هناك الكثير من المعلومات المتداولة بخصوص العقل البشري وجهازنا العصبي وطبيعة عمل الخلايا العصبية التي تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتدقيق.

هناك الكثير من المعلومات المتداولة بخصوص العقل البشري وجهازنا العصبي وطبيعة عمل الخلايا العصبية التي تحتاج إلى الكثير من المراجعة والتدقيق. مثل كم يبلغ عدد خلايا المخ؟ كم نستخدم من إجمالي قوتنا العقلية الكاملة؟ وغيرها الكثير من الأسئلة المعتادة التي تحتاج إلى بعض التوضيح.

خلايا عصبية جديدة

هل يمكن أن تتجدد الخلايا العصبية في المخ؟ الإجابة السريعة التي نعرفها جميعا هي أن الخلايا العصبية لا تتجدد، وأن البالغين لا يقومون بإنتاج خلايا عصبية جديدة.

من بين أبرز الملاحظات التي يراها أطباء السرطان هو استمرار وجود الاكتئاب عند مرضى السرطان حتى بعد شفائهم. الأطباء يتوقعون وجود الاكتئاب نتيجة استخدام الأدوية الكيميائية، لكن ما لا يفهمونه هو استمرار حالة الاكتئاب على الرغم من انتهاء جلسات العلاج.

نحن نعرف بالطبع أن أدوية علاج السرطان تتسبب في تدمير جميع الخلايا النشطة والكثيرة التكاثر والمخلقة حديثاً في الجسم، ومن أجل هذا مثلا نلاحظ سقوط الشعر وتوقف صناعة الخلايا الدموية الجديدة من نخاع العظام، وغيرها من الأعراض الجانبية لهذه الأدوية. وبالتالي فإن هذه الأدوية ستتسبب أيضا في توقف عملية تخليق الخلايا العصبية حديثة الولادة التي يتم إنشاؤها في المخ.

نعم، هناك خلايا جديدة يقوم المخ بتصنيعها يومياً ضمن عملية مستمرة تسمى: “تخليق الخلايا العصبية neurogenesis“، وذلك في منطقة “الحصين hippocampus“، وهو عبارة عن منطقة رمادية توجد في مركز المخ، وهو مهم لعمليات التعلم والذاكرة والأحاسيس والمزاج.

هذا الجزء هو المنطقة الوحيدة في المخ التي تقوم بتخليق خلايا عصبية جديدة. في هذه المنطقة يتم تخليق 700 خلية عصبية جديدة كل يوم، وعلى الرغم من أن هذا الرقم قليل نسبيا مقارنة بكمية الخلايا الكبيرة الموجودة بالمخ، إلا إن الإنسان عندما يبلغ سن الـ50 سنة سيكون قد قام بتغيير جميع الخلايا العصبية الموجودة في هذه المنطقة.

هذه الخلايا المخلقة باستمرار تلعب دوراً هاما في مهام التعلم والذاكرة، وأنه إذا ما قمنا بإيقاف إنتاج الخلايا الجديدة فإننا سنتسبب في توقف قدرات معينة للذاكرة، خصوصاً مثلاً فيما يتعلق بمعرفة الأماكن. هذه الخلايا ليست مهمة فقط لكمية الذاكرة، لكنها مهمة لجودة الذاكرة وستساعدنا هذه الخلايا الجديدة على إضافة المزيد من الوقت لذاكرتنا.

المخ هو المهيمن

كم يبلغ عدد الحواس عند البشر؟ الجواب الطبيعي والتلقائي هو 5 حواس، النظر والشم والسمع والتذوق والإحساس.

حسنا، هذا الأمر يحتاج إلى بعض التوضيح.

ربما هذه الخرافة يكون مصدرها ما قدمه الفيلسوف أرسطو، والذي كرس فصلاً مستقلا لهذه الحواس الخمس حتى ظنناها في علومناً أنها أمر مسلم به. قد تكون فكرة وجود 5 حواس فقط هي فكرة توافقية مبدئية يتم اتخاذها كأرضية مشتركة لمزيد من التجارب والمعارف التي قد تكون مثيرة للجدل في البداية.

لكن ما هو التعريف العلمي للحواس. الحاسة ما هي إلا وسيلة من وسائل المخ من أجل استقبال المعلومات من الجسم ومن العالم حوله. هذا التعريف إذا ما طبقناه فسيعطينا نظرة أوسع وأكبر على الحواس التي نتنتع بها، فإذا ما أغلقت عينيك وطلبت منك أن تقوم بلمس كوعك الأيسر عبر سبابة يدك اليمنى، فستفعل هذا بكل بساطة، كيف؟

هناك حاسة يتمتع بها الإنسان تسمى “الحس العميق”، وهي تمثل الوعي لدينا بأين يقع كل جزء من أجزاء جسدنا في الفراغ. عملية الحس العميق هذه هي أمر ممكن نتيجة لوجود مستقبلات معينة في العضلات، والتي تقوم بإخبار المخ عن الطول الحالي والتمدد الذي يحدث في العضلات.

تخيل أنك أعمى وأني قمت بجعلك مائلا إلى الأمام قليلا وببطء، فستشعر على الفور بكيفية الوضعية التي أصبحت عليها بالمقارنة بالجاذبية الأرضية. كيف قمت بهذا؟ أن تملك هذه الحاسة نتيجة بفضل ما يطلق عليه اسم النظام الدهليزي المملوء بالسوائل في أذنك الداخلية والذي يساعدك على الحفاظ على التوازن.

من هنا نستنتج أن الحواس التي يملكها الإنسان تمثل أدوات استقبال ما يحدث حولنا وداخلنا وإرسالها إلى المخ لترجمتها. وهذه نقطة هامة قد لا يعلمها الكثيرون. فالصوت الذي تسمعه يتم سماعه عبر المخ، ورائحة البرفان الذي وضعته أنت شممته عبر مخك، ومباراة كرة القدم التي شاهدتا أنت شاهدتها عبر مخك، لكن الأذن والأنف العين ما هي إلا أدوات نقل فقط، وسائل تنقل المؤثرات التي تدور حولنا لتوصلها إلى المخ الذي يحولها إلى صوت أو ضوء أو رائحة.

10% فقط

واحدة من أكثر الخرافات المتعلقة بالعقل البشري هو أننا نستخدم 10% فقط من المادة الرمادية الموجودة به. فالمخ عبارة عن أعداد هائلة من الخلايا العصبية، وكل خلية عصبية تتكون من جسم الخلية والمحور العصبي ثم الزوائد الشجرية. المادة الرمادية في المخ هي العنصر الرئيس في المخ، بل الجهاز العصبي المركزي كله، وهي تمثل أجسام الخلايا العصبية والنيوروبيل ونقاط الاشباك العصبي والشعيرات الدموية.

هذه الخرافة تتراكم بشكل واضح عند الكثير من الناس، بل عند بعض أطباء الأعصاب أيضا، ويكفي أن تسترجع الفيلم الأجنبي “لوسي” الذي تم إنتاجه عام 2014، لتعلم إلى أي حد وصلت هذه الخرافة في عقولنا.

وفي أحد استطلاعات الرأي التي تم إجراؤها عام 2013 في الولايات المتحدة الأمريكية قد أظهرت أن 65% من الأمريكيين يؤمنون أننا نستخدم 10% فقط من إجمالي القدرات العقلية لمخنا. لكن يبدو أن الحقيقة ستكون صادمة أكثر مما تتوقع. فنحن نستخدم بالفعل كل ملليمتر من مخنا من أجل إتمام مهامنا اليومية، مثل: المشي والعمل والتنفس والتحدث وكل الوظائف الأخرى في الحياة.

الأذكى هو الأكبر

يسود اعتقاد سائد بين الناس أن هناك علاقة طردية بين درجة الذكاء وكبر حجم المخ. هذا الأمر يمكن تفسيره بسهولة عندما ننظر إلى أدمغة بعض الحيوانات.

هناك الكثير من الحشرات التي لا يتعدى مخها حجم رأس الدبوس، لكنها تتميز بدرجة كبيرة من الذكاء أكبر كثيرا من بعض الحيوانات الضخمة. أيضا فإن كتلة مخ الحوت يبلغ أكثر من 20 أوقية، لكن لا يوجد أي دليل على أن الحوت أكثر ذكاء من الإنسان الذي يبلغ وزن مخه حوالي 3 أوقيات فقط.

100 مليون خلية

الكثير من العلماء يقعون في هذا الخطأ الشائع، وهو أن إجمالي عدد خلايا مخ الإنسان يبلغ 100 مليار خلية، فواحدة من أحدث الدراسات العالمية أظهرت أن إجمالي عدد الخلايا في مخنا يبلغ 86 مليار خلية فقط.

وقبل أن تقول أن فرق 100 من 86 والبالغ 14 مليار ليس بالقدر الكبير. لكن يكفي أن تعرف أن هذه الـ14 مليار خلية تمثل إجمالي عدد الخلايا الموجودة في دماغ قرد البابون.

ما يتم قطعه

يسود كثير من سوء الفهم بأن الخلايا العصبية لا يمكن إعادة وصلها مرة أخرى وأنه إذا ما انقطع حبل عصبي ما فلن يمكننا إعادة إيصاله.

هذا الأمر غير صحيح كليا، وربما يكون سببه هو فكرة الناس عن حدوث صدمة أو انقطاع في الحبل الشوكي للإنسان مما يتسبب الشلل التام. هذا الأمر صحيح بشكل جزئي، فطبيعة الحبل الشوكي تجعله يمثل مكا وجود المادة الرمادية الأساسية، والتي تحتوي على أجسام الخلايا العصبية، وبالتالي فإن أي انقطاع فيها قد لا يمكن إعادته.

لكن بالنسبة للأعصاب الطرفية في اليدين والقدمين فإنه من الممكن إعادة توصيلها جراحيا بالفعل، فإذا ما انقطع ذراع الإنسان فإنه يمكن إعادة وصل الذراع بكل ما فيه من عظام وعضلات وأعصاب وأوعية دموية، بشرط توافر شروط معينة تخص طبيعة الجرح ونهايات القطع وشكلها.

عرض التعليقات
تحميل المزيد