قبل عام مضى كان السياسي البريطاني بوريس جونسون يرى أنه من السخف التراجع عن تصريحاته التي شبّه فيها المسلمات المنتقبات بصناديق البريد ولصوص البنوك، واعتبر أن الاعتذار – الذي طالبه به قادة حزبه بمن فيهم رئيسة الوزراء تيريزا ماي التي .خلفها جونسون أمس – يعد استسلامًا للرجعيين

وفي سلسلة من تصريحاته المعادية اعتبر جونسون أن الإسلام تسبب في تخلف العالم الإسلامي لقرون، لكنه قرر الاعتذار الشهر الماضي حينما كان يسعى لكسب القاعدة الانتخابية أثناء مناظرة تلفزيونية، وقد كان لدى الرجل ما يتودد به للمسلمين حقًا بغض النظر عما إذا كان قد تراجع بالفعل عن وجهة نظره بشأنهم، إذ ذكر لهم ببساطة قصة جد والده «التركي المسلم الذي جاء إلى بريطانيا عام 1912 خوفًا على حياته؛ لأنه أدرك أنها منارة للكرم وترحب بالمهاجرين من جميع أنحاء العالم».

بوريس جونسون (يسار) صاحب الآراء المعادية للمسلمين وجده المسلم

بوريس جونسون (يسار) صاحب الآراء المعادية للمسلمين وجده المسلم

تعود قصة الجد المسلم، علي كمال، إلى حقبة الإمبراطورية العثمانية، التي عُرف فيها كواحد من أبرز الكتاب والصحافيين، ثم كوزير للداخلية لفترة لم تتجاوز بضعة أشهر، كما كان كثير السفر إلى أوروبا، وفيها تعرف على المرأة التي تزوجها، وأنجبت له ابنه الوحيد عثمان، إلا أن علاقاته الأوروبية أكسبته عداءً في بلاده إبان احتلال القوات البريطانية لبعض أراضيها، حيث اتهمه بعض أنصار مصطفى كمال أتاتورك بالعمالة للاحتلال ضد الاستقلاليين، واختطفوه لتقديمه إلى المحاكمة عام 1922.

لكن بعد يومين وفي الطريق إلى المحكمة بأنقرة هاجمته مجموعة أخرى، وانهالوا عليه ضربًا، ثم سحلوه إلى شجرة وشنقوه عليها، وفي العام التالي انهارت الإمبراطورية العثمانية، وهو ما دفع ابنه عثمان إلى أن ينسب نفسه لعائلة أمه خوفًا من تعرضه للاضطهاد، ولولا تلك المتغيرات التاريخية لكان اسم رئيس وزراء بريطانيا الحالي «بوريس عثمان علي كمال».

وعلى الرغم من إشادة رئيس الوزراء الجديد بكرم بريطانيا تجاه جده المسلم المهاجر، وهو ما منح عائلته فرصة للاستقرار في البلاد، إلا أن جونسون نفسه لا يبدو متمتعًا بذات الكرم؛ فخلال توليه منصب عمدة لندن كان يطبق قوانين صارمة على المهاجرين، تتضمن إلزامهم بتعلم اللغة الإنجليزية، وامتلاك مهارات محددة للحصول على عمل، كما طالب باشتراط حصول المهاجرين على وظيفة قبل وصولهم إلى بريطانيا، واستخدم أوصافًا عنصرية ضد الأفارقة، كما أنه هاجم أكثر من مرة الإجراءات التي اعتبرها متساهلة إزاء المهاجرين غير الشرعيين. 

طريق بوريس جونسون «الملتوي» نحو القمة

درس بوريس جونسون الأدب الانجليزي في جامعة أكسفورد، وأثناء دراسته تولى تحرير مجلة الجامعة، كما ترشح لرئاسة اتحاد طلابها، ولكنه خسر، ثم دخل الانتخابات مرة أخرى مدعيًا أنه ليس محافظًا، كما يظن زملاؤه، وأنه يؤيد «الحزب الاشتراكي الديمقراطي»؛ ليفوز في تلك المرة بمقعد رئيس الاتحاد، وبعد انتهاء دراسته تزوج جونسون، وسافر لقضاء شهر العسل في مصر، ثم عاد إلى بريطانيا ليبدأ حياته المهنية بالعمل في الصحافة.

وقد تخللت مسيرته المهنية الكثير من السقطات التي ألحقت به سمعة سيئة في عالم الصحافة، فأثناء عمله في جريدة «التايمز» لفّق تصريحًا يتهم الملك إدوارد الثاني بالمثلية الجنسية، ونسب التصريح لأستاذ جامعي لم يدل به؛ مما دفع الجريدة إلى فصله.

خلال فترة عمله كصحافي أيضًا، ارتكب جونسون خطأً مروعًا بحق أحد زملائه، وهو الصحافي ستيوارت كولير الذي كان يحقق في أعمال إجرامية ارتكبها رجل الأعمال داريوس جوبي. اتصل جوبي بجونسون طالبًا منه عنوان الصحافي؛ لأنه يرغب بالاعتداء عليه حتى يتوقف عن التحقيق في جرائمه، ولم يتأخر جونسون بالفعل في تلبية الطلب، وفي وقت لاحق تسربت المكالمة وافتضح أمر جونسون وجوبي الذي دخل السجن فيما بعد لمدة خمس سنوات.

وفي مرحلة تالية من حياة جونسون، أثناء توليه منصب عمدة لندن، حذّر أحد أصدقائه من محاولة الشرطة للقبض عليه، كما واجه تهمًا تتعلق باستغلال النفوذ، فضلًا عن أنه أصر على الاستمرار بعمله في الصحافة إلى جانب المنصب؛ لأن راتبه «لا يكفي لإطعام دجاجة» برأيه، وهي تصريحات أغضبت البريطانيين؛ إذ إن راتبه كان يساوي في الواقع 10 أضعاف متوسط دخل المواطن البريطاني.

رغم تعثره المهني، كان جونسون الذي يلقبه البريطانيون بـ«بوجو» يعرف كيف يشق طريقه وسط عالم السياسة البريطانية، فدخل البرلمان البريطاني عام 2001، ثم تولى منصب وزير الفنون في حكومة الظل عام 2004، لكنه فُصل منها عندما افتضح أمر علاقة غرامية جمعته بصحافية شابة في مجلة «ذا سبيكتيتور» التي كان رئيسًا لتحريرها في نفس الفترة.

لكنه عاد لنفس الحكومة مرة أخرى وزيرًا للتربية في 2005، ورغم اتهامات الفساد وتصريحاته المعادية للمسلمين والأفارقة الذين شبههم في أحد مقالاته بـ«البطيخ»، استطاع جونسون كسب ثقة ناخبي لندن للفوز بمنصب عمدة العاصمة البريطانية مرتين متتاليتين في انتخابات 2008 و2012، قبل أن يخسر في انتخابات 2016 أمام عمدة لندن الحالي صاحب الأصول الباكستانية صادق خان.

تولى «بوجو» في عام 2016 أيضًا وزارة الخارجية في حكومة تيريزا ماي، وبالرغم من كونه أبرز الداعين لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إلا أنه استقال من الحكومة اعتراضًا على إدارة تيريزا ماي لملف اتفاقية «البريكسيت»، وهو الملف الذي أفشل حكومة ماي، وأجبرها على الاستقالة؛ ليحل جونسون رئيسًا للوزراء خلفًا لها.

«بوريس جونسون».. عندما أغرق «الرجل البطاطس» بريطانيا أمام الاتحاد الأوروبي

الخروج الكبير.. «لا للاحتلال الأوروبي لبريطانيا»

بالنسبة إلى بوريس جونسون فإن مسألة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تكاد تكون مسألة حياة أو موت، حتى أنه اعتبر أن ذلك اليوم سيكون بمثابة يوم استقلال لبريطانيا، كما شبّه الاتحاد الأوروبي بمشروع هتلر النازي الذي أراد الحصول على دولة أوروبية موحدة.

وقد تعهد بقيادة البلاد للخروج من الاتحاد في 31 أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، سواء توصل لاتفاق مع الاتحاد الأوروبي أم لا، ويوصف جونسون بأنه «مهندس حملة البريكسيت»، حيث قام بحملة دعائية ضخمة ومعه وزير العدل مايكل جوف، مثيرًا مخاوف البريطانيين من المهاجرين، ومدعيًا أن بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي يكلفها أسبوعيًا 350 مليون استرليني، وهو المبلغ الذي اتضح عدم صحته فيما بعد حيث لم تتجاوز التكلفة الأسبوعية 135 مليونًا، وبالنهاية نجح جونسون في استغلال شعبيته بين عائلات المحافظين وكبار السن، وهي الكتلة التصويتية التي رجّحت كفة الخروج من الاتحاد، في مقابل تصويت مكثف من الشباب لصالح البقاء فيه.

الحماس الشديد لجونسون للخروج من الاتحاد الأوروبي، دفعه ذات مرة للرد بأسلوب صادم على الرئيس الأمريكي السابق باراك أوباما حينما حذّر الأخير بريطانيا من عواقب الخروج، حيث قال «بوجو» إن أصول أوباما التي تعود إلى كينيا التي كانت مستعمرة بريطانيا جعلته يكره بريطانيا، ودائمًا ما يدافع جونسون عن الاستعمار البريطاني لدول أفريقيا وخاصة أوغندا، رغم مطالبته بـ«استقلال» بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

كما أنه هاجم هيلاري كلينتون في تصريح له ووصفها بـ«الممرضة السادية في مصحة للأمراض العقلية»، وبشكل عام لم يسلم أحد من خصوم جونسون من حدة لسانه وسخريته اللاذعة التي يعجزون عن مجاراتها، حتى إن أحدهم قال «نحن نرد على هجماته بالفعل، لكن المشكلة أن إجاباتنا ليست مضحكة».

بالإضافة إلى تشابه الملامح بين رئيس الوزراء البريطاني الجديد والرئيس الأمريكي دونالد ترامب، فهناك الكثير من القواسم المشتركة بين الشخصيتين أيضًا، منها رغبتهما بتشديد إجراءات الهجرة وتحجيم استقبال المهاجرين الجدد، والنأي بالبلاد عن محيطها الإقليمي من خلال سور المكسيك أو اتفاقية البريكسيت، فضلًا بالطبع عن سلاطة اللسان والتصريحات المثيرة للجدل، كل ذلك دعا ترامب نفسه للافتخار بتسمية البريطانيين لجونسون بـ«ترامب البريطاني»، ورغم ذلك فلا يتفق الزعيمان في كافة مواقفهما السياسية، فرئيس الوزراء البريطاني يتفق مع الدول الأوروبية في نهجها الدبلوماسي تجاه إيران، ويرفض السياسة المتشددة والتهديدات العسكرية التي يدلي بها الرئيس الأمريكي، كما أنه انتقد هجوم ترامب على أربع عضوات بالكونغرس ودعوته لهن بالعودة إلى بلادهن الأصلية.

ماذا سيفعل «ترامب البريطاني»؟

يثير وصول بوريس جونسون إلى سدة الحكم في بريطانيا مخاوف العديد من الساسة فيها، ويعتبره الكثيرون غير جدير بتولي المنصب، منهم ثلاثة وزراء في الحكومة أعلنوا استقالتهم حال فوز جونسون برئاسة الوزراء، وهم وزير العدل ديفيد غوك، ووزير الشؤون الأوروبية آلان دانكن، الذي حاول إفشال انتخاب جونسون ولم يُخفِ سابقًا معارضته لأساليبه، وكذلك وزير المالية فيليب هاموند الذي قال إنه سيبذل كافة جهوده لمنع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي دون اتفاق.

وتشير تقارير إلى أن هاموند سيقود «التمرد» البرلماني ضد جونسون، وربما يحاول إسقاط حكومته، كما رأى الكاتب البريطاني جيمس بتلر في مقال نشرته «نيويورك تايمز» أن نهاية بريطانيا ستكون على يد جونسون، لا سيما وأنها تمر بأكبر تحدٍ في تاريخها منذ الحرب العالمية الثانية، وهو الخروج من الاتحاد الأوروبي، وأن بوريس سرعان ما سيكتشف أن البريكسيت ليس مزحة كما يعتقد.

لكن ربما تكون المشكلة الحقيقية في وصول جونسون إلى رئاسة الوزراء أنه لم يمر عبر الطريق الديمقراطي إلى ذلك المنصب، فقد حصل على المقعد نتيجة استقالة تيريزا ماي من رئاسة حزب المحافظين والحكومة، وبالتالي فقد جرى التصويت عليه من قِبل أعضاء حزب المحافظين فقط، وشارك في التصويت 139 ألف بريطاني في بلد تعداده 66 مليون نسمة.

بينما تشير استطلاعات الرأي إلى أن 58% بالفعل من البريطانيين لديهم آراء سلبية عن جونسون، وهم يشعرون أنهم مستبعدون من لحظة محورية في تاريخ البلاد، لذلك فقد كان هاشتاج «#NotMyPM (ليس رئيس وزرائي)» أحد الهاشتاجات الأكثر تداولًا في بريطانيا منذ الأمس.

Embed from Getty Images

 بوريس جونسون

لكن تبقى حقيقة أن بوريس جونسون قد أصبح الآن رئيسًا لوزراء بريطانيا العظمى، وتنتظره العديد من الأزمات الحرجة ليقدم لها حلولًا، لا تتوقف فقط عند أزمة الخروج من الاتحاد الأوروبي، وإنما كذلك أزمة الخلاف مع إيران التي تحتجز الآن ناقلة نفط بريطانية، فهل سيتمسك الرجل بالخيار الدبلوماسي تجاهها؟

لقد نجح جونسون بالفعل في تجاوز العواصف التي اعترضت طريقه سابقًا، واعتبرت «بي بي سي» البريطانية في تقرير لها أنه استطاع تغيير المواقف الحرجة والصعبة لصالحه في كل مرة، وبالطبع هناك أزمة المهاجرين واللاجئين التي تعد أزمة عالمية في الوقت الحالي، والتي يميل جونسون إلى إجراءات مشددة بخصوصها.

في الواقع فإن علاقة بوريس جونسون الشخصية بالإسلام لا تتوقف عند جده المسلم، وإنما تمتد إلى زوجته الأولى التي طلقها عام 1993، فقد اعتنقت طليقته الإسلام فيما بعد وتزوجت من باكستاني مهاجر اسمه عبد المجيد، وتعمل منذ 11 عامًا كمتطوعة لرعاية الأطفال بمسجد «منهاج القرآن» في لندن.  

كما أنه يتولى رئاسة الحكومة في وقت يتولى فيه عمودية لندن مسلم آخر قادم من باكستان وهو العمدة صادق خان، وهو ما يطرح تساؤلات حول تأثير العوامل الشخصية في حياة جونسون على موقفه تجاه الإسلام، وحول قدرته على إدارة البلاد دون التمييز ضد أكثر من 3 ملايين بريطاني يدينون بدين الإسلام الذي يراه هو «عائقًا ضد التنمية».

ما الذي يمكن أن يشهده العالم في 2019؟

المصادر

تحميل المزيد