لطالما كانت للبوسنة والهرسك صورة معينة في مخيلتنا، صورة ارتبطت أساسًا بالحرب المدمرة التي ضربت هذا البلد الجميل في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وما واكبها من مجازر مروعة ذهب ضحيتها الآلاف، ومقابر جماعية تتكشف تباعًا، وتظهر معها وحشية الميليشيات الصربية التي ارتكبت جرائم مروعة ضد الإنسانية.

الآن وبعد مرور أزيد من عقدين على توقيع اتفاقية دايتون التي أنهت الحرب البوسنية، كثيرة هي الأمور التي تغيرت في البوسنة والهرسك، البلد الذي يحاول تغيير تلك الصورة المعروفة عنه، وهذا ما سوف نحاول التعرف إليه في التقرير التالي.

البوسنة والهرسك.. مدن تنبض بالحياة

العاصمة سراييفو

مخطئٌ من قد يعتقد أن العاصمة سراييفو هي الوحيدة التي تستحق الزيارة في البوسنة والهرسك، ففي هذا البلد كثيرة هي المدن التي تنبض بالحياة، وأهمها إلى جانب مدينة سراييفو Sarajevo طبعًا، مدن موستار Mostar، وترافنيك Travnik، وبيهاتش Bihać، وعدد من المدن الصغيرة المميزة التي تبعث أي زائر على الاهتمام.

موستار وجسر ستاري موست الشهير

تنبض سراييفو العاصمة بالحياة، خاصةً في منطقة الأسواق باشتشارشيا Baščaršija، وشارع الفرهادية Ferhadija. أما موستار فتشتهر بالجسر القديم، أو جسر ستاري موست الذي يعد تحفة معمارية من العهد العثماني «دمرته الميليشيات الكرواتية بشكل جزئي أواخر عام 1993، وتم ترميمه وإعادة افتتاحه ابتداء من عام 2004»، وعلى بعد بضعة كيلومترات من موستار توجد بلدة بوتشيتل Počitelj، وهي بلدة حجرية تتميز بحدائق على شكل مدرجات، إضافة إلى مدينة ترافنيك، والتي يطلق عليها مدينة الوزراء حيث أبرز معالم التاريخ والحضارة العثمانية «من أشهر أبنائها الكاتب اليوغوسلافي المعروف إيفو أندريتش، والمشهور بثلاثيته البوسنية: جسر على نهر درينا، ووقائع مدينة ترافنيك، والآنسة»، وبالقرب من ترافنيك توجد مدينة الملوك يايتسه Jajce حيث شلالات ليفا، ويقول عنها البوسنيون إنها الوحيدة عالميًّا، والتي تقع ضمن المدينة.

موروث تاريخي وثقافي متنوع

المسجد الإمبراطوري في سراييفو

ظلت سراييفو والبوسنة بشكل عام تحت الحكم العثماني لعدة قرون، وكانت تسمى بلاد البوشناق، وبعد انهيار الدولة العثمانية تسلمت النمسا إدارة البلاد، وبعد نهاية الحرب العالمية الثانية تم ضمها إلى يوغوسلافيا تحت حكم جوزيف بروز تيتو، قبل أن تحصل على استقلالها فيما بعد، بما تزامن مع الحرب الدموية في البلقان.

تعاقُب الدول والحضارات منح البوسنة مزيجًا من التنوعات الثقافية التي قد تشعر الزائر تارة بأنه في عاصمة النمسا فيينا، أو في إسطنبول العاصمة التاريخية لتركيا تارة أخرى، فتأثير العمارة العثمانية في شوارع الأسواق والأبنية، والتي تسمى تشارشيا واضح جدًّا، إضافة إلى وجود أبنية على الطراز النمساوي، والتي بنيت أيام الإمبراطورية النمساوية الهنغارية، ولا ننسى أيضًا القلاع والحصون والجسور القديمة التي شيدت خلال تعاقب الحضارات العثمانية، ثم النمساوية الهنغارية.

سراييفو.. قدس أوروبا

كنيسة القديس جوزيف في سراييفو

بالإضافة إلى التنوع الثقافي والحضاري للبوسنة، فإن التنوع الديني حاضر أيضًا في هذا البلد. صحيح أن هذا التنوع كان أحد الأسباب التي ساهمت في اندلاع حرب البلقان في التسعينيات، لكن البلد يحاول تجاوز آثار ذلك اليوم، لذلك فمن الطبيعي جدًّا أن تسمع المؤذن ينادي للصلاة في المساجد، سواء ضمن المدن أو في الأرياف البوسنية، وفي الوقت نفسه قد تسمع صوت أجراس الكنائس بمختلف طوائفها، ونظرًا للكم الكبير من المساجد والكنائس وربما أيضًا الكنس اليهودية التي تزخر بها العاصمة، فقد أطلق الكثيرون على سراييفو اسم قدس أوروبا، فهي تضم بين جنباتها مسلمين وكروات كاثوليك وصربا أورثوذكس «انخفضت نسبة هؤلاء بشكل ملحوظ بعد نهاية الحرب وتوقيع اتفاقية دايتون، إذ فضلوا الالتحاق بالجزء الخاضع للسيطرة الصربية من البلاد والمسمى بجمهورية صربسكا» وأيضًا نسبة قليلة من اليهود.

البوسنة والهرسك.. بلد الطبيعة الساحرة

جبل إيجمان

لا يمكن لأي زائر للبوسنة ألا يعشق الطبيعة الخلابة والساحرة لهذا البلد، حيث الجبال الخضراء التي تتخلالها الأنهار الملونة بالأزرق والأخضر، والشلالات الرائعة، والأودية المذهلة، والبحيرات، والمحميات الطبيعية. بالإضافة إلى القرى التاريخية التي يحافظ سكانها على لباسهم وأسلوب حياتهم التقليدي، ولعل أشهرها قرية لوكومير Lukomir.

بلدة بوتشيتل

يتيح هذا التنوع الطبيعي في البوسنة والهرسك ممارسة هواية صعود أو تسلق الجبال، وركوب الدراجات الجبلية، وتجربة الطيران بواسطة المظلات، أو الطيران الشراعي، ما يمكّن الزائر من الابتعاد عن الازدحام والاستمتاع بالهدوء، بالإضافة طبعًا إلى الأنهار التي تمكنه من ممارسة رياضة التجديف.

بين اللحوم والفطائر والقهوة.. مطبخ مميز ومتنوع

القهوة البوسنية

تشبه الأطباق البوسنية مطبخ حوض البحر المتوسط بشكل عام، خاصة المطبخ التركي، وذلك باعتمادها على البهارات في إعداد الأطعمة التقليدية، مع الإكثار من استخدام لحوم الأبقار والأغنام، إضافة إلى المقبلات، وإلى جانب الفطائر المتنوعة والكباب البوسني الشهير، يتوفر في البوسنة اللحم المقدد والسجق والجبن الخاص بكل منطقة، وأيضًا الخروف المشوي على الطريقة البوسنية.

يعتبر شرب القهوة عمودًا فقريًّا للحياة الاجتماعية في البوسنة والهرسك، ويقول البوسنيون إن القهوة البوسنية مختلفة تمامًا عن نظيرتها التركية، فهي على حد قولهم ليست ثقيلة وسوادها ليس قاتمًا، وقد حافظوا على عادة تقديم هذه القهوة في فنجان من السيراميك مع الركوة النحاسية على طبق نحاسي، وتوضع معها مكعبات السكر التي تغمس بالقهوة ثم تؤكل.

البوسنة.. بلدٌ سياحي منخفض التكاليف

تحولت البوسنة والهرسك بسرعة إلى وجهة سياحية معروفة في العالم، ويزورها اليوم الكثير من السياح ورجال الأعمال. فهي واحدة من أرخص دول أوروبا، كما أن سراييفو من أرخص العواصم الأوروبية، فتكاليف الإقامة والسياحة رخيصة بالمقارنة مع الدول المجاورة ككرواتيا، فمثلًا يمكنك تناول وجبة من الكباب البوسني الشهير بأقل من 1,5 يورو تقريبًا، بالإضافة إلى الأسواق التي تبيع التذكارات، والمصنوعات النحاسية، والفضيات والأنتيكا، والسجاد، وغيرها.

ولأن السياحة مصدر دخل مهم للبوسنة والهرسك، فإن الموضوع حساس للغاية، ومهم بالنسبة للحكومة البوسنية، لذلك كان من الطبيعي أن تولي اهتمامًا بالغًا بالقضايا الأمنية، والأنشطة التي قد تهدد السياح، ووفقًا لتقارير أصدرتها الأمم المتحدة، فإن البوسنة والهرسك تنتمي إلى مجموعة من 10 دول في العالم تعرف أعلى نسبة للنمو السياحي.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد