وأخيرا أعلن عن وفاة الجهاز «الأسطورة» في الجزائر، الذي عمر ستين عاما، بعد ما قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بحله نهائيا

وأخيرًا أعلن عن وفاة الجهاز «الأسطورة» في الجزائر، الذي عمّر ستين عامًا، بعدما قام الرئيس عبد العزيز بوتفليقة بحله نهائيًّا.

وبقدر ما كان القرار مقبولا في الوسط الجزائري، لكونه ينهي إحدى أسوأ مؤسسات الدولة الجزائرية سمعة، بقدر ما كان كذلك مستغربًا، إذ كيف أمكن للرئيس بوتفليقة اتخاذ مثل هذا القرار وهو في حالته الصحية المقعدة؟ والأهم من ذلك لماذا قام بذلك؟

بوتفليقة يحل المخابرات

في يوم الاثنين السابق 25 يناير، أصدر الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة مرسومًا رئاسيًّا بموجبه يتم حل جهاز الاستعلامات (المخابرات)، وتعويضه بمديرية للمصالح الأمنية تابعة لسلطة الرئيس مباشرة.

كان واضحًا أن القرار تم تسريبه عن عمد من قصر المرادية لمعظم الصحف الجزائرية التي كشفت عنه، كجريدة «الشروق» و«الوطن» الجزائريتين، قبل تأكيده رسميًّا.


ويضم الجهاز الجديد ثلاث مديريات ممثلة في الأمن الداخلي والأمن الخارجي والمديرية التقنية، وقد تم إلحاق الجهاز برئاسة الجمهورية بدلا من وزارة الدفاع.

وسيتولى الجنرال عثمان طرطاق مهمة قيادة مديرية المصالح الأمنية، وقد عينه الرئيس بوتفليقة سابقًا مكان الجنرال توفيق مدين المقال في سبتمبر الماضي، ويتجلى دور المديرية بالهيكلة الجديدة في التنسيق بين الشرطة والدرك والجيش لحفظ الأمن الداخلي.

ويذكر أن جهاز المخابرات الجزائري تأسس سنة 1958 على يد الراحل عبد الحفيظ بوصوف، وعلى مدى عقود ارتبطت المخابرات الجزائرية «دي آس آر» في نفوس المواطنين الجزائريين بالرهبة والخوف، كما أنها غلفت بغطاء من السرية والغموض ما جعل الناس ينسجون قصصًا «أسطورية» حولها وكوادرها المتخفين بشكل دائم.

سحب البساط من المخابرات بالتدريج

لم يأتِ قرار حل المخابرات بدون سابق إنذار، بل جاء بعد سلسلة من الإصلاحات المتوالية خلال السنة المنصرمة، والتي أفرغت الجهاز من سلطاته تدريجيًّا، نعرضها كالآتي:

  • 28 يونيو: تعيين اللواء محمد العربي حولي قائدًا للقوات البحرية.
  • 2 يوليو: ترقية العشرات من القياديين العسكريين، منهم 14 جنرالًا ترقوا إلى رتبة فريق و47 عقيدًا صاروا جنرالات، كما تمت أيضًا إقالة العشرات من الضباط والقياديين وبعضهم أحيل للتقاعد.
  • 23 يوليو: إنهاء مهام رئيس أركان المنطقة العسكرية السادسة اللواء عمار عثامنية.
  • 25 يوليو: إقالة اللواء علي بن داود رئيس الأمن الداخلي، وكذا الجنرال محمد مجدوب قائد الأمن الرئاسي، وقائد الحرس الجمهوري اللواء أحمد مولاي ملياني، كما تمت إقالة العديد من الضباط.
  • 28 أغسطس: إقالة الجنرال حسان المسمى عبد القادر آيت واعراب، وهو قائد إدارة مكافحة التجسس في جهاز الاستخبارات.
  • 10 سبتمبر: إحالة قائد جهاز الدرك الوطني أحمد بوسطيلة إلى التقاعد.
  • 13 سبتمبر: إقالة الفريق محمد مدين الملقب بتوفيق، وهو رئيس جهاز الاستخبارات، الذي ظل في منصبه لربع قرن، منذ اندلاع العشرية السوداء، اقرأ اعتقال «مهندس» مكافحة الإرهاب وإقالة «رب الدزاير».. ما الذي يحدث في الجزائر؟!

كانت الضربة القاضية التي أسقطت الاستخبارات ممثلة حقيقة في إقالة رئيسها الرجل الغامض «توفيق»، حيث كان الجهاز الذي تربع على عرشه بمثابة دولة داخل دولة، إذ كانت له صلاحيات واسعة تجعله يتحكم بخيوط الحياة السياسية والمجتمعية والأمنية بالجزائر بدون رادع.

وكان من الواضح أن الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كان يسعى لتقويض الجهاز الذي يهدد صلاحياته الرئاسية، وسرعان ما بدأ بإفراغ الجهاز من سطوة سلطته، حيث نزعت منه سلطة الضبط القضائية المكلفة بالتحقيق في قضايا الفساد وألحقت كل من مديرية الأمن ومديرية الإعلام الخاصتين التابعتين له بالجيش، لينتهي أخيرًا كابوس «دي آس آر» بحله كليًّا.

هل هي بداية للديمقراطية أم لـ«ملكية رئاسية»؟

« لن أكون ثلاثة أرباع رئيس» كان هذا تصريح بوتفليقة منذ تقلده سدة الرئاسة سنة 1999، إذ كان يعي جيدا نفوذ العسكر والاستخبارات في مراكز القرار حينها، فطرح سنة 2002 مشروعًا لاستحداث وزارة الأمن القومي تتبع سلطة الرئاسة، بهدف الإمساك بخيوط الشبكة الأمنية، بيد أنه وجد معارضة شديدة من قبل جهاز الاستخبارات والجيش.

ومنذ ذلك الحين، عمل بوتفليقة على سن قوانين تعزز سلطته الرئاسية وصلاحياته وتسحب البساط شيئا فشيئا من العسكر والاستخبارات، كان أبرز هذه القوانين ذاك الذي صدر في 2006، وهو ينص على أن من حق رئيس الجمهورية القائد الأعلى للقوات المسلحة أن يحيل إلى التقاعد أي ضابط في الجيش.

يرى مراقبون أنه بالإمكان اليوم القول باطمئنان بأن لعبة صراع أجنحة الحكم في قصر «المرادية» انتهت لصالح الرئاسة، ولم يعد للقوى الأمنية والعسكرية نفوذ كبير في النظام السياسي الجزائري، بعدما استطاع الرئيس عبد العزيز بوتفليقة كسب الرهان بحله جهاز الاستخبارات وإقالة معظم جنرالات الجيش.

لكن تحييد الجيش عن السياسة لا يعني الوصول تلقائيًّا إلى الديمقراطية؛ إذ كلف ذلك الجزائر استجماع كل الصلاحيات والسُلَط في بوتقة الرئاسة مقابل تفريغ مؤسسة البرلمان من سلطتها وضرب استقلالية القضاء، وهو ما أكدته التعديلات الدستورية الجديدة، التي أعطت للرئاسة صلاحيات واسعة فيما يشبه الملكية المطلقة.

وفي ظل حالة بوتفليقة الصحية يبقى السؤال الأكثر جدلا: هل تنتقل الجزائر من دكتاتورية العسكر إلى دكتاتورية الفرد الواحد والحزب الواحد، أم أن الرئاسية المتشددة للجزائر هي محطة ضرورية لتحييد الجيش عن السياسة والمضي قدمًا نحو الديمقراطية؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد