لقد مر الصراع العربي الإسرائيلي بالعديد من المراحل والتغيرات الحادة عبر السنين, ومازال الحل النهائي لهذا الصراع في حكم المجهول في ظل استمرار الاحتلال في ممارساته الظالمة ضد الشعب الفلسطيني المنقسم على ذاته, والفاقد لأي أمل في الوصول إلى تسوية عادلة في هذه القضية الشائكة.

دعونا نلقي نظرة على أهم التطورات التي لحقت ملف “الحدود” بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي عبر السنوات والعقود المتعاقبة منذ عام 1947 وحتى الآن.

قرار التقسيم 181 عام 1947

يعتبر هذا القرار من أوائل القرارات التي سعت الأمم المتحدة من خلاله لحل الصراع العربي الصهيوني (لم تكن إسرائيل كدولة قد أنشئت بعد), وهو صادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تتسم قراراتها بطبيعة غير إلزامية (بعكس قرارات مجلس الأمن) في نوفمبر 1947.

الحدود المقترحة للدولتين في قرار التقسيم

ينص القرار على تقسيم فلسطين التاريخية بشكل شبه متساوٍ إلى دولتين؛ واحدة تمنح لليهود على مساحة 57%, في مقابل دولة أخرى للعرب الفلسطينيين على مساحة 42%. أما المساحة المتبقية في مدن القدس (غير مقسّمة إلى شرقية وغربية) وبيت لحم والأراضي المجاورة فقد نص القرار على وضعها تحت وصاية دولية كأماكن مقدسة لا ينبغي أن تقع تحت سلطة أي من اليهود أو العرب وحدهما. ويتولى السلطات الإدارية حاكم دولي معيّن من قبل الأمم المتحدة, مع إعطاء صلاحيات للمجالس البلدية المحلية.

رفضت الدول العربية هذا القرار, كما لم تلتزم به العصابات الصهيونية, وتوسّعت عسكريا لما بعد حدود قرار التقسيم بكثير في الفترة من 1947 إلى 1949.

قرار الهدنة عام 1949

أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة هذا القرار كنتيجة لتداعيات المعارك التي اندلعت بين الجيوش العربية والعصابات المسلحة الصهيونية عقب الإعلان عن قيام دولة إسرائيل في مايو 1948. وفي ذلك الوقت كانت العصابات الصهيونية تسيطر على ما يقارب 78% من مساحة فلسطين التاريخية في مقابل خمسة جيوش عربية كانت تسيطر بالكاد على المساحة المتبقية.

توضيح لمسارات الجيوش العربية خلال حرب 1948

توضيح لمسارات الجيوش العربية خلال حرب 1948

وقد صدر هذا القرار في نوفمبر 1948 كمبادرة من الأمم المتحدة لإحلال السلام بين إسرائيل والدول العربية المشاركة في الحرب وهي مصروسوريا ولبنان والأردن والعراق, وقد وقّعت عليها هذه الدول (ما عدا العراق) بشكل متتالٍ خلال عام 1949, فيما لم يكن هناك أي جهة ممثلة للطرف الفلسطيني.

وينص القرار على التزام الدول الموقعة بخط الهدنة, الذي سمي بالخط الأخضر وهو الخط الذي رُسم بناء على المواقع التي تمركزت عندها القوات العسكرية الرئيسية بين العرب واليهود خلال حرب 1948, دون الأخذ بعين الاعتبار الطبيعة الجغرافية أو الديمغرافية للمنطقة. كما أنه لم يعتبر هذا الخط بمثابة حدود دولية دائمة, وكذلك لم يشمل أي ذكر لدولة فلسطين أو حدودها, اعتمادا على القرار السابق 181 الذي ذكرت فيه حدود التقسيم بشكل واضح الحصة المفترضة لكل من الدولتين.

الجدير بالذكر أنه خلال حرب 1948 استطاعت العصابات اليهودية الإستيلاء على الجزء الغربي من مدينة القدس, فيما تمركزت القوات العربية محافظة على الجزء الشرقي المحتوي على البلدة القديمة والحرم المقدسي تحت إدارة أردنية, بالإضافة لمعظم مناطق الضفة الغربية, فيما توّلت مصر إدارة قطاع غزة.

توضيح لمناطق السيطرة الإسرائيلية في مقابل السيطرة العربية في أعقاب حرب 48


حدود قرار 242 عام 1967

لم يتغير الكثير في الخارطة السياسية والعسكرية منذ عام 1948 مرورا بالهدنة حتى ما قبل اندلاع حرب يونيو 1967, حيث استمرت الأردن في إدارة الضفة الغربية والقدس الشرقية ومصر في إدارة قطاع غزة, فيما سيطرت إسرائيل على المساحة المتبقية.

وفي أعقاب حرب يونيو 1967 التي استمرت لستة أيام, وسّعت إسرائيل سيطرتها لتشمل الضفة الغربية وقطاع غزة وشبه جزيرة سيناء ومرتفعات الجولان, بالإضافة لضم القدس الشرقية.

توضيح للمناطق التي سيطرت عليها إسرائيل في أعقاب حرب 1967


وفي نوفمبر 1967 أصدر مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة قرار 242 الذي ينص على ضرورة انسحاب إسرائيل من “مناطق” احتلتها خلال الحرب, في مقابل اعتراف الدول المجاورة بحق إسرائيل في الوجود والعيش بسلام.

وتجدر الإشارة إلى الجدل القائم على المستوى الدولي لاختلاف صيغة القرار باللغة الانجليزية عن صيغته في اللغة الفرنسية فيما يخص تعريف المناطق التي يشملها القرار, فقد نصت الصيغة الانجليزية على كلمة “مناطق” مجردة من أل التعريف, مما يترك المجال مفتوحا لتفسير وتحديد المنطقة الجغرافية المقصودة حسب رغبة إسرائيل وبلا خط محدد أو خارطة محددة للمناطق المحتلة, فضلا عن خلو القرار من أي ذكر لوضع مدينة القدس.

وبسب هذا النص المبهم, فقد اختلفت رؤية كل من إسرائيل والدول العربية لتفسير القرار. ففي حين يرى العرب أن القرار يلزم اسرائيل بالانسحاب من كل من الضفة الغربية والقدس الشرقية وقطاع غزة وهضبة الجولان وسيناء, تشدّد اسرائيل على أن الحديث يدور عن الانسحاب لحدود آمنة يتم التوصل إليها عبر المفاوضات مع الأطراف المعنية.

الحدود في اتفاقية أوسلو 1993

وقعت اتفاقية أوسلو في سبتمبر 1993 كأول اتفاق مباشر بين الإسرائيليين والفلسطينيين برعاية أمريكية, وكان ينظر إليه على اعتبار أنه إعلان مبادئ حول ترتيبات الحكم الذاتي, على أن تتبعه اتفاقية أخرى للوضع النهائي والتسوية الدائمة خلال مدة لا تتجاوز الخمس سنوات.

وينص الإعلان على عدة نقاط مرحلية تستند على قرار 242 بشكل أساسي, ولا ذكر فيها لقرار التقسيم 181، ويخلو الاتفاق من أي ذكر لضرورة إقامة دولة فلسطينية ولا يذكر صراحةً الحدود التي ستقام عليها, فقد تُركت قضية الحدود بالإضافة لقضايا القدس واللاجئين والمستوطنات والترتيبات الأمنية على أن يتم الاتفاق عليها في الوضع النهائي وهو ما لم يتم أبدا.

الجدير بالذكر أن المسئولين الفلسطينيين في اعتمادهم على حدود 1967 كأساس لإقامة الدولة الفلسطينية ليس له في الواقع – وبعكس ما يعتقد الكثيرون ــ أي سند قانوني أو ذكر رسمي ضمن قرار 242 الذي تستند عليه اتفاقية أوسلو.

الوضع الحالي

خلال السنوات التالية لاتفاقية أوسلو استمرت اللقاءات الثنائية والجلسات التفاوضية بين الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي, إلا أنها لم تحقق المرجو منها وبالأخص الوصول لاتفاقية تسوية دائمة وحل نهائي للقضايا الأساسية في الصراع. ووصلت الأمور إلى طريق مسدود بين الطرفين عام 2000 بعد جولة فاشلة من المفاوضات في كامب ديفيد, وسرعان ما اندلعت انتفاضة الأقصى الثانية في سبتمبر كرد فعل شعبي على اقتحام زعيم المعارضة في حينه أرييل شارون للحرم القدسي الشريف.

وعلى إثر التصعيد العسكري قامت إسرائيل بإعادة احتلال مناطق من الضفة الغربية كان قد تم الانسحاب منها سابقا, وبدأت عام 2002 في بناء الجدار الفاصل كذريعة لمنع تسلل منفذي العمليات الاستشهادية إلى المناطق المحتلة عام 1948، ويتخذ هذا الجدار مسارا متعرجا يؤدي إلى مصادرة مساحات شاسعة من أراضي الفلسطينيين وضمها إلى مناطق النفوذ والسيطرة الإسرائيلية, كما يحيط بالكامل منطقة القدس الشرقية (وبذلك يضمها مع الشطر الغربي للمدينة) ويفصلها تماما عن محيطها العربي المجاور في الضفة الغربية, ويعيد رسم الحدود بسياسة الأمر الواقع.

أما في قطاع غزة, بالرغم من انسحاب الجيش والمستوطنين الإسرائيليين من داخل القطاع, إلا أنه قد أعلنه ككيان معادٍ وفرض طوقا أمنيا على الشريط الحدودي المحيط بالقطاع يسمى بالمنطقة العازلة, ويمتد لمسافة قد تصل إلى خمسين مترا من الأراضي الزراعية المحرّم الوصول إليها في بعض المناطق, كما يفرض طوقا بحريا على المنطقة الساحلية لا يسمح للصيادين بالتوغل في البحر لمسافة تزيد عن ثلاثة أميال بحرية.

كل هذه الإجراءات قامت بها إسرائيل من جانب واحد وبتطبيق سياسة الأمر الواقع, ودون مراعاة للحدود الدولية التي قد تشكل أساسًا لإقامة دولة فلسطينية في المستقبل.

توضيح للوضع القائم حاليا بسبب الجدار الفاصل


 

 

[c5ab_video url=”https://www.youtube.com/watch?v=g3RZXQJmeoI” width=”700″ height=”450″ ]

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد