هل جربتم العيش في مكان واحد لفترة من الزمن مع مجموعة من النساء، ولاحظتم أنه في البدء كانت مواعيد الطمث مختلفة لدى كلٍّ منهن على فترات مختلفة من الشهر، ثم بعد فترة من حياتهن معًا، تقاربت مواعيد الطمث لدى كلٍّ منهن، إذ ربما تصبح جميعها في نهاية المطاف في يوم واحد أو يومين أو ثلاثة أيام متتاليين، يلاحظ هذا الأمر كثيرًا من يقمن في المدن الجامعية، أو دور الإقامة التي يتجمع فيها الفتيات والنساء.

الأمر ليس مجرد صدفة عابرة، ففي بحث نشرته مجلة «نيتشر»، بعنوان: «تزامن الدورة الطمثية»، وضم نحو 135 طالبة جامعية، يقمن في السكن الجامعي بكلية واسلي لمدة سنة دراسية كاملة، في تلك المدة بدا أن الدورات الطمثية لدى تلك الفتيات بدأت تتغير، وخاصة لدى الفتيات اللاتي يقضين وقتًا طويلًا معًا، وأصبحت الدورات الشهرية أكثر تزامنًا وصار عدد الدورات التي تبدأ معًا وتنتهي معًا أكبر.

مترجم: كيف تغير طريقة نطق الكلمات من فهم المخ للجمل المتطابقة؟ دراسة تفسر الأمر

المجموعات الواحدة تتواصل بصورة لا إرادية

تفترض بعض النظريات أننا نتواصل بعضنا مع بعض بصورة لا إرادية، من خلال إرسال إشارات كيميائية، تمامًا مثلما تتواصل مجموعات النحل وأسراب الطيور، وقد ثبت أن البشر أيضًا يتبادلون لا إراديًا إشارات كيميائية، تعمل على تزامن دورات الطمث عند النساء، كما تعمل على تمييز صلات القرابة بين أفراد العائلة الواحدة، وكذلك تسهم في نقل الحالة المزاجية من فرد لآخر.

الخلايا العصبية للدماغ البشري

فكثيرًا ما يحدث أن ينجح أحدهم في نقل قلقه، أو مخاوفه، أو توتره، أو حزنه لك، حتى دون أن يفعل ذلك باستخدام الكلمات والتواصل اللفظي، فمجرد وجودك في الحيز المكاني لشخص متوتر يجعل بإمكانه، في أحيان كثيرة، أن ينقل لك توتره هذا، وقد تشبه هذه الإشارات الكيميائية التي نرسلها بعضنا إلى بعض «الفيرومونات»- وهي مواد كيميائية تتكون من جزيئات عضوية معقدة تُستخدم لنقل الإشارات من حيوان للآخر- وهي موجودة في مئات الأنواع الحيوانية بما في ذلك الثدييات.

ويُعرف التوافق الزمني المشار إليه للدورات الطمثية عند النساء، باسم «أثر ماكلنتوك»، وصار سبب هذا التوافق الزمني، الذي يُعزى -وفقًا لماكلنتوك- إلى التواصل الكيميائي بين النساء مجالًا واسعًا للبحث، فوفقًا لهذا المفهوم، فإن هذا التواصل يدعم الاعتقاد الذي يرى البشر مثلهم مثل مخلوقات عديدة، تتواصل معًا بواسطة إرسال إشارات كيميائية.

الدماغ قادر على تفكيك التشابك الكيميائي الذي يصله

يُنسب أثر ماكلنتوك إلى عالمة الجينات الأمريكية باربرا ماكلنتوك التي ولدت عام 1902، وحصلت على درجة الماجستير والدكتوراه من جامعة كورنيل في علم النبات، وانضمت إلى مجموعة صغيرة من العلماء الذين يدرسون علم الوراثة الخلوية، وكانت عضوًا فعالًا بينهم، وشرعت في دراسة التحليل الجيني لحَبّات الذرة، وبعد سنوات من الدراسة والبحث، نجحت باربرا في اكتشاف تتابعات معينة من الحمض النووي، يمكنها تغيير موقعها داخل الجين. سُميت هذه التتابعات باسم «العناصر المتنقلة»، والتي غالبًا ما يشار إليها باسم «الجينات القافزة»، وعندما تُغير هذه الجينات موقعها، يمكن أن يؤثر هذا في طريقة التعبير الجيني، وهي العملية التي يجري من خلالها تحويل المعلومات من الجينات.

Embed from Getty Images

انتقال الأفكار بين البشر

ويبدي البروفيسور لندشتروم من مركز مونيل للأحاسيس الكيميائية في فيلادلفيا، تعجبه من قدرة أدمغتنا على تفكيك هذا التشابك الكيميائي الذي يصل إليها، والتي تحدث بطريقة مختلفة عن استخدامنا المادي للحواس الخمسة المتعارف عليها، فمثلًا تمييز رائحة إنسان هو أمر معتمد كلية على الدماغ، وقدرة الدماغ هذه موجودة عند الرضع، فقد بينت دراسات عديدة متعلقة بالإنسان، أن الرضع وأمهاتهم شديدو الانسجام فيما يتعلق برائحتهم، مثلما يحدث تمامًا عند بعض الحيوانات، الأمر الذي يحدث بدقة شديدة تجعل الرضع يُفضلون أجزاء الثياب التي ترتديها أمهاتهم، والتي لامست مركبات عرقهن.

2+2=5.. تاريخ «غسيل المخ» واستخدامه في الحروب ومعتقلات التعذيب

انتقال الأفكار.. إشارات كيميائية تُنتج قدرة خارقة

قد يكون بإمكان تلك الإشارات الكيميائية تفسير ما يُعرف على صعيد آخر بظاهرة «توارد الأفكار»، أو «التخاطر telepathy»، فالتخاطر هو انتقال أفكار وصور عقلية بين الكائنات الحية من دون الاستعانة بالحواس الخمسة، أو هو باختصار نقل الأفكار من عقل إلى آخر دون وسيط مادي، وكان فردريك مايرز، والذي ولد عام 1843 هو أول من استخدم هذا المصطلح عام 1882.

Embed from Getty Images

صورة تمثل المخ في حالة نشاط

ويشير مايرز إلى أن ظاهرة التخاطر تتضمن نوعًا من الاتصال غير المُدرك بين شخصين، وصاغ هذا المصطلح في عصر حفل باختراع العديد من وسائل الاتصال عن بُعد، مثل التلغراف والتليفون، مما يشير إلى أن هذه الظواهر تمثل نوعًا من تبادل الطاقات، كالذي يحدث في وسائل الاتصال تلك، وقد حظيت هذه الظاهرة بأكبر نسبة من حجم البحث التجريبي الذي قام به علماء الباراسيكولوجي.

تقنية EEG.. التنفيذ التقني لانتقال الأفكار

ويعتقد المهتمون بهذا العلم أن التخاطر كان طريقة الاتصال بين البشر في العصور القديمة، وأنه مع التطور العلمي والتقني ضعفت هذه القدرات في الإنسان، بحيث فقد القدرة على ما يرون أنه ربما يكون اتصالًا عقليًّا أو روحيًّا، كما كان حال سابقيه في العصور القديمة، وأصبح التخاطر قليلًا جدًّا إلى الدرجة التي أصبح معها ظاهرة نادرة جدًّا، وتُعد بدرجة كبيرة من الخوارق، إذ يحتاج تحقيقه الوصول إلى درجة عالية من الشفافية والنقاء الروحي.

انتقال الأفكار بين شخصين بواسطة تقنية مساعدة

على صعيد آخر تمكن مجموعة من العلماء من تحقيق التخاطر عبر التقدم التقني، بعد أن عرفوا أن الدماغ ينقل الرسائل كإشارات كهربائية عبر الأعصاب، ووجدوا أنهم قد لا يستطيعون ربط رؤوس كل فرد من خلال شبكة ضخمة من الأعصاب، ولكنهم توصلوا إلى إنه يُمكن قراءة النشاط الكهربائي من خلايا الدماغ باستخدام الأجهزة الإلكترونية؛ ثم نقل الإشارة، تمامًا مثلما تفعل شبكة الإنترنت في تأدية عملها، ثم يُعيدون الإشارة إلى نشاط خلايا الدماغ في الطرف الآخر، وبالتالي تتحقق لهم عملية نقل الأفكار، وهي التقنية التي تُعرف باسم EEG، وهذا ما قام به عالم الأعصاب كارلوس جراو من جامعة برشلونة وزملاؤه عام 2014، عندما بدأوا بتأسيس تجربة ذكية تعتمد على نقل الإشارات التي التقطت بهذه التقنية.

كيف يؤدي النوم السيىء إلى أن يأكل المخ نفسه حرفيًا؟

علامات

علوم

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد