توصلت الأطراف المتحاربة في الحرب البوسنية إلى اتفاق لوقف إطلاق النار، وإنهاء القتال يوم 24 نوفمبر 1995، اشتهر باسم اتفاقية (دايتون) للسلام تم عقده في قاعدة رايتبيترسن الجوية قرب مدينة دايتون الأمريكية بين يومي 1 نوفمبر و 21 نوفمبر 1995.

أدت هذه الاتفاقية إلى تقسيم البوسنة والهرسك إلى كيانين متساويين نسبيا هما: فدرالية البوسنة والهرسك، وجمهورية صرب البوسنة، كما أدت إلى انتشار قوات حفظ السلام الدولية، المعروفة باسم الإيفور. كيف هو حال البوسنة والهرسك اليوم، بعد 20 عاما على إنهاء حرب مدمرة، وتوقيع الاتفاقية المثيرة للجدل؟ هذا ما سنتعرف عليه في التقرير التالي.

كيف انتهت حرب البوسنة والهرسك بعد 3 سنوات من المعارك الطاحنة والمجازر المروعة ؟

جاءت الحرب البوسنية نتيجة للتفكك اليوغوسلافي، وبعد الانشقاقات السلوفينية والكرواتية من جمهورية يوغوسلافيا الاتحادية الاشتراكية في عام 1991، أصبحت الجمهورية الاشتراكية متعددة الأعراق في البوسنة والهرسك، والتي كان يسكنها البوشناق بنسبة 44 في المائة من المسلمين، والصرب الأرثوذكس الذين يمثلون 31 في المائة، والكروات الكاثوليك 17 ٪، وقاموا بالاستفتاء على الاستقلال في 29 فبراير 1992، وقد تم رفضه من قبل الممثلين السياسيين لصرب البوسنة، الذين قاطعوا الاستفتاء، وأنشأوا جمهوريتهم الخاصة، وأعلنت الهرسك استقلالها، بينما تلقى صرب البوسنة دعما من الحكومة الصربية والجيش الشعبي اليوغوسلافي الذي حشد قواته داخل جمهورية البوسنة والهرسك من أجل تأمين الأراضي الصربية، وسرعان ما انتشرت الحرب في جميع أنحاء البلاد، ورافقتها عمليات تطهير عرقي للبوسنين المسلمين وسكان كرواتيا، وخاصة في شرق البوسنة وجميع أنحاء جمهورية صربسكا.


اندلع الصراع الإقليمي في البداية بين القوات الصربية التي تشكلت أساسا من جيش جمهورية صربسكا من جهة، وجيش جمهورية البوسنة والهرسك الذي كان يتألف معظمه من البوشناق، والقوات الكرواتية في مجلس الدفاع الكرواتي في الجانب الآخر.

وافقت القيادة السياسية للصرب والكروات على تقسيم البوسنة، مما أدى إلى تحول القوات الكرواتية ضد جمهورية البوسنة والهرسك والكروات البوسنيين وقيام الحرب، وقد تميزت الحرب بالقتال المرير، والقصف العشوائي للمدن والبلدات والتطهير العرقي والاغتصاب الجماعي المنظم، بشكل رئيس من قبل الصرب، وبحد أقل بكثير من قبل قوات الكروات البوسنيين.


على الرغم من تفوق الصرب في البداية؛ بسبب الأسلحة والموارد الهائلة المقدمة من قبل الجيش الشعبي اليوغوسلافي، إلا أنهم خسروا في النهاية؛ بسبب تحالف البوشناق والكروات ضد الجمهورية الصربية في عام 1994 مع إنشاء اتحاد البوسنة والهرسك بعد اتفاق واشنطن (رغم أن هذا التحالف شهد عدة خيانات من قبل الكروات أو حتى بعض القادة البوسنيين أنفسهم)، وبعد مجازر سربرنيتشا وماركال المروعة (التي شهدت فضائح ارتكبتها قوات الأمم المتحدة بتخليها عن اللاجئين، وربما مشاركتها أيضا في اغتصاب وقتل البوسنيات)، تدخل حلف الناتو أخيرا في عام 1995 مع القوة المتعمدة التي تستهدف مواقع جيش جمهورية صرب البوسنة، والتي عملت على إنهاء الحرب بشكل فعلي، وإجبار الجميع على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ للوصول إلى حل سياسي.

على ماذا نصت اتفاقية دايتون لإنهاء القتال في البوسنة والهرسك ؟

بعد أكثر من ثلاث سنوات من الحرب الطاحنة، تم التوصل إلى اتفاق دايتون للسلام يوم 21 نوفمبر سنة 1995، وكان أطرافه الثلاثة: جمهورية البوسنة والهرسك، وجمهورية كرواتيا، وجمهورية يوغوسلافيا. وشهد على الاتفاق ممثلون عن القوى الكبرى التي ظلت في حال «فرجة» على المذابح وجرائم الحرب المروعة التي ارتكبتها القوات الصربية.


وجاءت اتفاقية دايتون بنصوص غير مرضية للمسلمين، ولكن وقتها قال الرئيس البوسني الراحل عزت بيجوفيتش: إن اتفاقا غير منصف خير من استمرار الحرب. ونصت الاتفاقية على خمسة عناصر رئيسة هي:

  • الالتزام بوحدة أراضي البوسنة.
  • تقسيم البوسنة إلى قسمين: أحدهما ذي طابع فيدرالي للمسلمين والكروات، والثاني جمهورية للصرب.
  • يحصل المسلمون والكروات على ثلثي مقاعد البرلمان، والثلث صرب.
  • الحكومة المركزية هي المسئولة عن السياسة الخارجية وقضايا المواطنة والهجرة.
  • عودة اللاجئين الذين شردتهم الحرب.

يحكم البوسنة طبقا للاتفاق مجلس رئاسي بدلا من رئيس واحد، ويضم المجلس 3 رؤساء: أحدهم يمثل المسلمين، وآخر الكروات، ويتم انتخابهما من قبل سكان اتحاد البوسنة والهرسك، أي فيدرالية المسلمين والكروات، أما الثالث فهو صربي ينتخبه سكان جمهورية الصرب.

الرئيس الراحل علي عزت بيجوفيتش

مدة المجلس الرئاسي 4 سنوات ويتولى أعضاؤه الثلاثة الرئاسة بالمداورة لمدة 8 أشهر لكل منهم، فيترأس كل منهم البلاد مرتين.

لا يمكن القول بأن اتفاقية دايتون ضمنت للبوسنة الاستقرار الدائم، كما أن فصولها لم تزل مفتوحة، خاصة فيما يتعلق بجرائم الحرب التي حصدت أرواح الأبرياء من المسلمين.

ماذا بعد مرور 20 عاما على توقيع اتفاقية دايتون ؟

الأطراف المتقاتلة والتوقيع على اتفاقية دايتون للسلام

بعد عشرين عاماً على توقيع اتفاقية دايتون للسلام في نوفمبر 1995، لم تزل تبعات النِّزاع، بما فيها آثار التَّهجير بعيدة الأمد حاضرةً في منطقة البلقان الغربية. كُبِحت في دايتون الأهداف الرامية لإنشاء دويلات متجانسة عرقياً، لكنَّها لم تكبح الهيمنة السياسية العرقية التي ترسّخت أكثر بعدة طرق.

لم يزل الدمار الذي أوجده القادة السياسيون والعسكريون وقادة المليشيات شبه العسكرية قبل جيل كامل مستمراً في ممارسة التأثير الضار على منطقة البلقان الغربية بعد مدة طويلة من إدانة المسئولين عن جرائمهم.

وكما أنَّ إرث الاغتصاب والقتل والإبادة الجماعية العرقية التي ارتُكِبَت إبّان النِّزاع ترك ندوباً غائرة في المنطقة، فإنَّ إيديولوجية القومية العرقية الإقليمية قد سممت مجتمعاتها أيضاً.

تنص الاتفاقية صراحة على عودة جميع اللاجئين والنَّازحين إلى ديارهم السابقة، ومع أنَّ الاتفاقية تلزم السلطات بتبني هذه العملية وتسهيلها، فهي تعتمد في الوقت نفسه على حسن نوايا السلطات التي غالباً ما تنظر إلى مصلحتها السياسية على أنها تنصب في الإبقاء على الانقسامات العرقية.

مدينة تراونيك البوسنية

وقد مارست أعداد ـ لا يستهان بها ـ من الناس حق العودة، لكن الصفوة النافذة لم تزل تقاوم عملية إعادة الإدماج في البلاد خارج إطار أحكام المستوطنة الدستورية، إذ عمد المسئولون الحكوميون، بدء بموظفي البلديات وانتهاء بأصحاب المناصب العليا، إلى إعاقة العودة.

وبالفعل، في أثناء العقد التالي للحرب، كان على الممثلين الساميين أن يتدخلوا بنشاط لوضع حد لتلك الإعاقة، لكنَّ أمراً آخر كان فاعلاً أيضاً في الوقت نفسه، وهو الجهد المبذول لترسيخ العرقية لتكون من لبنات بناء المجتمع الاجتماعي والسياسي.

بعد انقضاء نحو 20 عاماً على توقيع اتفاق دايتون تطالعنا مجموعة من المشاريع القائمة التي لا تقدر على مساعدة أكثر من 11 ألف أسرة على أقصى تقدير من إجمالي 40 ألف أسرة مستضعفة أو تستحق المساعدة ولا تلبي إلا الاحتياجات الأكثر إلحاحاً.

وتشير التقديرات إلى وجود نحو 84500 شخص يحملون صفة نازح، ونحو 47 ألف شخص “من عائدي الأقليات” (الذين وجدوا الآن عرقهم ذا أقلية عددية في مناطقهم الأصلية) ما زالوا بحاجة للدعم لإيجاد حل مستدام لوضعهم.

أضف إلى ذلك أن البوسنة والهرسك تواجه عدة عقبات في سبيل حل مثل هذه المعضلات، يمكن حصرها في: التشرذم في النظام المؤسسي في البوسنة والهرسك الذي يطيل عملية اتخاذ القرار ويعرقل التنسيق، غياب المعلومات المُحدثة عن الأشخاص الذين مازالوا بحاجة للمساعدة ومدى صعوبة المشكلات التي يواجهونها، وأيضا عجز السلطات المحلية عن تحمل مسئولية إدماج الأقليات وتلبية احتياجات الرعاية الاجتماعية للنازحين داخلياً والعائدين المستضعفين.

ساهمت الاتفاقية في تعميق الطائفية في بلد متعدد الديانات والمذاهب، فمدينة موستار مثلا، منقمسة بين البوشناق (وهم مسلمون) والكروات، ففي شرق المدينة تعيش الأغلبية الكرواتية، وفي الغرب يستوطن البوشناق، وبالرغم من أن موستار تعتبر مدينة واحدة، إلا أن خدماتها ومرافقها كالجامعات والمستشفيات تعد مقسمة بين المجموعتين العرقيتين. يعبر عن هذا الانقسام مفتي موستار سعيد سمايكيتش بقوله:

موستار مدينة واحدة، ولكنها في الواقع، مقسمة مع الأسف الشديد، فهي لم تزل حملا سمينا، موستار الشرقية والتي يقطنها المسلمون، وموستار الغربية التي يهيمن عليها الكروات … حتى المؤسسات الرسمية مقسمة … المدارس مقسمة … هناك مدارس رسمية وكليات تحت سيطرة الكروات، ونادرا ما تجد غير الكروات بهذه المؤسسات التي أعطيت لها صبغة كرواتية من الناحية الإثنية، وصبغة كاثوليكية من الناحية الدينية، ولذلك يلجأ الكثير من المسلمين المقيمين في ممتلكاتهم بالجزء الغربي لإرسال أبنائهم للدراسة عندنا في الجانب الشرقي. وعندما نتحدث عن التقسيم، فإننا نتحدث عن تقسيم شامل وكلي، بما في ذلك الكهرباء، والأنشطة الثقافية، كالمسرح“.

مشهد من مدينة موستار البوسنية

بعد فشل كل الجهود الذاتية للتوصل إلى اتفاق بخصوص الإصلاحات التي يطالب بها الاتحاد الأوروبي، وحلف شمال الأطلسي، بدأت الجهات الغربية مساعي للتوصل إلى الإصلاحات المطلوبة، ولبلورة موقف محدد من المشروع الذي تم إعداده لهذا الغرض.

الواضح إذا أنه لابد من تحقيق إصلاح في الدستور؛ من أجل التقدم إلى الأمام، فهناك مسائل لابد من حلها لإرساء السلام وعدم إبقاء البوسنة متأخرة عن مسيرة دول المنطقة، وعدم استثناء البوسنة من نظام إلغاء تأشيرة دخول مواطنيها لدول الاتحاد الأوروبي.

وما يخشى منه حقا أن يتم إرضاء الصرب مرة أخرى على حساب البوشناق المسلمين، بمنحهم حق التصرف في ممتلكات الدولة، بل في ممتلكات الوقف التابع للمشيخة الإسلامية ومنها مساجد، وكان الصرب قد حولوا مسجدا إلى مقهى يباع فيها الخمر في تربينيا، شرقي البلاد. إضافة لمنحهم امتيازات تخول لهم السيطرة على الأمن، ولاسيما الاستخبارات، والقضاء، وشرطة الحدود، كما هو الحال الآن، وكان المسلمون قد احتجوا في وقت سابق على الجهات الدولية، ولاسيما الأميركية، واشتكوا من سياسة عدم الثقة فيهم من قبل الغرب.

عرض التعليقات
تحميل المزيد