مجموعة من الفلاحين الغاضبين يجوبون الأرجاء، يبحثون عن المتسبب فيما آلت إليه أوضاع بلادهم من الفقر والحرمان والإهانة، يهديهم رشدهم إلى «القوى الاستعمارية» فيعلنون الحرب عليها، ويمتد غضبهم إلى بني جلدتهم ممن تحولوا إلى المسيحية وفارقوا تقاليد الأجداد، يصلون إلى العاصمة فيحرقون ويدمرون، قبل أن يلقوا المصير المحتوم لأغلب الثورات: الهزيمة والتشريد والانتقام والقتل، إنها «ثورة الملاكمين» التي شهدتها الصين قبل أكثر من 100 عام من الآن.

«والنارُ أولُها غضب»

بحلول نهاية القرن التاسع عشر، كانت إمبراطورية الصين -القابعة تحت حكم سلالة شينغ منذ عام 1644- خاضعة لتحكمات العديد من القوى الأجنبية، وبالتحديد اليابان والقوى الغربية، وكانت الهزائم «المذلة» التي تعرضت لها الصين في حروب الأفيون في منتصف ذلك القرن ضد بريطانيا وفرنسا قد تمخضت عن عدد من الإهانات للصين.

تبعًا لذلك، تخلت الصين عن جزء من أراضيها لصالح بريطانيا (من بينها هونغ كونغ التي لا تزال خارج السيادة الصينية الكاملة حتى الآن)، وفتحت الأبواب أمام حركة التجارة الأوروبية مع الصين، وعلى رأسها مخدر الأفيون الذي غرقت فيه البلاد، فضلًا عن الأعداد الهائلة من العمال الصينيين الذين جرى نقلهم إلى أوروبا والولايات المتحدة، ليحلوا محل العبيد في المناجم والمزارع، كما مُنحت الدول الأجنبية حق إنشاء سفارات وإرسال بعثات دبلوماسية إلى العاصمة الصينية.

فضلًا عن ذلك، فقد أدت هزيمة الصين أمام اليابان في الحرب الصينية-اليابانية الأولى (1894-1895)، وما تبعها من دخول القوى الدولية على الخط، إلى مزيد من التنازلات التي قدمتها الصين أمام النفوذ الأجنبي، فقد اعترف الصينيون خلال معاهدة شيمونسكي باستقلال كوريا، وأقرت بتنازلها لليابان عن جزر فرموزا وبيسكادوس وشبه جزيرة لياو تونغ في منشوريا.

كما نصت المعاهدة على حصول اليابان على تعويضات مادية وعلى عدد من الامتيازات لرعاياها المقيمين على الأراضي الصينية (لاحقًا، وخوفًا من توسع النفوذ الياباني إلى درجة لا تحمد عقباها، تدخلت روسيا وألمانيا وفرنسا وطلبوا من اليابان رد جزيرة لياو تونغ إلى الصين وهو الطلب الذي نفذته اليابان بالفعل).

أدت هزيمة الصينيين في تلك الحروب، وانسحاقهم أمام الآلة التكنولوجية الغربية، إلى ردات فعل جذرية طالت المجتمع والدولة في الصين، حاول الإمبراطور الصيني في البداية تثبيت سلطته عبر إطلاق ما عرف بـ«حركة إصلاح المائة يوم»، في محاولة لإعادة هيكلة للدولة والمجتمع ومطابقتها بالنموذج الغربي، وهي الحركة التي اصطدمت بمعارضة القوى المحافظة في الصين وحكام الأقاليم، ثم بالبلاط الإمبراطوري نفسه الذي انقلب على هذا الاتجاه الإصلاحي.

فشل الصينيون إذًا داخليًا وخارجيًا، واستمرت مرارة الهزيمة تعتصر قلوبهم، وبدأت نيران الكراهية والحقد ضد كل ما هو أجنبي  في الصدور، قبل أن يمتد لهيبها إلى المظاهر المسيحية في البلاد، فقد اعتبر الكثير من الصينيين الأنشطة التبشيرية المسيحية في البلاد وجهًا آخر للنفوذ الأجنبي لا أكثر، ووسيلة من وسائل تقسيم الصين للظفر بها قطعة قطعة، ومن أشهر الحركات الشعبية التي عكست روح التمرد ضد النفوذ الأجنبي في البلاد، ما عرف بـ«ثورة الملاكمين» (Boxers rebellion).

أنت أجنبي.. إذًا أنت عدو

يشير مصطلح «الملاكمين Boxers» إلى مجموعة من الفلاحين الريفيين، الذين كونوا جماعة  مسلحة سرية نشطت ابتداءً في المحافظات الشمالية من البلاد وبخاصة في مقاطعة شاندونج، عرفوا أولًا باسم «القبضات الصالحة المتآلفة Righteous and Harmonious Fists»، وقد أطلق عليهم اسم «الملاكمين» بسبب قيام أفرادها بالتدرب على الأساليب القتالية الصينية القديمة، وقد كان لديهم اعتقاد بأن تلك الأساليب من شأنها أن تمنحهم قدرات خارقة تجعلهم محصنين ضد الرصاص وطلقات المدافع.

ثورة الملاكمين

نموذج لأحد محاربي «الملاكمين»- المصدر :ويكيبيديا

وفي حين أن شعار العداء للأجانب كان هو الذي يحركهم، إلا أن المصادر التاريخية تشير إلى دور للطبيعة في تفجير غضب الفلاحين، فقد عاني الشمال الصيني في ذلك الوقت من الجفاف الذي أعقبه فيضانات دفعت بالفلاحين نحو التشرد، كان ذلك في الوقت الذي تقدم فيه الحكومة الصينية تنازلات تجارية في تلك المقاطعات للأجانب والقوى الاستعمارية، ومن هنا صب «الملاكمون» جام غضبهم على الأجانب الذين اعتبروهم سببًا في شظف العيش الذي يعانون منه، وبحسب تعبير أحد الباحثين فإن «أيامًا قليلة من المطر الذي يقضي على الجفاف كان بإمكانها أن تستعيد من الهدوء والاستقرار أضعاف ما تفعله إجراءات الحكومة الصينية أو القوى الأجنبية».

اندفعت قوات الملاكمين لمهاجمة كل أجنبي في البلاد، كما هاجموا المسيحيين الذين اعتبروهم وجهًا آخر للنفوذ الأجنبي كما ذكرنا، فقد رأوا في تحول بعض الصينيين نحو المسيحية -وكان هؤلاء غالبًا ينتمون إلى الفئات الاجتماعية الأدنى- إهانة للتقاليد الصينية وللروابط العائلية في المجتمع، كما كانت البعثات التبشيرية تضغط على المسؤولين المحليين للوقوف بجانب المتحولين للمسيحية في النزاعات القضائية.

في البداية، كان «الملاكمون» يتخذون موقفًا معاديًا للسلالة الحاكمة في البلاد «تشينغ»، قبل أن يتحولوا لاحقًا إلى شعار «ساندوا الأسرة الحاكمة وأبيدوا الأجانب»، وقد تراوح موقف البلاط الإمبراطوري بين طمأنة البعثات الأجنبية، وبين تأييد «الملاكمين» بشكل رسمي أحيانًا.

متسلحين بالسيوف والرشاشات، اندفع «الملاكمون» كالسيل يواجهون أعداءهم، وبحلول منتصف العام 1900، كانوا قد وصلوا إلى العاصمة بكين، حيث شرعوا في قتل المسيحيين الصينيين وأعضاء البعثات التبشيرية، وجرت عمليات الإعدام في الشارع أحيانًا على مرأى ومسمع من العامة، وأحرقوا الكنائس والمنازل والمدارس والمباني ومحطات السكك الحديدية.

لجأ المطاردون من الأجانب والمسيحيين الصينيين  إلى دار المفوضيات (المقر الذي كانت تقيم فيه البعثات الأجنبية) في بكين، وفي العشرين من يونيو (حزيران) 1900، حاصرت قوات «الملاكمين» دار المفوضيات الذي تمركزت فيه قوات قليلة من المدافعين وحرس الدبلوماسيين، وفي اليوم التالي للحصار، أعلنت السلطات الإمبراطورية في الصين -بزعامة الإمبراطورة تسي شي- الحرب على كل القوى الأجنبية التي تقيم علاقات مع الصين، وأمرت بقتل أي أجنبي في البلاد.

«الملاكمون» يتجرعون كأس الهزيمة

على وقع أنباء التهديدات «الوحشية» القادمة من الصين، تناست القوى الدولية خلافاتها الجانبية، وتوحدت لرد العدوان على رعاياها في الصين، وعلى عجل تكون تحالف من ثماني دول هي اليابان وروسيا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا والنمسا وإيطاليا والولايات المتحدة، وكانت اليابان صاحبة النصيب الأكبر من المساهمات العسكرية في تلك الحملة نظرًا لقربها من مسرح الأحداث، كما شارك في القتال ضمن قوات التحالف مئات من الجنود الصينيين الذين خدموا في إطار الجيش البريطاني فيما عرف باسم «الفوج الصيني الأول» .

وصلت قوات التحالف إلى تيانجين، حيث سيطروا عليها بعد يوم واحد من القتال، أمرت الإمبراطورة تسي شي القوات الصينية بالتصدي للمهاجمين ووقف تقدمهم، لكن النصر كان حليف المهاجمين الذين شقوا طريقهم نحو العاصمة، في الوقت نفسه الذي رفضت فيه بعض مقاطعات جنوب الصين تنفيذ الأوامر الإمبراطورية، بعدما ضاق حكامها ذرعًا بأفعال «الملاكمين»، نجح التحالف الثماني في النهاية في هزيمة القوات الصينية وميليشيات الملاكمين، وسيطروا على بكين ونجحوا في إطلاق سراح المحاصرين في دار المفوضيات في 14 أغسطس (آب) 1900.

ثورة الملاكمين

قوات التحالف الدولي ضد الصين، 1900 – المصدر: ويكيبيديا

هربت الإمبراطورة تسي شي من بكين، تاركة وراءها مجموعة من الأمراء لإدارة المفاوضات مع القوى الغازية، وفي سبتمبر (أيلول) 1901 تم توقيع «بروتوكول الملاكمين» الذي نص على معاقبة عدد من المسؤولين عن تلك الحركة بالقتل، وحظر انضمام الصينيين إلى أي جمعيات مناهضة للأجانب، فضلًا عن دفع الصين تعويضات هائلة تعويضات للبلدان التي اشتركت في الحرب، كما منحت بعض الدول حق تمركز قوات تابعة لها في بعض أحياء بكين لحماية بعثاتها، وحرمت الصين من استيراد أي أسلحة من الخارج لمدة عامين.

وتتفاوت المصادر في تقدير خسائر تلك الحرب، ويقدر البعض إجمالي الضحايا بنحو 100 ألف شخص، جلهم من المدنيين ومن بينهم آلاف المسيحيين الصينيين وما بين 200-250 أجنبيًّا.

ورغم هزيمتها الجلية وفشلها في تحقيق أهدافها، إلا أن حركة «الملاكمين» قد لعبت دورًا كبيرًا في إضعاف سلالة تشينغ التي حكمت البلاد لقرون، فلم تكد تمضي 10 سنوات حتى اندلعت ثورة أطاحت بالإمبراطورية وأعلنت الجمهورية في البلاد عام 1912، ولا تزال سياسة الصين الرسمية تقوم على الاحتفاء بـ«الملاكمين»، وبـحربهم ضد النفوذ الأجنبي في البلاد.

المصادر

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!