هل لديك مشكلة مع إنتاج أفكار إبداعية وخلَّاقة؟ هل يجد فريق عملك صعوبة في الانسجام؟ إليك الحل السحري لإنتاج أفكار إبداعية: «العصف الذهني brainstorming».

هكذا يقدم مدربو التنمية البشرية وبعض المدربين والمديرين طريقة العصف الذهني باعتبارها الطريقة المثلى للتفكير الجماعي. إنها طريقة عظيمة لإعطاء الناس إحساسًا بالمشاركة، وكذلك لتشغيل خيالهم، إلا أننا إذا بحثنا عن أي تأصيلٍ علميٍ لطريقة العصف الذهني في حل المشكلات أو في إنتاج أفكار جديدة لن نجد أيَّ دلائل علمية تُشير إلى أنَّها طريقة جيدة للتفكير أو حل المشكلات، بل إننا سنجد أن العلم يدحض طريقة العصف الذهني في كل مرة يخضعها للاختبار.

التاريخ المبكر للعصف الذهني

كان «أليكس أوزبورن» رجل أعمال ناجحًا بحقٍ في ستينيات القرن الماضي، أسس أوزبورن وكالة BBDO للدعاية والإعلان في وقت انتعاش الليبرالية الأمريكية وايدولوجية السوق المفتوح، كانت الفرصة مواتية له تمامًا فالاقتصاد القائم على السلع الاستهلاكية يحتاج إلى ماكينة عملاقة من التسويق والإعلانات. لمع نجمه مع إعلانات شركة «جنرال موتورز»، ولم يمض الكثير حتى نجح أوزبورن في إقناع كبرى الشركات الأمريكية أن تُسوّق لها وكالته.

كانت إعلانات أوزبورن إبداعية بحق وتستخدم خيال المستهلكين لذلك أحبها الجميع، وبعد كل هذه النجاحات قام أوزبورن بتأليف عدَّة كتب حول قصة نجاحه، أهم هذه الكتب هو «الخيال التطبيقي» (بالإنجليزية Applied Imagination)، والذي قدَّم فيه للعالم لأول مرة طريقة العصف الذهني لحل المشكلات والتفكير الإبداعي.

ادَّعى أوزبورن في كتابه أنَّ هذه الطريقة كانت هي محور عمل وكالته الإعلانية، وأنها مفتاح نجاحه؛ ومن وقتها تلقَّف العالم هذه الطريقة وظلَّ يطورها ويُقدم منها أشكالًا مختلفةً باعتبارها الطريقة المثلى في التفكير.

إن نجاح هذه الطريقة وانتشارها اعتمد على نقطتين رئيستين: الأولى كانت نجاح أوزبورن نفسه؛ فالرجل قد بدأ من الصفر، وأسَّس إمبراطورية في الدعاية والإعلان، وأصبح مليونيرًا وفق قواعد عصره، ولكن الحقيقة أن نسب كل الفضل إلى ذكاء أوزبورن وحده أو إلى طرقه الإبداعية للتفكير، كالعصف الذهني وغيره، يُعدُّ ظلمًا فادحًا؛ فالإعلانات الإبداعية التي قدمها أوزبورن، وإن كانت إبداعية بالنسبة لعصره؛ فمن الخطأ أن ننتزعها من السياق التاريخي لها، جاءت الإعلانات في الستينيات و السبعينيات ومع بداية انتشار أجهزة التليفزيون في الولايات المتحدة، وبالطبع لم تكن هناك شركات كافية لسد هذا المكان، الأمر الآخر الذي يجب أن نأخذه بالاعتبار أن صناعة الاعلانات ازدهرت بشكل واضح خلال الستينيات والسبعينيات في الأسواق الأمريكية ازدادت أرباح كل شركات الإعلانات بلا استثناء في ذلك الوقت وازدهرت الصناعة نفسها، وبالطبع ازدهرت معها أعمال أوزبورن أيضًا.

(إعلان من إنتاج شركة أوزبورن لشركة «بول أرمسترونج» للأثاث)

النقطة الثانية التي اعتمد عليها العصف الذهني لانتشاره هي غموض الإبداع من الناحية العلمية، فحتى اليوم تقف العلوم الحيوية والسلوكية عاجزة أمام العملية الإبداعية وبدون معرفة حقيقية لأسبابها والظروف التي تحدث فيها، ولذلك فعندما قدّم أوزبورن نظريته للمرة الأولى لتفسير العملية الإبداعية كانت مجرد رؤية فلسفية للعملية الإبداعية ولم تكن العلوم الطبيعية قد تطورت كفاية لدحض النظرية عن طريق الاختبار.

لم يحاول أوزبورن وضع أي تأصيل علمي لنظريته، ولم يكلّف نفسه حتى عناء إجراء الأبحاث والاختبارات لتأكيد نظريته، وفي الحقيقة فإن الرجل لم يقدم نفسه أبدًا كرجل علم، فرغم حصوله على ماجستير في الفلسفة إلا أنه لم يشر إليه كثيرًا في كتابه، كان الرجل على أحسن حال ينتج في مؤلفاته ما يمكن أن نسميه بالمعرفة الشعبية Popular Knowledge وكان همّه الأكبر في تحقيق أعلى المبيعات من كتبه، وبخبرته في التسويق والدعاية والإعلان سوّق لنظرياته بين العامة فأصبحت موجودة حتى يومنا هذا.

رأي العلم

يقول جوردان تور مؤلف كتاب «إدارة الأشخاص المبدعين» – (Gordon Torr, Managing Creative People) عن عملية العصف الذهني:

«حتى الآن فإن أكثر الأمثلة وضوحًا على كيفية تحويل العملية الإبداعية إلى فشل هو العصف الذهني، إن طريقة العصف الذهني لم تعمل من قبل، ولن تعمل أبدًا، لم أستطع أن أجد دليلًا علميًّا واحدًا على نجاح العصف الذهني. وفي الحقيقة إنني لم أستطع التوصل إلى أي فكرة برّاقة خرجت بسبب جلسات العصف الذهني منذ ١٩٦٥ وحتى يومنا هذا، وحتى إذا كانت هناك فكرة جيدة قد خرجت من هذه الجلسات فهي عادة بسبب أن صاحب الفكرة يتمتع بدرجة جيدة من الإبداع وليس بسبب استخدام هذا التكنيك، العصف الذهني».

بشكلٍ عام كلما وضع علماء النفس السلوكي وكذا علماء الأعصاب، طريقة العصف الذهني تحت الاختبار، جاءت النتيجة بفشل العصف الذهني في مواجهة أي طريقة أخرى للتفكير، كان آخر هذه الأبحاث في عام 2014 حينما توصل العلماء إلى أن التفكير الفردي أفضل من العصف الذهني من حيث جودة الأفكار وكذلك توفير الوقت والجهد.

فى مقالة لجريدة نيويوركر يؤكد عالم الأعصاب جون ليهر على الأمر نفسه «يبدو العصف الذهني كطريقة ممتازة لإشراك الجميع، غير أنه هناك مشكلة واحدة و هي أنه لا يعمل».

وفي مقالة علمية أخرى نشرت عام ٢٠١١ من قبل العالمان نيكولاس كون وستيفين سميث، توصلت المقالة إلى أن العصف الذهني غير فعّال بأي شكل مقارنة بأشكال التفكير وحل المشكلات الأخرى، ركزّت الدراسة أيضًا على ما يمكننا ترجمته «بالتواكل الاجتماعي» social loafing وهو أن الأشخاص الذين يعملون في مجموعات يصبحون أقل إنتاجية نظرًا لكونهم يعتمدون على الآخرين في إنجاز العمل.

هل يحتاج الإبداع إلى طرق؟

النقطة الأهم بالنسبة للعصف الذهني، والتي بنى شعبيته عليها، هي أنه تم استخدامه من مدربي ما يسمّى بالتنمية البشرية لإعطاء جميع أفراد المجموعات المختلفة الإحساس بأنهم قادرون على الإبداع، فإنتاج المجموعة هو بالضرورة إنتاج كل فرد فيها، ولكن العلم حتى اليوم لم يصل إلى حقيقة ما إذا كانت العملية الإبداعية شيئًا يولد به الإنسان أم أنَّها صفة مكتسبة، أي أننا لا ندري هل الإبداع يتطلب صفات بيولوجية معينة أم أن كل العقول البشرية قادرة على التفكير الإبداعي بنفس المستوى إذا ما توافرت لها ظروف معينة.

وبالطبع فإننا كبشر مازالت معرفتنا في طور التطوير فيما يخص التفكير والقدرة على الإبداع عند المخ البشري، فقديمًا ظنّنا أن الحاجة أم الاختراع وبالتالي أم الإبداع، فالإنسان يبدع عندما يحتاج إلى ذلك وتضطره الظروف إلى خلق حلول لمشاكله، ولكن مع تطور النظريات في علم النفس ومعرفتنا بما يسمَّى بـ«هرم ماسلو للحاجات الإنسانية» فإننا نظن أن الإنسان يكون أكثر إبداعًا عندما تتوافر لديه كل سبل وطرق الراحة والاطمئنان.

ولكن حتى يحسم العلم موقفه من القدرة على الإبداع وحتى نعرف تحديدًا ما هي الظروف التي يصل التفكير الإبداعي لدى الإنسان فيها إلى أقصى حالاته يمكننا أن نتأكد أن العصف الذهني ربَّما لا يكون طريقة جيدة لتوليد هذا الإبداع.

عرض التعليقات
تحميل المزيد