تتزايد حاليًا عمليات التلقيح ضد فيروس كورونا بشكل كبير؛ إذ قطعت الكثير من الدول شوطًا كبيرًا في الوصول لمناعة القطيع، وهو ما انعكس إيجابًا من خلال رفع العديد من هذه الدول للقيود وحالات الحظر، وبدء العودة للحياة الطبيعية التي كانت قبل كورونا.

لكن مهمة العودة لحياة ما قبل كورونا لن تكون بهذه البساطة، لا نقصد على صعيد الدول عبر إمكانية عودة تفشي فيروس كورونا، لكن على صعيد الأفراد الذين ستكون أمامهم مهمة ليست باليسيرة بهدف الاستيعاب والتعامل مع فكرة عدم وجود قواعد التباعد الاجتماعي؛ مما سيجعل العودة للحياة الاجتماعية الطبيعية أمرًا مرهقًا وصعبًا على أدمغة البشر.

ورغم أن غالبية الناس أصبحوا متحمسين لاستعادة حياتهم وأنشطتهم الخارجية، فإن عقولنا قد لا تكون على الدرجة نفسها من الحماسة للعودة إلى الحياة الاجتماعية السابقة لتفشي وباء كورونا؛ وذلك لأن اضطرارنا للابتعاد بعضنا عن بعض لمدة تقارب 15 شهرًا كان لها أثر سلبي في صحتنا العقلية.

الشعور بالوحدة وعدم الارتياح

في الولايات المتحدة – على سبيل المثال – أشارت دراسة استقصائية أجريت عام 2020، إلى أن قرابة 36% من البالغين مروا بشعور الوحدة بشكل قوي وخطير أثناء انتشار جائحة فيروس كورونا. مثل هذه الإحصائيات تعطي دلالة على أن العودة للحياة الاجتماعية الطبيعية لن يكون بالأمر السهل كما نعتقد.

هذا الأمر عكسته دراسة أمريكية أخرى أجريت في مارس (آذار) 2021، أوضحت أن قرابة نصف الأمريكيين عبروا عن شعورهم بـ«عدم الارتياح» بخصوص العودة إلى التفاعلات الاجتماعية مع الأشخاص الآخرين بغض النظر عن تناولهم للتطعيم أم لا.

تأثير التباعد الاجتماعي في الصحة العقلية

مع أن أدمغة البشر تملك القدرة على التكيف بشكل مرن وسريع، فإن ما مرت به أدمغتنا خلال فترة جائحة كورونا كان أكبر بكثير مما اعتدنا عليه ربما في حياتنا كلها، فقد كان للعزلة الاجتماعية والابتعاد عن الحياة الاجتماعية تأثيرات كبيرة في عقول البشر وأدمغتهم.

وحتى نفهم مقدار هذه التأثيرات فينا ومدى قوتها، فعلينا أن نخوض قليلًا في طبيعة البشر على الصعيد الاجتماعي والنفسي، فالبشر لديهم حاجة للتواصل الاجتماعي، اكتسبوها خلال عملية التطور التي مروا بها منذ القدم، بل إن الأمر لا يتعلق بالبشر، فحتى في الحيوانات والحشرات، يعد الحفاظ على الشبكات الاجتماعية أمرًا مهمًّا للبقاء؛ إذ توفر المجموعات أو الشبكات الاجتماعية التزاوج والصيد التعاوني، والحماية من الحيوانات المفترسة.

لكن داخل هذه الشبكات الاجتماعية لا بد من حدوث توازن. فإذا كانت الشبكة الاجتماعية صغيرة العدد، فإنها لا تقدم الفوائد سابقة الذكر، وإذا كانت الشبكات الاجتماعية كبيرة، فسيزداد حجم المنافسة على الموارد وعلى فرص التزاوج بين أفراد هذه الشبكة.

لهذا السبب، طورت العقول البشرية دوائر متخصصة لقياس علاقاتنا الاجتماعية وإجراء التعديلات الصحيحة، هو أمر أقرب إلى منظم درجات الحرارة الإلكتروني الذي يضبط درجة حرارة البيت تلقائيًّا، لكنه هنا يتعلق بضبط العلاقات الاجتماعية.

هذه الدوائر الخاصة بقياس علاقتنا الاجتماعية وتنظيمها تشمل العديد من مناطق الدماغ، وأبرزها «القشرة الحوفية المتوسطة»، وهي المنطقة من الدماغ التي نطلق عليها أيضًا اسم «نظام المكافأة». فهذه المنطقة هي التي تحفزك على تناول الشوكولاتة عندما تشتهي شيئًا حلوًا، وتحفز أيضًا أحد الأشخاص لمحاولة المواعدة عندما يشتهي التقارب الاجتماعي مع الجنس الآخر.

هذا يعني أن البشر يكونون متعطشين بطبيعتهم للتواصل الاجتماعي مثل رغبتهم في الطعام عند الجوع، وذلك لأن كلا الدافعين ينتجان من منطقة الدماغ نفسها، وهو ما أثبتته إحدى الدراسات التي أجريت نهاية عام 2020، التي أشارت إلى أن الحد من التفاعل الاجتماعي يسبب رغبة شديدة في التواصل الاجتماعي، بنمط في الدماغ مشابه لنمط الحرمان من الطعام. وبكلمات أبسط، فإنه مثلما تكون عندك رغبة شديدة في الطعام عندما تحرم منه لفترة طويلة، فأيضًا تنشأ لديك رغبة شديدة في التواصل الاجتماعي عندما تحرم منه.

الجوع الاجتماعي والانغلاق العاطفي

والسؤال: إذا كان البشر متعطشين للتواصل الاجتماعي مثل رغبتهم في الطعام بعد الجوع، فماذا يحدث للدماغ بالضبط عندما تجوع اجتماعيًّا؟ أحد الآثار البارزة للعزلة الاجتماعية في الدماغ هو زيادة القلق والتوتر، فقد وجدت العديد من الدراسات أن إبعاد الحيوانات أو البشر عن رفاقهم يزيد من السلوكيات الشبيهة بالقلق ويزداد ضخ الكورتيزول، وهو هرمون التوتر الأساسي.

ولاحظ الباحثون أن الأشخاص ذوي الدوائر الاجتماعية الصغيرة يكون لديهم مستويات أعلى من هرمون الكورتيزول، وأعراض أخرى مرتبطة بالقلق تتشابه مع الأعراض التي تنشأ في الحيوانات عند إبعادهم عن مجموعتهم وحبسهم بمفردهم.

هذا أمر يبدو منطقيًّا من الناحية التطورية، فالحيوانات التي تبتعد عن المجموعة، تفقد بالضرورة حماية هذه المجموعة؛ لذا يجب بالنسبة لمخها أن تكون هذه الحيوانات المعزولة شديدة اليقظة لتدافع عن نفسها. الأمر نفسه يحدث في البشر، فقد وجدت إحدى الدراسات أن الأشخاص الذين يصفون أنفسهم بالوحيدين، هم أكثر يقظة تجاه التهديدات الاجتماعية مثل الرفض أو الإقصاء.

بعض الناس اضطروا للجوء إلى «الانغلاق العاطفي» على أنفسهم حتى يتمكنوا من مرور أزمة الإغلاق والبعد الاجتماعي خلال فترة كورونا، هذا الأمر له آثار سلبية في الصحة النفسية والعقلية، خصوصًا لأولئك الأشخاص العاطفيين بطبيعتهم، والذين يميلون إلى الثرثرة كثيرًا مع أصدقائهم وزملائهم، ومن بين هذه الآثار ضعف التركيز والذاكرة، والاكتئاب، وصعوبة اتخاذ القرارات، بالإضافة إلى فقدان الأداء الإدراكي الطبيعي، وهو ما يتسبب في إحساسنا بالإرهاق الدائم خلال جائحة كورونا.

فقدان الروابط والسلوكيات الاجتماعية.. صعوبة العودة

ليست منطقة «القشرة الحوفية المتوسطة» فقط المسؤولة عن عملية التوازن الاجتماعي، بل توجد أيضًا منطقة «الحصين»، وهي التي تمثل مركز التعلم والذاكرة في الدماغ؛ إذ يتطلب وجودك وسط مجموعات اجتماعية، تعلم السلوكيات الاجتماعية مثل نكران الذات، والتعاون، والتعرف إلى الأصدقاء والأعداء.

ولأن عقلك يخزن كميات هائلة من المعلومات، ويجب أن يزيل تلك المعلومات غير المهمة لإفساح المجال للمعلومات الأهم (يقصد بها المعلومات التي تستخدمها وتحتاجها بشكل أكبر في حياتك)، لذلك، فإنه في حالة العزلة الاجتماعية، يبدأ الإنسان في فقدان سلوكياته الاجتماعية التي سبق وتعلمها، فالقاعدة تقول إن الشيء غير المستخدم يضمر ويموت.

حتى لو كانت هذه العزلة الاجتماعية عزلة مؤقتة، فإن ذاكرة سلوكياتنا الاجتماعية التي تعلمناها ستتأثر سلبًا وتضعف أكثر. على سبيل المثال، ستقل قدرتنا على التعرف إلى وجه مألوف سبق ورأيناه، وهذا هو السبب الذي سيجعل عودتنا إلى الحياة الاجتماعية الطبيعية صعبًا، لأننا فقدنا بعضًا من قدراتنا وسلوكياتنا الاجتماعية ولو مؤقتًا.

كما ستضعف أيضًا الذاكرة العاملة لدينا، وهي تلك الذاكرة المسؤولة عن تذكر أعمالنا المعتادة مثل تذكر وصفة طهي طعام ما. ليس هذا فحسب، بل إن العزلة الاجتماعية تسبب النسيان، وفقدان الذاكرة، والتدهور المعرفي في وقت لاحق من الحياة؛ أي إن تأثيرها يمتد إلى سنوات وسنوات تالية، وهذا الأمر ظهر على سبيل المثال في المستكشفين الذي يقيمون في القطب الجنوبي؛ إذ تقلص حجم منطقة الحصين في أدمغتهم بعد مرور 14 شهرًا فقط من العزلة الاجتماعية.

الدماغ وإعادة التواصل الاجتماعي

لكن الخبر السعيد هنا، أنه كما أن باستطاعة الدماغ التكيف مع العزلة، فإنها تستطيع التكيف مع إعادة الروابط الاجتماعية مرة أخرى، فقد أشارت الدراسات إلى أن العودة إلى الحياة الاجتماعية الطبيعية بإمكانها عكس القلق والتوتر المرتبطين بالعزلة وإصلاح الآثار السلبية المترتبة عليهما، فبعض الحيوانات التي عزلت عن مجموعتها ثم أعيدت إليها، ظهر عليها في البداية وجود مستويات عالية من التوتر والإجهاد والكورتيزول، لكن هذه الأمور سرعان ما عادت لطبيعتها.

الأمر نفسه ينطبق على الذاكرة الاجتماعية، والذاكرة العاملة، والتدهور المعرفي، فجميعها قابل للتكيف بدرجة كبيرة. فمع أن الحيوانات المعزولة لا تستطيع التعرف إلى وجه صديق مألوف عند عزلها لفترة قصيرة، فإنها تستعيد ذاكرتها بسرعة بعد إعادة الارتباط بالمجموعة.

هذا يعطي الأمل للأشخاص الذين يخرجون من حالة الإغلاق الاجتماعي والتباعد الاجتماعي، فقد وجدت دراسة إسكتلندية – على سبيل المثال – أجريت خلال جائحة كورونا، أن السكان عانوا من بعض التدهور المعرفي خلال أسابيع الإغلاق، لكنهم تعافوا سريعًا بمجرد تخفيف القيود.

خلاصة هذا الكلام كله أننا سنواجه بالفعل أوقات صعبة عند العودة إلى حياتنا الطبيعية، وسنشعر ببعض القلق والتوتر، لكن الأمر المهم هو أن عقولنا ستبدأ بالتكيف مرة أخرى تدريجيًّا؛ لذا عليك أن تتعامل مع هذا الأمر بهدوء وبساطة، وتترك لعقلك المساحة للتكيف من جديد دون ضغوط.

ترفيه

منذ شهر
ما بين رعبٍ وكوميديا ودراما طبية.. 10 أعمال فنية في زمن الكورونا

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد