أحال رئيس الجمهورية ووزير الدفاع الوطني عبد العزيز بوتفليقة، الفريق محمد مدين المعروف بالجنرال توفيق رئيس المخابرات إلى التقاعد بعد خمس وعشرين سنة كاملة قضاها على رأس أهم جهاز أمني في الجزائر حسبما جاء في برقية نشرتها وكالة الأنباء الجزائرية يوم أمس. كما قام قائد أركان الجيش الوطني الشعبي الجزائري الفريق قايد صالح بتعيين اللواء مناد نوبة على رأس جهاز الدرك الوطني خلفًا للواء أحمد بوسطيلة الذي تم تنحيته منذ يومين فقط استكمالًا لسلسلة التغييرات التي مست قيادات المؤسسة العسكرية.

ولم يعرض التلفزيون الجزائري أية صور لمراسم تعيين خليفة الجنرال توفيق اللواء المتقاعد عثمان طرطاق المعروف باسم بشير، وتداولت وسائل الإعلام غياب الجنرال توفيق عن مراسم التسليم والتعيين، ورفضه مغادرة مكتبه إلا بعد تدخل قوات خاصة لإجباره وتنفيذًا للقرار الرئاسي. في حين بث تلفزيون الشروق مقطعًا لفيديو خاص بالجنرال توفيق الذي كانت له صورة واحدة فقط متداولة بين جميع الجزائريين والجزائريات لعقود من الزمن، وكذلك نشرت صورة جديدة له أول أمس في جريدة النهار الجديد صنعت الحدث، وتساؤلات حول خلفية نشر صورته في هذا الوقت بالذات.

وكان يشغل عثمان طرطاق الرجل الأول على رأس جهاز المخابرات، منصب مستشار رئيس البلاد مكلف بالشؤون الأمنية، ويعتبر طرطاق أول عسكري متقاعد هو الآخر يشغل منصب رئيس دائرة الاستعلامات والأمن في محاولة لتمدين الحكم مثلما كتبت جريدة النهار القريبة من السلطة، وتقلد طرطاق مسؤوليات عليا بمصالح الاستعلامات والأمن لمدة سنوات، واشتغل مع الجنرال توفيق كثيرًا والذي عمّر في منصبه 25 سنة قضى منها ستة عشر برفقة رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة، ووصف الفريق توفيق بالرجل الغامض ولم يظهر أمام الإعلام ولم يدلِ بأي تصريح منذ تداول اسمه قائدًا للمخابرات.

ويأتي هذا القرار على رأس المخابرات الجزائرية ضمن سلسلة تغييرات عميقة يقوم بها رئيس البلاد عبد العزيز بوتفليقة منذ توليه الحكم لعهدة رابعة، ومست هذه التغييرات الحكومة ممثلة في بعض وزرائها، كما مسّت تغييرًا واسعًا للولاة على المستوى الإقليمي والمحلي، ومدراء كبرى المؤسسات الاقتصادية والمالية في صورة سوناطراك والبنوك ووكالة توزيع الإشهار، بالإضافة إلى مختلف الأجهزة الأمنية التي تعرف تغييرًا تاريخيًا بحسب المراقبين ابتداءً من الحرس الجمهوري ومدير الأمن الرئاسي وجهاز الدرك الوطني وتحويل مديرية المخابرات إلى هيئة أركان الجيش وتقليص لمسؤولياتها على مستوى التدخل والصلاحيات.

 

المعارضة تعتبره لا حدث والموالاة صامتة

Makri

 

وتوالت ردود الفعل الكبيرة تجاه هذا القرار الذي يعتبر أحد فصول الصراع الدائر بين أجنحة السلطة، تارة بين الرئاسة والمخابرات وتارة أخرى بين هذه الأخيرة وقيادة أركان الجيش، وفي قراءة للتغيير المنتظر والمفاجئ في نفس الوقت، يقول الضابط السابق في المخابرات النقيب أحمد شوشان إن إقالة الفريق محمد مدين جاءت قيصرية ومتأخرة نتيجة الصراع المستمر منذ مدة طويلة، وبارك شوشان في منشور له عبر صفحة التواصل الاجتماعي القرار واعتبره يخدم مساعي قيادة الجيش الجزائري في تطهير أجهزته من “عملاء يشتغلون ضد الوطن”. كما طمأن النقيب السابق في دائرة الاستعلامات والأمن باية التسعينات الرأي العام أن تعيين بشير طرطاق لن يدوم كثيرًا ولن يؤثر في مسعى قيادة أركان الجيش في تطهير أجهزته من تراكمات الماضي والتي ساهمت في تشريد وقتل الكثير من الجزائريين إبان الأزمة الأمنية.

 

وقال رئيس حركة مجتمع السلم عبد الرزاق مقري أحد الشخصيات المعارضة للنظام الجزائري، إن هذا التغيير في الأشخاص والمواقع لا يهمنا بقدر ما يهمنا تغيير المنظومة التي تحكم البلاد والعقلية الأحادية التسلطية السائدة داخل مؤسسات صنع القرار، كما دعا إلى تمدين الحكم من خلال الفصل بين السلطات وعدم تدخل الجهات الأمنية والعسكرية في الموازين السياسية والحزبية. واستنادًا لما نشره رئيس حمس على صفحته في فيس بوك يبدو أن المعارضة تحاول عدم الانخراط في الصراع القائم بين أجنحة السلطة وتحاول تثبيت مطالبها في مشروعية إقامة انتخابات نزيهة وشفافة تشرف عليها لجنة مستقلة من غير الحكومة وفق وثيقة الحريات والانتقال الديمقراطي.

 

ويشاطر الضابط السابق في الجيش أحمد عظيمي غالبية ردود معظم زعماء المعارضة، في قراءته للقرار نقلًا عن صحيفة الشروق “إن إحالة الجنرال توفيق إلى التقاعد يعتبر أمرًا عاديًا”، مبررًا كلامه، بما يحدث في كبرى الدول التي تراجع قيادة أجهزتها الأمنية كل عشر سنوات. ودافع القيادي في حزب بن فليس الجديد في مضمون كلامه عن الفريق توفيق من خلال سرد مساره التاريخي والثوري الذي وصفه بالوطني، كما اعتبر جيلالي سفيان رئيس حزب جيل جديد أحد قادة تنسيقية الانتقال الديمقراطي المعارضة تنحية توفيق “أنها إحدى حلول الأزمة التي تعيشها البلاد”، مرجحًا أنها حلقة أخيرة من ملامح التحضير لمرحلة جديدة في الحياة السياسية في البلاد.

 

من هو بشير طرطاق؟

 

(الصورة حصرية لموقع https://www.tsa-algerie.com/)

(الصورة حصرية لموقع https://www.tsa-algerie.com/)

 

ولد عثمان طرطاق المعروف عسكريًا بالبشير، سنة 1950 بمدينة العلمة (ولاية سطيف) شرق الجزائر بـ 300 كلم، والتحق بجهاز الأمن بعد حصوله على شهادة الماجستير في اللغة الفرنسية، وتلقى تكوينًا عسكريًا معمقًا في أمريكا وفرنسا وألمانيا وروسيا ويتقن حسب بعض المواقع الإلكترونية أربع لغات هي الإنجليزية، الفرنسية والروسية فضلًا عن اللغة العربية.

 

اشتغل اللواء عثمان طرطاق سنة 2011 مديرًا للأمن الداخلي خلفًا للراحل إسماعيل العماري، كما عمل الرجل الأول في المخابرات الجزائرية ابتداءً من 13 سبتمبر 2015 سابقًا في عدد من المديريات أهمها مديرية أمن الجيش، ومارس مهامه بها عبر ولايات الوطن سنوات الأزمة الأمنية (92 – 02) قبل أن يؤسس ويقود مديرية مكافحة الإرهاب. وبعد قيادته لمديرية الأمن الداخلي، أصدر رئيس البلاد قرارًا بإحالته إلى التقاعد سنة 2013، ليعود منذ مارس 2014 إلى الواجهة كمستشار لرئيس البلاد مكلف بالشؤون الأمنية.

 

ووصفت الصحف الجزائرية اللواء طرطاق خليفة (رب دزاير) في إشارة إلى الجنرال توفيق، أنه القوة الضاربة في مكافحة الإرهاب بعد تأسيسه وقيادته مديرية مكافحة الإرهاب في الجيش ومساهمته في قيادة حادثة الاعتداء على قاعدة تيقنتورين للغاز جنوب الجزائر. كما يعتبر أحد أعضاء دفعة السجاد الأحمر التي تلقت تكوينًا عسكريًا وأمنيًا في روسيا مع الفريق محمد مدين حسب جريدة الشروق الجزائرية.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد