تزامنت ذكرى مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي، مع بروز دعوات ليست جديدة، ولكنها حديثة الفعل، تطالب بمقاطعة البضائع التركية في المملكة العربية السعودية، وتصدر وسمًا «حملة مقاطعه المنتجات التركية»، و«الحمله الشعبيه لمقاطعه تركيا» قائمة الوسوم الأكثر تداولًا على موقع «تويتر» في السعودية والإمارات.

وللوهلة الأولى أصبحت الأمور تتخذ منحىً أقرب إلى الرسمي بعد دخول الأمير السعودي، عبد الرحمن بن مساعد – الذي لا يتقلد منصبًا سياسيًا في الدولة – خط دعم الحملة، ولكن سرعان ما نفى المكتب الإعلامي للحكومة السعودية، لوكالة «رويترز» صحة التقارير التي تحدثت عن قرار رسمي بمنع المنتجات التركية من دخول المملكة، مضيفًا أن السعودية ملتزمة بالاتفاقيات، والمعاهدات الدولية، والتجارة الحرة، لكن في حال تخيلنا استمرار الحملة وتحولها إلى واقع، فمن سيكون المتضرر الأكبر؟

مقاطعة رسمية أم شعبية

لم تنقطع مطالبات عجلان العجلان، رئيس غرفة تجارة وصناعة الرياض، السابقة والحالية بمقاطعة الاستيراد من تركيا؛ فالرجل يربط موضوع عودة العلاقات إلى سابقها بتوقف الرئيس التركي رجب طيب أردوغان عن عدائه للقادة السعوديين، على حد تعبيره.

لكن اللافت، ومع تكرار النفي الرسمي لحكومة الرياض بضلوعها في حملات المقاطعة، وتصويرها في الإعلام الخليجي على أنها مبادرات شعبية فقط، أوردت صحيفة المعارضة التركية اليومية «سوزكو» وثيقة – لم تتمكن «ساسة بوست» من التأكد من صحتها – تنص على منع المستوردين من جلب البضائع التركية إلى السعودية، وهو ما يظهر أن المملكة السعودية ربما تقاطع بالفعل البضائع التركية.

ويؤكد بعض رجال الأعمال الأتراك للصحيفة أن شركاءهم السعوديين أبلغوهم في نهاية سبتمبر (أيلول) بوقف عمليات شحن البضائع من تركيا إلى ميناء جدة، وهي سلسلة مستمرة تنتهجها السلطات السعودية من العام الماضي بسحب الصحيفة، إذ منعت الرياض دخول عشرات الشاحنات التركية التي تحمل منتجات منسوجات ومواد كيميائية إلى البلاد، بالتزامن مع دعوات لوسائل الإعلام الحكومية وشخصيات أعمال بارزة إلى مقاطعة الواردات التركية والتوقف عن الذهاب للسياحة هناك.

العالم والاقتصاد

منذ سنة واحدة
السياحة والعقارات «قمة جبل الجليد».. هكذا تشن السعودية حربًا اقتصادية على تركيا

سياسة السعودية التي تقتضي الضغط على الشركات المحلية بمنعها من التعامل مع تركيا وتهديدها بالغرامات، إضافة لحجز الشاحنات على الحدود، لا تتبناها السلطات بشكل رسمي؛ بسبب الخوف من عقوبات منظمة التجارة العالمية، فبموجب قواعد منظمة التجارة العالمية، يجوز لتركيا رفع نزاع ضد الرياض للمطالبة بتعويض عن الخسائر المسجلة إذا تمكنت من إثبات تكتيكات سعودية غير مبررة ضد أعمالها، حسبما وضح مسؤولون أتراك لصحيفة «ميدل إيست آي».

جهود أنقرة تمحورت في التواصل مع الشركات السعودية والدوائر الرسمية، لكن صحيفة «دنيا» التركية تقول إن الرياض ماضية إلى إلغاء عقود الموظفين الأتراك رفيعي المستوى العاملين في البلاد، كما أنه من غير الممكن بيع البضائع التركية من ألمانيا على سبيل المثال؛ لأنهم لا يريدون أي شيء بختم «صنع في تركيا»؛ الأمر الذي دعا رئيس جمعية المصدرين في تركيا (TIM) إسماعيل شوت، وسبعة من كبار الاقتصاديين الأتراك لاستصدار بيان، دعوا فيه السلطات السعودية إلى عودة استمرار العلاقات التجارية بسلاسة، ولعدم خفض حجم الأعمال والإيرادات المتعلقة بالمنتجات التركية؛ لأنها ستؤثر سلبًا على القوة الشرائية للمواطنين في السعودية.

بالأرقام.. حجم الصادرات التركية لدول الخليج

تشير المعلومات التي تبثها «جمعية مصدري تركيا» على موقعها الرسمي، أنه من الصعب على الدول الخليجية الاستغناء عن استيراد المواد التركية في ليلة وضحاها دون توفر البديل الأمثل على مستوى التكلفة والجودة والمواد، فمنذ تأسيس مجلس الأعمال التركي السعودي في أكتوبر (تشرين الأول) 2003 في جدة، بلغت قيمة استثمارات تركيا في المملكة العربية السعودية حوالي 660 مليون دولار أمريكي، مع أكثر من 200 شركة تركية تعمل في هذا البلد، كما احتلت السعودية المرتبة الثانية بين دول الخليج بعد قطر والسابع عالميًا من حيث عدد المشاريع التي نفذها مقاولون أتراك.

جمعية مصدري تركيا

وتستورد دول الخليج من الدولة التركية الصلب، والسيراميك، والزجاج الأسمنتي، ومنتجات التربة، والمعادن الحديدية وغير الحديدية، والمنتجات الجلدية، والمنتجات الصناعية الأخرى، والمنتجات الكهربائية والإلكترونية، والمكسرات، والسفن واليخوت، والسجاد، والملابس الجاهزة، والحبوب، والبقوليات، والبذور الزيتية، وصناعة التكييف والتبريد، والمنتجات الكيماوية، والفواكه المجففة، ومنتجات التعدين والآلات، وقطع الغيار، ومنتجات الفاكهة والخضروات، والأثاث والورق، ومنتجات الغابات، والجواهر، وصناعة السيارات، وصناعة الدفاع والطيران، وتربية الأحياء المائية، والمنتجات الحيوانية، ونباتات الزينة، والمواد الخام للمنسوجات، والتبغ، والفواكه والخضروات الطازجة، وزيت الزيتون.

تشير إحصاءات وزارة التجارة التركية إلى أن الصادرات التركية إلى المملكة العربية السعودية زادت بنسبة 40% على أساس سنوي في يونيو (حزيران)، لتصل إلى ما يقرب من 213 مليون دولار بعد انخفاض في ذروة أزمة فيروس كورونا، لتعود وتنخفض إلى 198.77 مليون دولار أمريكي في أغسطس (آب) بعد ارتفاعه إلى 257.35 مليون دولار أمريكي في يوليو (تموز) هذا العام، إذ بلغ متوسط ​​الصادرات إلى المملكة العربية السعودية من تركيا 250.52 مليون دولار أمريكي من عام 2014 حتى عام 2020، حسب موقع «trading economics»، ووصلت إلى أعلى مستوى لها على الإطلاق عند 378.34 مليون دولار أمريكي في أبريل (نيسان) 2015 وأدنى مستوى قياسي بلغ 139.89 مليون دولار أمريكي في مايو (أيار) من عام 2020.

Trading Economics

كما ارتفعت الصادرات إلى دولة الإمارات من تركيا أغسطس لهذا العام، إلى 174.84 مليون دولار من 169.54 مليون دولار أمريكي في يوليو، وارتفعت الصادرات إلى سلطنة عُمان من تركيا إلى 33 ألف و988.44 دولار من 31 ألف و446.55 دولار في الشهر السابق، وعلى العكس في الكويت انخفضت الصادرات إليها إلى 32 ألف و997.58 دولار، من 38 ألف و719.34 دولار يوليو.

وتعتبر الإمارات من أهم الدول العربية التي تستورد منها تركيا، فبعد إعلان تأسيس مجلس الأعمال التركي الإماراتي في عام 2000، اعتمدت تركيا على استيراد الذهب، والألومنيوم، والمجوهرات، والزيوت البترولية، والمواد الكيميائية، والحديد من الإمارات، فيما تستورد تركيا من السعودية النفط والمنتجات الكيمائية، إذ بلغت الصادرات السعودية إلى تركيا بين شهري يناير وأغسطس 1.1 مليار دولار مقابل 1.44 مليار دولار في الفترة نفسها من العام الماضي، بانخفاض قدره 340 مليون دولار، فيما بلغت صادرات تركيا نحو السعودية 3.2 مليار دولار في 2019.

هل ستؤثر المقاطعة على تركيا؟

يضع «مركز الإحصاء التركي» الرقم 166 مليار دولار هدفًا، طامحا للوصول إليه نهاية هذا العام من خلال تحقيق أعلى نسبة تصدير خلال عام، ويوضح المركز أن المبلغ المتبقي هو 48.180، لكن مناشدة لطفو سافاش رئيس بلدية محافظة «هاتاي» للسعودية لإنهاء الحظر التجاري الذي فرضته تلمح إلى أن الهدف على الأرجح لن يتحقق؛ خصوصًا أن السعودية تعد السوق الخامس عشر للصادرات التركية.

مصدر المعلومات: UN Comtrade

ووضح «سافاش» أن الحظر ألحق ضررًا برجال الأعمال في محافظته، وانقطاع وظائف وأرزاق التجار، بالرغم من إعلان جمعية «المصدرين التركية»، عن تحقيق 16 مليار من الصادرات إلى 119 دولة خلال شهر سبتمبر، في أعلى رقم للبلاد خلال العام الجاري بمشاركة شركات جديدة، فيما انخفضت الصادرات إلى دول الشرق الأوسط بنسبة 4.7% لتصل إلى 2.8 مليار دولار في سبتمبر.

وعلى عكس ما قد يتبادر إلى ذهن المواطن العربي، فإن الدول العربية تستورد من تركيا ما يقارب 36 مليار دولار، أي ما يشكل خمس صادرات تركيا البالغة 180 مليار قبل جائحة كورونا، بينما تبلغ قيمة الاستيرادات التركية من الدول العربية ما يقارب 14 مليار دولار، أي ما يمثل 6.7% من إجمالي وارداتها، وهو ما يؤكد أهمية السوق العربية للتجار الأتراك، قيمة الصادرات إلى الدول العربية بلغت 17 مليار دولار أو حوالي 19٪ من الإجمالي. في عام 2020، وفقًا لمعهد الإحصاء التركي.

أما بالنسبة للاستثمارات العربية في تركيا، فقد تشكل الإمارات تهديدًا إذا ما قررت التوقف عن الاستثمار في تركيا؛ فإن الأخيرة ستخسر ما يقارب 6 مليارات دولار، إذ تعتبر الدولة العربية الثانية في حجم الاستثمارات بعد قطر التي تضع حوالي 22 مليار دولار أو 68٪ من الاستثمارات العربية، في حين أن الاستثمارات السعودية المباشرة أقل من مليار دولار، فوفقًا لأرقام البنك المركزي، فإن الاستثمارات العربية المباشرة في تركيا بلغت 32 مليار دولار اعتبارًا من عام 2019، وهو ما يمثل 21٪ من الاستثمارات الأجنبية المباشرة البالغة 150 مليار دولار في البلاد.

عربي

منذ 7 شهور
ما الدول الخليجية الأكثر تضررًا من الأزمة الاقتصادية الحالية؟ ولماذا؟

من ناحية أخرى، ومع رصد ارتفاع مؤشر التفاؤل الاقتصادي في تركيا إلى 88.5 في سبتمبر، وبلوغ الاستثمارات الأجنبية في البورصة التركية 24 مليار دولار في يوليو، فيما بلغ الدين التركي للمقرضين الأجانب 390 مليار دولار، لا يزال رئيس اتحاد المقاولين الأتراك (TMB)، من بين أولئك القلقين، الذين يراقبون التطورات بحذر، لامتلاكهم مشاريع بناء كبيرة في قطر والسعودية، لا سيما بعد إعلان مصطفى جولتيبي، رئيس «اتحاد مصدري الملابس» في إسطنبول خلال حديثه لصحيفة « فاينانشيال تايمز» أن جميع تجار التجزئة المنتجين في تركيا والمصدرين إلى الدولة الخليجية تأثروا.

وفي الوقت الذي تشير الدلائل فيه إلى أن تركيا قد تواجه حظرًا غير مباشر من السعودية، ودول الخليج والدول الأخرى التي تدعمها، يرى المحرر الاقتصادي مصطفى سونميز أن العلاقات الاقتصادية التركية مركزة على الغرب، وأوروبا في الغالب، ويبدو أن المقاطعة الجماعية تبدو بعيدة المنال بسبب الانقسامات، ومع ذلك لا تكاد تركيا تتحمل أي خسائر في الأسواق العربية أو الاستثمارات العربية في الوقت الحالي، نظرًا للاضطراب الاقتصادي المستمر وأزمة العملة الصعبة، في حين يقول الباحث السياسي التركي «جواد جوك» إن تأثير القرار السعودي على الاقتصاد التركي لا يتوقع أن يكون كبيرًا جدًا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد