لم يكن أحدٌ يتخيل، أن بعض كرات الثلج ومشروب الشاي، سيكونا سببًا للاستقلال الأمريكي، فكيف حدث ذلك؟

في مساء قارس البرودة، يوم الخامس من مارس (آذار) عام 1770، طلب جندي بريطاني تعزيزات من قيادته، بعد فشله في التصدي لمجموعة من الأمريكيين استمروا في مضايقته، وقذفه بالحجارة وكرات الثلج. وبالفعل، وصلت التعزيزات واحتدت معها الأمور أكثر؛ فأطلق الجنود البريطانيون النار على الأمريكيين؛ ما أسفر عن سقوط خمسة قتلى، وإصابة أكثر من 10 آخرين.

ستُعرف هذه الحادثة فيما بعد بـ«مجزرة بوسطن»، أقل مجزرة دموية في التاريخ، ولكن رغم قلة عدد ضحاياها، فإنها شكَّلت شرارة المد الثوري الأمريكي. وتسببت في اندلاع احتجاجات ومواجهات، لم تنطفئ إلا بعد عدة سنوات، باستقلال الولايات المتحدة الأمريكية في عام 1776. فما قصة هذه المجزرة؟ وكيف تمكَّن الأمريكيون من الاستقلال عن التاج البريطاني بسبب «مُضايَقة» و«حفلة شاي»؟

بوسطن.. «أثينا الأمريكية» مهد الحرية

قبل اندلاع الثورة الأمريكية بسنوات قليلة، كان النفوذ البريطاني قد بلغ أوجه في أمريكا الشمالية؛ وذلك بعد أن انتصرت بريطانيا في حربها مع الفرنسيين والهنود الحمر، والتي عُرفت بـ«حرب السنوات السبع»، أو الحرب الفرنسية والهندية. وضمنت لها المعاهدة التي أنهت الحرب معظم الأراضي، التي كانت في أيدي الفرنسيين في أمريكا الشمالية.

ولكن على الجانب الآخر، استنزفت حرب السنوات السبع خزائن بريطانيا، ما دفع الحكومة الملكية إلى فرض ضوابط أكثر صرامة على مستعمراتها في أمريكا الشمالية؛ من أجل زيادة الإيرادات. وعندما اشتكى مسؤولو الضرائب من صعوبة الجمع من الأمريكيين العصاة؛ أرسلت بريطانيا قوات لفرض النظام. وأدى وصول الجنود البريطانيين في أكتوبر (تشرين الأول) عام 1768، إلى تصاعد التوتر في مدينة كانت على حافة الانتفاضة.

Embed from Getty Images

على مدار العامين التاليين، كانت المدينة في حالة احتلال عسكري بريطاني افتراضي. وكان هناك «معطف أحمر» – وهو اللقب الشائع للجنود البريطانيين نسبةً إلى لون زيهم العسكري – من بين كل ثلاثة رجال في المدينة. والمدينة المقصودة هنا هي بوسطن، الواقعة على الساحل الشرقي المطل على المحيط الأطلسي لولاية ماساشوستس، عند مصب نهر تشارلز. وتُعد من أهم وأقدم المدن التاريخية الأمريكية، والمركز التجاري والمالي والسياسي لولاية ماساشوستس، ومنطقة «نيو إنجلاند».

وقبل تأسيسها عام 1630، عاشت في المنطقة المحيطة ببوسطن «قبيلة ماساشوستس»، التي حملت الولاية اسمها لاحقًا، ثم قدم إليها مستعمرون إنجليز من البروتستانت المتشددين، وبُنيت مستعمرات في المناطق المحيطة بها. وقد اتسعت بوسطن بعد ذلك، وضمت عددًا من المدن القريبة، التي كانت قطاعات صغيرة ومستقلة، واعتبرت آنذاك الميناء الرئيسي للمستعمرات، حيث كانت تنطلق منها السفن نحو إنجلترا، وجزر الهند الغربية. 

ولطالما كانت ماساتشوستس مركزًا للأفكار والمشاعر الثورية الراديكالية؛ وذلك نتيجة معاناة سكانها مع المسؤولين البريطانيين، وتزايد عدد الأشخاص الذين يعيشون في فقر، والعاطلين في المدينة. ومن بوسطن التي تُلقب بـ«أثينا الأمريكية»، و«مهد الحرية»، اشتعلت شرارة الثورة الأمريكية. فما الأحداث التي أشعلت الفتيل؟

مجزرة أرست أسس الاستقلال الأمريكي

قرب مقر ولاية ماساشوستس، أقدم مقر حكومي في الولايات المتحدة؛ يرقد 12 ألف جثمان في مقبرة، تضم أضرحة قادة حركة الاستقلال الأمريكي عن بريطانيا، جنبًا إلى جنب مع شهداء «مجزرة بوسطن» الخمس، الذين قتلهم جنود بريطانيون عام 1770، وكانت وفاتهم من الأحداث المهمة، التي أشعلت فتيل الثورة الأمريكية ضد بريطانيا، ثم نيل الاستقلال.

بدأ الأمر عندما رأت بريطانيا ضرورة مشاركة المستعمرات الواقعة تحت سيادتها، في تحمل نفقات جيوشها، وخدمة مصالحها الاقتصادية. ولسد عجز ميزانيتها التي أثقلتها الديون، فرضت الضرائب الباهظة على البضائع المستوردة، بما فيها الزجاج، والرصاص، والدهانات، والورق، والشاي، وأنشأت مكتب جمارك لجمع الضرائب في بوسطن، وذلك ضمن قوانين «تاونشند» لعام 1767. ولتنفيذ تلك القوانين، فرض البريطانيون وجودًا عسكريًّا ثقيلًا على مستوطني ماساتشوستس؛ الأمر الذي فاقم التوتر بين السكان المحليين، وممثلي التاج البريطاني.

Embed from Getty Images

قُوبلت هذه الضرائب باحتجاجات عارمة في المستعمرات، وفي الخامس من مارس (آذار) عام 1770، حاصر السكان الحراس البريطانيون الذين كانوا يحرسون دار جمارك بوسطن، وأخذوا يرشقونهم بكرات الثلج الثقيلة. وعندما فقدت مجموعة الجنود الصغيرة السيطرة على الوضع؛ طلبوا التعزيزات التي رغم الأوامر الواضحة بعدم إطلاق النار، فإنهم أطلقوها على حشد من المدنيين؛ ما أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص على الفور، وإصابة اثنين آخرين بجروح قاتلة، لقيا على إثرها حتفهما لاحقًا، فضلًا عن إصابة آخرين.

نُشرت الحادثة في صحيفة «بوسطن جازيت»، وجرى تعميمها على نطاق واسع؛ ما أثار نيران الغضب المناهض للطغيان البريطاني. وامتدحت الصحف المحلية ضحايا المجزرة واصفةً إياهم بـ«الشهداء»؛ الأمر الذي أجج المشاعر الثورية بين الأمريكيين. وبالنسبة للثوريين الأمريكيين، أظهرت تلك الحادثة التأثير الفاسد للجيوش المحتلة، واستبداد البريطانيين. وكانت علامة فارقة على طريق الثورة. وقال عنها المحامي والرئيس اللاحق للولايات المتحدة، جون آدمز، إن «أساس الاستقلال الأمريكي قد وُضع في ذلك اليوم المشؤوم».

«ارموا الشاي في البحر».. حفلة شاي على الطريقة الأمريكية

«ارموا الشاي في البحر» أو (Dump the tea in the sea)، هتاف يُردده الأطفال في الاحتفالات الصاخبة بعيد الاستقلال الأمريكي، التي يشارك فيها الآلاف في الرابع من يوليو (تموز) كل عام في بوسطن. وتعود قصة هذا الهتاف إلى الاحتجاجات التاريخية الشهيرة؛ التي وقعت بعد مجزرة بوسطن بثلاث سنوات في عام 1773، حين ألقى ناشطون استقلاليون حمولة شاي من سفينة بريطانية، احتجاجًا على فرض الحاكم البريطاني ضريبة على الشاي.

كان الشاي في القرن الثامن عشر ذا شعبيةٍ كبيرة في إنجلترا، وبما أن أمريكا كانت مستعمرة إنجليزية، كان الأمريكيون مولعين بالشاي أيضًا. وفي عام 1760، كانوا يشربون أكثر من مليون رطل من الشاي سنويًّا. لذا، عندما أراد البريطانيون رفع الضرائب على الشاي المحبب للأمريكيين، لم ينل ذلك رضاهم.

إضافةً إلى ذلك، لم يُعجب الأمريكيين كونهم لا يملكون رأيًا في القرار، الصادر في لندن برفع الضرائب على الشاي، ورددوا العبارة الشهيرة «لا ضرائب بدون تمثيل (No taxation without representation)». ورأى الأمريكيون أنهم لا يخضعون لأي ضرائب أُقرت، طالما لم يوجد من يمثلهم في البرلمان. ولكن البريطانيين أصروا على أن البرلمان يملك سلطة فرض الضرائب على المستعمرات، خاصةً وأن بريطانيا كانت غارقة في الديون، بعد محاربة الفرنسيين خلال حرب السنوات السبع.

ولتجنب دفع الضريبة، بدأ الأمريكيون يُهربون الشاي من هولندا وغيرها؛ فأصيبت الشركة البريطانية التي توفر الشاي للمستعمرات بأضرار مادية، وطلبت مساعدة البرلمان البريطاني. وبالفعل، حضّر البرلمان استراتيجية جديدة، تُمكن شركة «شرق الهند» من بيع الفائض من الشاي مباشرةً، من خلال وكلاء جرى اختيارهم مسبقًا في أمريكا، طبقًا لقانون الشاي الذي أُقر في عام 1773. وينتج من ذلك القانون خفض سعر الشاي البريطاني للمستهلكين؛ وجعله منافسًا للشاي المُهرّب؛ ويُمكِّن بريطانيا أيضًا من الحصول على جزء من الضرائب.

ونتيجةً لذلك؛ تصبح أسعار الشاي الذي تُنتجه الشركة البريطانية أقل من الشاي المُهرّب. لكن الأمريكيين فطنوا إلى الحيلة البريطانية، واستمروا في المقاطعة، ورفض التجار بيع الشاي البريطاني. وفي مساء 16 سبتمبر (أيلول) 1773، تجمع 5 آلاف من مواطني بوسطن في انتظار سماع أخبار شحنة الشاي الجديدة، التي وصلت سابقًا للميناء، وما إذا كان سيجري تفريغها لكي تُباع. وقال قبطان أحد السفن إنه لا يمكنه الرجوع، والشحنة على متن السفينة. 

«نحن نعلن هذه الحقائق لتكون بديهية، إن جميع الرجال خُلقوا متساوين، وهبهم خالقهم حقوقًا معينة غير قابلة للتصرف، من بينها الحياة، والحرية، والسعي وراء السعادة». *من وثيقة إعلان الاستقلال الأمريكي.

فاتجه عدد من الناشطين الاستقلاليين يُدعون «أبناء الحرية»، متخفين في أزياء الأمريكيين الأصليين، نحو ميناء بوسطن للشاي، وصعدوا على متن ثلاث سفن، وألقوا 340 صندوقًا من الشاي في الماء، تُعادل قيمتها مليوني دولار، في العملية التي أطلق عليها اسم «حفلة شاي بوسطن (Boston Tea Party)». وذلك احتجاجًا على قرارات الحكومة البريطانية، التي كانت ستجعل أسعار الشاي أرخص.

وفي عام 1774، ردت حكومة بريطانيا الغاضبة بما عرف بالـ«أعمال غير المحتملة»، والتي شملت عدة قرارات من بينها، إغلاق ميناء بوسطن؛ حتى يُعوِّض الأمريكيون شركة «شرق الهند» عن قيمة الشاي الذي أتلفوه، إلى جانب وقف فعاليات الهيئة التشريعية في ماساتشوستس، وتوسيع صلاحيات حاكمها البريطاني.

وردًّا على تلك القوانين؛ اجتمع ممثلون عن المستعمرات الأمريكية في فيلادلفيا، لعقد المؤتمر القاري الأول في الخامس من سبتمبر عام 1774، والنظر في الطريقة المناسبة للرد على القمع البريطاني المستمر. وقد أيد المؤتمر التدمير الذي حدث لشحنة الشاي، وتعهد باستمرار الدعم لمقاطعته، وصوَّت أيضًا لصالح قطع العلاقات التجارية مع بريطانيا ما لم تُبطل القوانين القسرية التي فرضتها. كذلك، وافق على اقتراح تدريب رجال المستعمرات على فنون الحرب.

وتوالت الأحداث بعد ذلك، وأشعلت حفلة الشاي سلسلة من الفعل ورد الفعل بين البريطانيين والأمريكيين، أطلقت شرارة الثورة الأمريكية، ونشبت على إثرها معارك دموية مثل معركة «بنكر هيل» في عام 1775، إلى أن جرى إعلان استقلال الولايات المتحدة الأمريكية عن التاج البريطاني عام 1776؛ وأصبح جورج واشنطن، ونائبه جون آدامز، أول رئيس، ونائب رئيس للدولة الناشئة حديثًا، ويُخلد كلاهما ضمن الآباء المؤسسين

تاريخ وفلسفة

منذ سنة واحدة
ثورة التبغ.. 4 مواد لن تصدق أنها أشعلت حروبًا وثورات طاحنة

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد