال الاجتماعات بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، فإن استعداد ألمانيا للدخول في إجراءات حازمة محدود. في جنوب أوروبا، لا تزال الأزمة الاقتصادية محتدمة. كما أن شهية البريطانيين والفرنسيين أو الأيبيريين للانخراط محدودة. فمن الصعب رؤية الناتو يؤدي دورًا عسكريًا فعالًا.

تنظر الولايات المتحدة إلى ذلك باعتباره حالة يجب على البلدان المعرضة للخطر اتخاذ خطوات حاسمة بشأنها. بالنسبة للولايات المتحدة، فليس هناك حالات عاجلة. وبالنسبة لبولندا وسلوفاكيا والمجر ورومانيا وصربيا وأذربيجان، فضلاً عن البلدان الأخرى الواقعة على طول الخط العازل، ليس هناك حتى الآن حالات عاجلة. ولكن يمكن أن يحدث ذلك بسرعة مدهشة. الروس ليسوا في جوهرهم أقوياء، لكنهم أكثر قوة من أي من هذه البلدان منفردة، أو حتى معًا. ونظرًا للاستراتيجية الأمريكية، فإن الولايات المتحدة ستكون مستعدة لبدء تقديم المساعدات، ولكن المساعدات الكبيرة تتطلب عملاً كبيرًا من جانب دول العزل.

تركزت الحربين العالميتين الأولى والثانية حول وضع ألمانيا في أوروبا. وهذا ما تركزت عليه الحرب الباردة أيضًا، على الرغم من سيرها بطريقة مختلفة. ونحن نناقش مرة أخرى هنا وضع ألمانيا. اليوم، هي لا تمثل تهديدًا للغرب. والتهديد الشرقي ضعيف، ويقع بعيدا وربما يكون حليفًا أكثر من كونه تهديدًا. فالقوة التي دفعت ألمانيا إلى خوض حربين عالميتين ليست قائمة الآن. منطقيًا، ليس لديها سبب وجيه لتحمل المخاطر.

إن الخوف الأمريكي من الهيمنة الأورسيوية هو احتمال بعيد أيضًا. وروسيا هي أبعد من أن تكون قادرة على أن تشكل مثل هذا النوع من التهديد. فهي لا تزال تكافح من أجل استعادة المناطق العازلة الخاصة بها. بالضبط مثلما أن ألمانيا ليست مستعدة للانخراط في أعمال عدوانية، فإن الولايات المتحدة ستواصل الاعتماد على إستراتيجيتها التي اعتمدتها منذ قرن المتمثلة في الحد من تعرضها للخطر لأطول فترة ممكنة. وفي نفس الوقت، تواجه البلدان العازلة تهديدًا محتملاً تقضي الحكمة بأن يتأهبوا له.

ومع ذلك، فإنه ليس من الواضح إن كان التهديد الروسي سوف يتحقق، كما أنه ليس من الواضح إن كان لدى الروس الإرادة السياسية للتدخل بشكل حاسم. وسيكون الحل الأمثل بالنسبة للدول العازلة هو تدخل واسع من طرف حلف شمال الاطلسي. وهذا لن يحدث. أفضل خيار ثانٍ هو أن يحدث تدخل أمريكي واسع النطاق. وهذا لن يحدث أيضا. تريد الدول العازلة تحميل الآخرين بتكاليفهم الدفاعية – وهي إستراتيجية معقولة إذا كان بامكانهم تحقيقها.

تقود عوامل الجغرافيا السياسية روسيا إلى محاولة استعادة السيطرة على الحدود الحرجة. بفعلها ذلك، فإن الدول المتاخمة للقوة الروسية لن يدركوا إلى أي مدى سوف يحاول الروس المضي. بالنسبة لروسيا، كلما زاد عمق المنطقة العازلة، كان ذلك أفضل. ولكن كلما زاد عمق المنطقة العازلة، ارتفعت تكلفة الحفاظ عليها. والروس ليسوا على استعداد لأي خطوة من هذا القبيل. لكن مع مرور الوقت، وبينما تنمو قوتهم وثقتهم بأنفسهم تصبح تحركاتهم أقل قابلية للتنبؤ. وعندما تواجه تهديدًا وجوديًّا محتملاً، فالعمل الحصيف هو المبالغة في رد الفعل.

الدول العازلة بحاجة إلى التسلح وإلى حليف. وستوفر الولايات المتحدة درجة من الدعم، بغض النظر عما سيفعله الألمان والناتو. لكن القرار الأساسي هو في أيدي البولنديين والسلوفاك والمجريين والرومانيين والصرب والأذربيجانيين، إلى جانب دول عازلة أخرى. بعضها، مثل أذربيجان، اتخذت بالفعل قرار التسلح وتبحث عن فرصة للتحالف. وبعضها الآخر، مثل المجر، يراقب وينتظر. من المفترض أن مارك توين قد قال “التاريخ لا يعيد نفسه، ولكنه يبني قافية”. هناك قافية يمكننا سماعها. لكنها لا تزال في مراحلها المبكرة وبعض الدول حبيسة مسار بعينه كما كانت ألمانيا في عام 1914. إن القوات قد بدأت بالتجمع، وإذا فعلوا ذلك، فلن يسيطر عليهم حسن النية.

يقول الكاتب إنه سوف يستمع لهذه القافية في رحلته المرتقبة. وأنه بحاجة لمعرفة ما إذا كانت موجودة. وإذا كان كذلك، فيود أن يرى إذا كانت الدول الأكثر عرضة للخطر تشعر بها أيضًا. وأنه سيخبرنا بما حدث معه.

عرض التعليقات
تحميل المزيد