واحدة من أبرز وأهم الأفكار عن المخ التي أسرت مخيلة العامة هو ذلك الاعتقاد الشائع هو أن لكل من النصف الأيسر والنصف الأيمن للمخ مهارات وقدرات متضادة أو متعاكسة. تجد هذا الاعتقاد شائعًا حتى بين العديد من الضليعين في علم الأعصاب.

واحدة من أبرز وأهم الأفكار عن المخ، والتي أسرت مُخيّلة العامة، هو الاعتقاد الشائع بأن لكلٍّ من نصفي المخ الأيمن والأيسر مهارات وقدرات متضادة أو متعاكسة. تجد هذا الاعتقاد شائعًا حتى بين العديد من الضليعين في علم الأعصاب.

الأسطورة

العديدون يعتقدون أن النصف الأيمن من الدماغ هو محور الإبداع والعواطف، بينما يتحكم النصف الأيسر في المنطق. أي أن النصف الأيسر هو المسؤول عن جميع ما تقوم به من حسابات منطقية وعمليات حسابية واستنتاجات، فيما النصف الأيمن هو المسؤول عن عواطفك ومشاعرك ورؤياك الإبداعية خارج حدود المنطق. هذا الاعتقاد وجد العلماء أنه ببساطة «غير صحيح».

أجرى جيفري أندرسون -وهو أحد كبار العلماء في جامعة يوتاه الأمريكية- عمليات البحث على أكثر من ألف دماغ بشري بين سني السابعة والـ29؛ لمعرفة كيفية عمل نصفيّ المخ. وأشار أندرسون إلى أن هذه الأبحاث قد أوصلته لمعرفة كيفية عمل جانبي المخ الأيمن والأيسر. الأكيد فيما وصل إليه أندرسون، أن فكرة الإبداع والمنطق للنصفين الأيمن والأيسر، لا تعدو مجرد كونها أسطورة!

وقد ذكر أندرسون أن هناك بعض الحالات بالفعل التي يتميز في الشخص بأسلوبه المنهجي وأساليبه المنطقية في المعرفة، كما أن بعض الناس يكون لديهم طريقة تفكير واستنتاج أكثر عفوية ودون التطرق لأساليب المنطق. لكن أندرسون أشار إلى أن هذا الأمر ليس له صلة من قريب أو بعيد مع الوظائف المختلفة لنصفي الكرة الأيمن والأيسر.

يقول أندرسون إن فكرة النصف الإبداعي والنصف المنطقي في الدماغ، هي ثقافة لا يوجد لديها أي دعائم في مجتمع علماء الأعصاب. وهذه الثقافة قد طفت للسطح متحدية عقودًا من الأبحاث العلمية الموثقة، التي تتنتاول طبيعة عمل نصفي المخ، وتنظيم عمل الدماغ، ودراسة المرضى المصابين بضمور في بعض مناطق وخلايا الدماغ.

بتعبيرٍ آخر، فإن ما كنا نقوله من أن هذا الشخص من ذوي النصف الأيمن، وذاك من ذوي النصف الأيسر، فيما يتعلق بطريقة وأسلوب التفكير؛ هو كلام بعيدٌ كل البعد عن الحقيقة العلمية.

تجربة التأكيد

التجربة التي قام بها أندرسون، تم فيها عمل بحث لألف دماغ من أدمغة الشباب والفتية من الجنسين، وذلك أثناء استلقائهم بمنتهى الراحة، أو خلال قيامهم بالقراءة ودراسة الوظائف المختلفة للدماغ، في كلا الجانبين لها.

العلماء قاموا بتقسيم نصفي الدماغ إلى 7 آلاف جزء، وقاموا بدراسة ومسح كل جزء خلال قيام المتطوعين بأعمال مختلفة يتوقع أن تقوم بزيادة النشاط في الجانب الأيسر أو في الجانب الأيمن. العلماء فوجؤوا بعدم وجود أي زيادة في النشاط في أيٍّ من الجانبين.

ويشير أندرسون إلى عدم صحة الحديث المُتعلق بأن بعض الوظائف تتواجد في أحد جانبي المخ دون الجانب الآخر، فاللغة تميل للتواجد في الجهة اليسرى للمخ، بينما الانتباه يميل للتواجد في الجهة اليمنى. لكنه يشير إلى أن جانبي المخ ليسا بتلك الصورة المتعلقة باختلاف كل منهما في الوظائف، بحيث يصبح لكل منهما حدّه الفاصل.

فنحن نقول إن اللغة تميل للجانب الأيسر، لكنها لا تتمركز بالكامل في الجانب الأيسر، وذلك لأن معالجة بعض الجوانب المتعلقة باللغة تتواجد في الجانب الأيمن مثل التجويد.

من أين جاءت؟

السؤال هنا، من أين جاءت هذه الثقافة، التي يعتبرها الكثيرون منا مسلمات لا جدال فيها، بل إن البعض يراها أحدث ما توصل إليه العلم الحديث، وربما يتباهى بنشر المعلومة بين رفاقه.

إحدى الإجابات الرئيسية لهذا التساؤل، تكمن في نزعة البشر بشكل عام إلى ثنائية «إما، وإما»، والتي يقومون من خلالها برؤية العالم كله. فالإنسان بطبعه يميل إلى تبسيط طريقة نظره للعالم بين خيارين.

السبب الثاني الهام يعود إلى وصمة العار المرتبطة بمصطلح «الجانب الأيسر»، بما في ذلك الإشارة إلى الأعسر، الذي يعتمد على يده اليسرى أكثر من اليُمنى. على مر التاريخ لم يكن من المستغرب أن نشاهد الناس يعاقبون أبناءهم إذا ما استخدموا يدهم اليسرى في الكتابة أو تناول الطعام بدلًا من اليد اليمنى. كثيرٌ من الناس كان يعتبر هذا الأمر بمثابة وصمة العار. وربما يعود هذا الأمر في الأساس إلى بعض المعتقدات الدينية.

في اللغة الإنجليزية على سبيل المثال، فإن كلمة «يسار- left» مشتقة من الكلمة الأنجلوساكسونية «lyft» والتي تعني «ضعيف».

بحث نوبل

السبب الثالث يعود إلى منح بحث يتعلق بوجود وظائف مختلفة لنصفي الدماغ الأيسر والأيمن جائزة نوبل عام 1981. هذا البحث لم يقدم وصفًا واضحًا لثنائية المنطقية والعاطفية. لكن جاءت العلوم الشعبية والثقافة الشعبية، لتسيء فهم هذا البحث أو لتحرفه عن معناه الأصلي لنصل في النهاية لهذه الأسطورة.

البحث في ذلك الوقت كان قد تم لإجرائه على عدد من الناس المصابين بإصابات معينة في المخ، وقد اكتشف العلماء أن «مركز التعلم» الموجود في المخ يقع في النصف الأيسر للدماغ. كما اكتشف العلماء أيضًا أن الناس الذين يملكون نقصًا في الخلايا الدماغية في منطقتين معينتين في نصف الدماغ الأيسر نتيجة للإصابة بصدمة أو مرض دماغي ما، فإنهم يفقدون القدرة على التحدث.

وتعود هذه الدراسات في الأساس إلى حقبة الستينات من القرن الماضي، عندما قام روجر سبيري ورفاقه ببعض الأبحاث التي تخص نصف الدماغ المنفصل، ففي ذلك الوقت لم يكن يوجد علاج لأحد أنواع مرض الصرع إلا من خلال قطع الجزء الرابط بين نصفي الدماغ، إذ تؤدي عملية القطع هذه إلى عدم انتقال الصرع إلى الجزء الآخر من الدماغ.

في هذه الحالة فإن كلًّا من نصفي الدماغ يبدأ في التعلم، لكن لا يستطيع كل نصف معرفة ما تعلمه النصف الآخر لعدم وجود أي اتصالات بينهما. وحاليًا تمكن العلماء من معرفة الجزء المحدد الذي يمكن قطعه في الوصلة بين نصفي الدماغ للقضاء على هذا النوع من الصرع، دون قطع كامل الوصلة بين نصفي الدماغ.

وطبقًا لهذه الأبحاث، فقد ظهر أن لكل من النصف الأيمن والأيسر خواصًا معينة تختلف عن النصف الآخر. فالنصف الأيسر متخصص في المهام المتعلقة بالتحدث في الأمور التحليلية والبحثية، فيما يهتم الجزء الأيسر بشكل أكبر بكل ما يتعلق بالموسيقى على سبيل المثال.

إذا أردت أن تعلم كيف تذهب من بيتك إلى محطة الحافلات، فإن الجانب الأيمن هو الذي يقوم برسم الخريطة بين المكانين. هذا ما تم فهمه عن النصفين الأيسر والأيمن للدماغ في هذه الفترة، واعتبره البعض اختلافًا تامًا في الوظائف بين الجانبين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد