كما كانت معظمُ التكهنات تشير إلى ذلك؛ فاز الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة بولاية هي الرابعة له في حكم الجزائر، وذلك بنسبة 81 بالمائة من أصوات الناخبين (8 ملايين و332 ألف و598 شخصًا)، كما أعلنت ذلك وزارة الداخلية الجزائرية، يوم الجمعة، مقابل 12.18 بالمائة من الأصوات لصالح أبرز منافسيه وهو علي بنفليس.

وزير الداخلية، الطيب بلعيز، الذي كشف عن هذه النتائج لفت إلى أنها نتائج أولية وليست نهائية، مشيرًا إلى أن عدد المصوتين في 48 ولاية بلغ أكثر من 11 مليون ناخب، وأن نسبة المشاركة في الانتخابات بلغت 51.7 بالمائة، مذكرًا بأن النتائج النهائية للانتخابات يعلنها المجلس الدستوري.

تتويج..

الرئيس عبد العزيز بوتفليقة

الجزائريون عرفوا إذن من سيحكم بداية من يوم (18 أبريل/ نيسان)، ولذلك خرج المئات وربما الآلاف من مؤيدي استمرار الرئيس بوتفليقة، في الساعات الأولى من صباح الجمعة هاتفين بـ”حياة” الرئيس، بينما مؤيدو منافسي بوتفليقة على الرئاسيات ومنهم بالخصوص أتباع المرشح علي بن فليس، وهو شخصيًّا، سارعوا إلى اتهام السلطة بـ”التزوير” وبأنهم لن يقبلوا هذه النتائج.. فماذا عساهم يفعلون؟

بن فليس الذي كان يحذر السلطة طيلة حملته الانتخابية من تزوير العملية الانتخابية، وكأنه كان يعلم مسبقًا مآل عملية انتخابية رفضَ الاتحاد الأوروبي إيفاد مبعوثين عنه لمراقبتها، للتذكير فإنه (بن فليس) هو ابن “شرعي” لهذا النظام الجزائري؛ حيث سبق له أن شغل منصب وزير للعدل، كما ترأس الحكومة وديوان رئاسة الجمهورية، إلى جانب الرئيس الحالي والمنتخب، وشغل منصب الأمين العام لحزب السلطة، أي حزب بوتفليقة (حزب جبهة التحرير الوطني)، وقد أشرف شخصيًّا على الانتخابات الرئاسية سنة 1999 التي تقدم إليها بوتفليقة وحيدًا بعد انسحاب باقي المرشحين وفاز بها حينئذ، وحتى يعطي لنفسه “شرعية” غابت في صناديق الاقتراع دعا إلى الاستفتاء على “قانون الوئام المدني” الذي كان دعوة للمصالحة، وهو ما استجابت له شرائح واسعة من المجتمع بعد عشرية دامية بسبب الصراع بين السلطة و”الجماعات المتشددة”.

الطريق المعبد

كل هذه المهام التي تقلدها بن فليس كانت تجعل العديدين يشككون فيما إذا كان فعلاً ذاك المرشح “المنقذ” للشعب الجزائري، بينما لم يخف الكثيرون “شكوكهم” حول ترشحه وبرأيهم فإنه قام بدور “أرنب” في السباق على الرئاسة، ليس إلا، على اعتبار أنه يعرف النتيجة سلفًا، ودخوله كمنافس ما هو إلى عمل يخدم – بطريقة أو بأخرى – تلك “النواة الصلبة” في السلطة التي لولاها لما كان له حظ في تولي كل تلك المهام؛ بل إن مشاركته “التنشيطية” قد تشفع له للعودة إلى السلطة من جديد، لأنه فضل المشاركة في لعبة انتخابية كانت قواعدها تبدو مسبقًا غير شفافة وغير نزيهة؛ أولاً بسبب إصرار السلطة على ترشيح شخص كان أولى أن يلزم فراشه بسبب مرضه، وهو ما قرأ فيه كل ذي عقل منذ البداية أنه سيكون “المتوج لعهدة رابعة”، رغمًا عن أنف منافسيه وعن الشعب المطالب بالتغيير، وثانيًا لأن أطرافًا داخلية وخارجية فضلت النأي بنفسها عن هذه التمثيلية/ المهزلة، التي كانت تعرف نتائجها سلفًا.

ويبدو أن “مرشح السلطة” عبد العزيز بوتفليقة وجد الطريق معبدًا أمامه للبقاء داخل قصر المرادية (القصر الجمهوري) وهو يخوض هذه الانتخابات، بل إن المشهد كان أكثر تأثيثًا له وملاءمةً لعرض “قوته”، بالرغم من أنه ولج مكتب الاقتراع وهو جالس على كرسيه المتحرك بسبب مرضه وحتى ظرف الورقة الانتخابية ساعده على وضعها داخل الصندوق مساعده.

كان الطريق معبدًا لبوتفليقة أولاً لأن كل الأحزاب المعارضة التي تتوفر على قواعد محترمة قاطعت هذه الانتخابات ومنها “حركة مجتمع السلم” (حمس) الإسلامية التي شككت بالمناسبة في نسبة المشاركة، واقتصرت المنافسة على أحزاب وأشخاص يفتقدون إلى تمثيلية واسعة في الأوساط الشعبية وتحوم حولهم الكثير من الأسئلة بسبب خطاباتهم، التي كانت تذهب إلى حد التهجم على بعض مقاطعي الانتخابات واتهامهم بـ”التآمر” على وحدة الوطن، وهو نفس الاتهام، الذي كانت توجهه إليهم السلطة.

نشطاء على الفيس بوك يعارضون ترشيح بوتفليقة

لكن أبرز عامل ساعد السلطة ومرشحها على الفوز في انتخابات 17 أبريل، يبدو أنه كان هو “إستراتيجية التخويف” التي نجحت السلطة في ترويجها مدعمة بترسانة من وسائل الدعاية والإعلام والمال العمومي ورجال السلطة على مستوى الولايات، ما جعل الناخب مخيرًا ما بين اختيار “الاستمرارية”، بما لها وما عليها، وبين الذهاب بالبلاد إلى “المجهول” وربما إلى الفوضى، كما تذهب بعض التحليلات المهادنة للنظام.

الغرب المرحّب

لعل العوامل الخارجية “المساعدة” كانت هي أيضًا من بين الأسباب التي جعلت السلطة أو النظام الجزائري يمضي في أجندته لـ”تتويج” بوتفليقة من جديد دون الأخذ بعين الاعتبار الاحتجاجات الشعبية الواسعة التي قادتها بالخصوص حركة “باركات” (كفى)؛ ومن تلك العوامل أن أوروبا كانت بصمتها تعبر عن تأييد لاستمرار النظام الحالي كما هو في السلطة بالنظر لمصالحها الحيوية التي تربطها بها وخاصة منها المتعلقة بالغاز الجزائري.

وكذلك الشأن بالنسبة للولايات المتحدة التي برأي الخبير الأمني الجزائري المعارض، كريم مولاي، الذي كان ينتمي للأجهزة في الجزائر، منحت “مباركتها” للنظام الجزائري عندما قام وزير الخارجية الأمريكي مؤخرًا وعشية الانتخابات بزيارة للجزائر؛ حيث كانت جلسات الحوار الإستراتيجي الجزائري – الأمريكي التي حضرها كيري رسالة واضحة للجميع بأن واشنطن لا تعارض العهدة الرابعة أو الرهان على جناح آخر غير جناح الرئيس بوتفليقة، ويقول مولاي لموقع “ألجيريا تايمز” المعارض: “إن رهان الولايات المتحدة على نظام الرئيس بوتفليقة هو رهان قديم متجدد، ذلك أن هذا النظام قاد حربًا ناجحة بالمقاييس الأمنية والسياسية ضد ما يسمى بـ”الإرهاب” أو تنظيم القاعدة في بلاد المغرب الإسلامي والساحل، وهو علاوة على كونه أجهض أول تجربة انتخابية فاز بها إسلاميو الجزائر في تسعينات القرن الماضي، وحولهم من فائزين بالانتخابات إلى معتقلين أو مسلحين إرهابيين يسكنون الكهوف، وأسهم بفعالية في ضرب عناصر القاعدة في مالي، وأيضًا في ترويض الحركات السياسية ذات النزعة الإسلامية المنبثقة عما يُعرف بـ “الربيع العربي” الذي منعت وصوله إلى الجزائر”.

نشطاء في حركة باركات يحتجون ضد النظام

أسدل الستار إذن عن انتخابات جزائرية قيل عنها الكثير واعتبرت فريدة من نوعها؛ حيث لأول مرة في الجزائر، وربما في العالم، يترشح في هذه الانتخابات رئيس مريض بجلطة في الدماغ أقعدته الفراش وألزمته كرسيًّا متحركًا استعمله لينتقل إلى صندوق الاقتراع ويدلي بصوته؛ وهو المشهد بقدر ما فسره “المؤيدون” بأنه تصميم وإصرار من الرئيس على التحدي والاستمرار والعمل، بقدر ما جعل المعارضين يفسرون ذلك بأنه مدعاة سخرية وشفقة من العالم على بلاد غالبيتها شباب بينما النظام هرم ومرِض ولم يرد مغادرة السلطة..والسؤال المطروح هو هل سيبقى الشعب الجزائري ينتظر خمس سنوات أخرى يُحكم من طرف رئيس مقعد وكسيح أم أن الاحتجاجات الشعبية ستتصاعد لأجل التغيير؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد