“الصعلكة السياسية” ربما أصبحت هي المرادف المغاربي لـ”البلطجة السياسية” ذات الأصل المصري التي ترعرعت ونمت مع ثورة يناير، وكانت تطلق على أتباع وموالي “الدولة العميقة” في الغالب، بينما “الصعلكة السياسية” فرضتها الظروف غير العادية التي تجتازها الجزائر هذه الأيام، وهي تستعد للانتخابات الرئاسية في الـ17 من أبريل المقبل؛ حيث يزداد الغضب في الشارع ضد ترشيح الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة لولاية رئاسية جديدة هي الرابعة في رصيده.

احتدام الصراع قبيل الانتخابات جعل البعض ينعت الرافضين لترشيح بوتفليقة لولاية رابعة بأفظع النعوت، وهو ما رد عليه خصومهم بوصف الأسلوب بـ”الصعلكة السياسية” على غرار “البلطجة السياسية”.

“رفض” و”باركات” ضد بوتفليقة!

صورة أرشيفية لجانب من المظاهرات



على الرغم من أن هناك مرسومًا حكوميًّا جزائريًّا، منذ سنة 2001، يحظر أي تظاهر أو احتجاج في الشارع العام بالعاصمة الجزائرية، إلا أن الشعب الجزائري هذه الأيام يخرج بشكل يوميّ تقريبًا للتنديد وللتعبير عن رفضه ترشح الرئيس الجزائري، عبد العزيز بوتفليقة، لولاية رئاسية قد تكون الرابعة له في حال ما سارت الأمور كما يريد “أصحاب” ترشيح الرئيس المريض – الذي لا يستطيع حتى مخاطبة الشعب ومؤيديه بسبب لزومه فراش المرض – عشية اشتداد المنافسة وبدء الدعاية للانتخابات الرئاسية المقبلة.

هذه التظاهرات التي تقودها بالخصوص كل من حركتي “رفض” و”باركات”، والتي قوبلت بممارسة قمعية مفرطة من قبل قوات الأمن في حق المتظاهرين بالتنكيل بهم واعتقالهم لساعات، جعلت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تدخل على الخط وتندد ليس فقط بتدخلات السلطة العنيفة، ولكن أيضًا بقانون حظر التظاهر في الجزائر العاصمة وتطالب بإلغائه.

صحوة أم ربيع جزائري؟

إذا كان البعض بدأ يتحدث عن “صحوة” شعبية قد تقود إلى “ربيع جزائري”، وذلك من خلال تكسير جدار الصمت الذي ظلت المؤسسة العسكرية تفرضه في الشارع العام، منذ بداية عقد التسعينيات من القرن الماضي، وهو ما صاحبته حرب مفتوحة على العناصر المسلحة بعد تدخل الجيش لإلغاء انتخابات فاز فيها الإسلاميون، فإن جانبًا آخر من الجزائريين الموالين والداعمين لترشح الرئيس بوتفليقة، لم يترددوا هم الآخرون في التظاهر –على طريقتهم- لإعلان تأييدهم لـ”الرئيس” الحالي والمرشح لولاية جديدة، بل وشنهم “حربًا” كلامية على الرافضين لترشيح الرئيس، ونعتهم بأبشع وأفظع النعوت.

031814_1912_2.jpg

سياسيون جزائريون ضد ترشيح بوتفليقة من جديد


وعندما يأتي الهجوم اللفظي على الرافضين لـ”العهدة” الرابعة، كما يسميها الجزائريون، من مسئولين سياسيين وحكوميين، بدعوى أن “الرافضين” يريدون إثارة “الفتنة” في البلاد، ومساعدة “أطراف” خارجية على النيل من بلاد “المليون شهيد”، فإن “جوقة” التطبيل للولاية الرئاسية الرابعة، تكون قد أسست لنمط جزائري من “الاستقطاب” قد يؤدي إلى نتائج عكسية من شأنها أن تبعثر أوراق النظام الجزائري.

يبدو أن هذا النظام بدأ يستشعر خطورة التظاهرات التي تزداد حدتها كلما اقترب تاريخ 17 أبريل – وهو موعد الانتخابات الرئاسية – مما جعله يخرج كل أسلحته للدفاع عن وجوده، سواء بالطرق “القمعية” من خلال تفريق تلك المظاهرات بالقوة واعتقال المتظاهرين والتنكيل بهم في الشارع العام، أو من خلال تسليط إعلامه على “رموزه” وفسح المجال لهم للدعاية لما يصفونها “إنجازات” مرحلة رئاسة بوتفليقة، في مقابل شن حملات النيل من “الخصوم” إلى درجة التجريح أحيانًا.

ارتباك النظام!

الرئيس بوتفليقة وقادة من الجيش



لعل أبرز مهاجمي الرافضين لترشيح بوتفليقة من جديد هو من يوصف بقائد “الجوقة” ورئيس الوزراء الذي قدمته استقالته ليقود حملة بوتفليقة الرئاسية، عبد المالك سلال، الذي وصف قبل أيام أبناء الجنوب بـ”الشرذمة”، قبل أن يشن هجومًا لفظيًّا مستفزًّا لأبناء منطقة “الشاوية”، ما أغضب هؤلاء وأدى إلى احتجاجات عارمة في ولايات باتنة، وأم البواقي، وخنشلة؛ حيث خرج الآلاف منددين بما اعتبروه “قذفًا وتقليلاً من عظمة أهل المنطقة”، واضطرت مصالح الأمن في أم البواقي لإطلاق العيارات النارية والغاز المسيل للدموع لتفريق محتجين حاولوا اقتحام مقري الدائرة وأمن عين فكرون، فيما طالب الخنشليون بمحاكمة سلال وحرمانه من أي منصب مسئول.

ومن السياسيين الذين تمادوا في الدعاية لترشيح بوتفليقة إلى حد النيل من “الرافضين”، تصريحات عمارة بن يونس، رئيس “الحركة الشعبية الجزائرية”، الذي لعن كل من لا يحب بوتفليقة ومن معه قائلاً بلسان عاميٍّ جزائري “ينعل بو لي ما يحبناش”، قبل أن يتدارك الأمر ويقلل من أهمية ما قاله نافيًا أن يكون ذلك تهجمًا على أحد.

عبدالمالك سلال مدير حملة الرئيس بوتفليقة



لكن تبقى أخطر التصريحات وأكثرها استفزازًا والتي تحمل بين طياتها أيضًا الكثير من الرسائل، تلك التي أدلى بها عبدالمالك سلال، مدير حملة الرئيس بوتفليقة، عندما قال مخاطبًا أعضاء حركة “باركات” الرافضة لترشيح بوتفليقة، “سنقضي على باركات بالفليطوكس” (أي مبيد الحشرات)، معتبرًا هؤلاء “ناموسًا وبعوضًا يريد أن يأتي لنا بالربيع العربي.. ومن ثم وجب القضاء عليه” بهذا المبيد، بحسبه.

وبرأي المتتبعين للشأن الجزائري فإن الرغبة الجامحة لـ”جوقة العهدة الرابعة”، أدت إلى ارتباك بيّن وواضح في الخطاب، جعلت كبار مؤيدي إعادة ترشيح الرئيس بوتفليقة يخرجون عن جادة الصواب ويتورطون في خطابات تحقيرية مجانية قد تثير من الفتن أكثر مما تخدم هدفهم الرئيس وهو الدعاية لولاية رابعة للرئيس، بل إن هذا الارتباك في الخطاب للموالين، ربما قد يغير موازين القوى لصالح مرشحين منافسين في الرئاسيات المقبلة، خاصة إذا توفرت شروط أدنى في النزاهة يوم الاقتراع.


عرض التعليقات
تحميل المزيد