2,135

في 13 ديسمبر (كانون الأول) عام 2005، فاجأت البرازيل الجميع حينما أعلنت وزارة المالية البرازيلية أنها سوف تسدد جميع ديونها البالغة 15.5 مليار دولار إلى صندوق النقد الدولي قبل موعدها بعامين، ويبدو أن ذلك الإعلان قد أثار حماسة الرئيس الأرجنتيني نيستور كيرشنر ليندفع ويعلن هو الآخر -بعد يومين فقط من إعلان البرازيل- أن بلاده سوف تدفع جميع الديون التي تصل إلى 9.8 مليار دولار إلى صندوق النقد الدولي قبل موعدها أيضًا، وقال الرئيس الأرجنتيني أيضًا: إن سداد الديون لصندوق النقد «سوف يولد الحرية لاتخاذ قرارات وطنية».

أيًّا كانت درجة تورط الاقتصاديات، فيبدو أن التملص من وصاية صندوق النقد الدولي يعتبر دائمًا سياسةً جيدةً بما يُظهر من نتائج، بخاصة في أمريكا اللاتينية التي كانت من المناطق الأولى في العالم المتورطة مع الصندوق؛ فما بين عامي 1975- 1983 نما إجمالي ديون أمريكا اللاتينية بمعدل سنوي قدره 20.4%، أي أن الديون كانت تزيد كل عام بأقل قليلًا من الربع، فكان إجمالي الديون في أمريكا اللاتينية قبل التورط مع الصندوق 75 مليار دولار كانت خدمتهم السنوية لا تزيد على 12 مليار دولار، وبحلول عام 1983، ارتفعت الديون إلى 314 مليار دولار مع خدمة ديون وصلت إلى 66 مليار دولار سنويًّا.

يعيد خلق العالم على صورته.. كيف يبشر «صندوق النقد» بـ«دين» أوحد للتقدم؟

كيف تخلصت البرازيل من صاحب الحقيبة السوداء الذي يوجه اقتصادها؟

كانت أمريكا اللاتينية غارقة حتى أذنيها في ديون صندوق النقد الدولي والمصارف التجارية العالمية التي دائمًا ما تأتي في ركاب الصندوق، ما مهد للعديد من الأزمات التي تفجرت في أنحاء المنطقة في ما بعد، مع عجز معظم الدول عن سداد أقساط ديونها، حتى البرازيل نفسها كانت قد أعلنت تعليق تسديد خدمة ديونها الدولية عام 1982، وبحلول أكتوبر (تشرين الأول) عام 1983، اضطرت 16 دولةً من دول أمريكا اللاتينية إلى إعادة هيكلة ديونها، ومع إعادة الهيكلة، سددت دول أمريكا اللاتينية بين عامي 1982- 2000 خدمة لديونها فقط، مبلغ 1.45 تريليون دولار، أي أكثر من أربعة أضعاف مجموع الدين عام 1982.

لجأت البرازيل إلى صندوق النقد الدولي من جديد عام 2002 للحصول على قروض حتى لا تتخلف عن سداد ديونها المتراكمة عليها، في حين قال وزير المالية البرازيلي أنطونيو بالوتشي إن حكومته ستوفر نحو 900 مليون دولار من تكاليف الفائدة إذا قامت بتلك الخطوة، أما في واقع الأمر فقد كانت دوافع البرازيل هي التملص من قبضة صندوق النقد الدولي لتتمكن من اتخاذ قرارات اقتصادية مستقلة تناسب أوضاعها الاقتصادية الصعبة، بعيدًا عن وصاية الصندوق والولايات المتحدة والمؤسسات الغربية.

فكان من المقرر أن تجري انتخابات رئاسية في البرازيل في أكتوبر عام 2005، عام ركل فيه الرئيس البرازيلي لولا داذ سيلفا الصندوق وأخرجه من البلاد، وكان دا سيلفا يستعد لخوض معركة الانتخابات الصعبة من أجل الفوز بفترة رئاسية ثانية، فكان قرار سداد جميع الديون للصندوق قرارًا تاريخيًّا أراد به الرئيس إرضاء الشعب البرازيلي وأنصاره اليساريين. ذلك الشعب الذي لطالما عانى من نتائج برامج التكييف الهيكلي التي أجبر الصندوق الحكومة البرازيلية على اتخاذها من جديد على مدار السنوات الثلاث الماضية، وما قبل تولي دا سيلفا الحكم.

نتائج اقتصادية لم تكن سارة إلا في ما يتعلق بزيادة الاحتياطيات الأجنبية البرازيلية نتيجة عمليات الخصخصة، والتدفقات النقدية الأجنبية بسبب أسعار الفائدة المرتفعة التي وصلت إلى 25% عام 2003. حتى ارتفعت الاحتياطيات إلى 67 مليار دولار، وهي الاحتياطيات التي ستُمكن البرازيل من سداد جميع ديونها للصندوق قبل موعدها، ومن ثم إلقاء سياسات الصندوق في سلة المهملات، وعودة «الحكم الذاتي في الإدارة الاقتصادية».

لولا دا سيلفا.. الرئيس الذي يحبه الشعب رغم اعترافه بالفساد والرشوة

يمكن القول إنه قبل إدارة دا سيلفا لم تكن البرازيل قادرةً على السيطرة على البرازيل، فكان ممثل صندوق النقد الدولي يهبط في البرازيل بحقيبة سوداء صغيرة كل فترة لمعرفة هل تقوم البلاد بتنفيذ سياسات الصندوق. سياسات أدت إلى خفض الاستثمار وفرص العمل والإنفاق على البرامج الاجتماعية، ورفع مستويات الفقر، إذ كان يعاني نحو 40 مليون برازيلي من جوع مزمن أو دائم. واستمر الحال بعد تولي دا سيلفا الحكم حتى عام 2005.

وقبيل تولي دا سيلفا ذهبت حكومة الرئيس فرناندو كاردوسو لتوقع على قرض مع الصندوق بقيمة 41.75 مليار دولار، حتى تعهد جميع المرشحين للرئاسة وقتذاك بدفعه. حتى اتخذ دا سيلفا القرار التاريخي عام 2005 بدفع جميع الدين المتبقي.

مقارنة بين وضع الاقتصاد البرازيلي أثناء التعامل مع الصندوق وبعد الطلاق منه

وبالنظر إلى فترة ما قبل ذلك القرار، فقد كان الاقتصاد البرازيلي يعاني من تدني المؤشرات الاقتصادية الكلية. وفق قاعدة بيانات البنك الدولي، فقد بلغ نمو الناتج المحلي الإجمالي عام 2003 حوالي 1.1%، ونما الناتج المحلي الإجمالي للفرد بنسبة سالب 0.2، بينما بلغ معدل التضخم 14.7%، وبلغ معدل البطالة 13.7%.

فاز دا سيلفا بفترة رئاسية ثانية، وبدأ في الانفصال عن سياسات الصندوق حينما دفعت البرازيل كامل ديونها قبل موعدها بعامين، لتبدأ مؤشرات الاقتصاد في التحسن تدريجيًّا. فعند مقارنة المؤشرات وفقًا لبيانات البنك الدولي في عامي 2003 و2007، أي قبل دفع ديون الصندوق بعامين، وبعد الانفصال عنه ودفع كامل الدين بعامين؛ يتضح مدى تحسن الاقتصاد البرازيلي تحسنًا لافتًا.

كيف استطاعت آيسلندا أن تهزم النِّظام العالمي؟!

فيوضح الرسم البياني التالي نسبة زيادة الناتج المحلي الإجمالي التي وصلت إلى 6.1% عام 2007، مقارنةً بـ1.1% عام 2003:

أما الناتج المحلي الإجمالي للفرد فقد ارتفع من تحت الصفر عام 2003 إلى نحو مذهل بلغ 5% عام 2007، كما يوضح الرسم البياني التالي:

ولم يكن معدل التضخم أقل حالًا، فقد عانت البرازيل من معدلات تضخم مرتفعة خلال حقبة الزواج بصندوق النقد الدولي، ففي عام 2007، انخفض معدل التضخم ليصل إلى 3.6% فقط نزولًا من 14.7% عام 2003، كما يوضح الرسم البياني التالي:

كما انعكست نتائج الانتعاش في أداء الاقتصاد على معدل البطالة أيضًا الذي كانت تعاني منه البرازيل في عهد صندوق النقد الدولي؛ إذ انخفض معدل البطالة إلى 10.9% عام 2007 بعد أن كان 13.7% عام 2003، وفقًا لتقديرات منظمة العمل الدولية، كما يوضح الرسم البياني التالي:

وتعني المؤشرات السابقة وغيرها أن الاقتصاد البرازيلي حقق قفزاتٍ حينما خرج من طوع صندوق النقد الدولي، ويمكن ملاحظة أن العصر الذهبي للاقتصاد البرازيلي -بوصفه أحد الاقتصادات الناشئة ذات الأداء القوي من بين اقتصادات العالم- قد بدأ عقب عام 2005، بعد خروج الصندوق من البرازيل، حتى تحولت البرازيل إلى دولة دائنة لأول مرة منذ عقود طويلة كانت خلالها غارقة في الديون، ففي عام 2009، قدمت البرازيل الأموال إلى صندوق النقد الدولي لمساعدة البلدان النامية في الأزمة المالية العالمية، إذ قدمت نحو 10 مليارات دولار.