يبدو أن خريف اليسار قد وصل البرازيل أيضا، بعدما لحق كل من الأرجنتين وفنزويلا، فها هي موجة احتجاجات جديدة تضرب بلاد السامبا، مهددة عرش الرئيسة البرازيلية ديلما روسيف بالإطاحة، على خلفية قضايا فساد.

قاد حزب العمال اليساري الاقتصاد البرازيلي في عهد لولا داسيلفا إلى أن يصبح الأعظم في أمريكا اللاتينية، لكنه يواجه حاليا تحديات جدية مع رئاسة ديلما روسيف، بسبب فضائح مالية قد تؤدي ببعض قيادات الحزب إلى السجن، بما في ذلك روسيف ولولا.

مظاهرات غاضبة في البرازيل

شهدت الأيام الأخيرة في البرازيل مظاهرات حاشدة، بلغت ذروتها خلال مسيرة الأحد 13 مارس (آذار) 2016، حين وصلت أعداد المتظاهرين الثلاثة ملايين، وشارك مئات الآلاف في مظاهرة أمس بساوباولو.

وخرج البرازيليون في أكثر من 200 مدينة تنديدا بفضائح الفساد التي تخرج إلى العلن واحدة تلو الأخرى، مرددين شعارات تطالب رئيسة البرازيل ديلما روسيف بتقديم استقالتها، ومحاكمتها قضائيا مع حاشيتها في السلطة.

ولأن الفرصة لا تأتي دائما، بادرت المعارضة البرلمانية إلى إعلان تأييدها لمطلب المسيرات الشعبية باستقالة ديلما روسيف من الرئاسة. من جانبها، أقرت رئيسة البرازيل بـ«حق الشعب في النزول للتظاهر في الشوارع»، لكنها دعت إلى التهدئة وتفادي العنف والصدامات خلال المظاهرات.

ديلما روسيف التي انتخبت رئيسة سنة 2011 للبرازيل خلفا لرفيقها لولا داسيلفا، هي أول امرأة تحكم البرازيل، وتحظى بشعبية لدى البرازيليين نتيجة سياساتها الاقتصادية المتعاطفة مع الطبقة الفقيرة، بيد أنها تواجه حاليا أسوأ اختبار لشعبيتها أمام قضايا الفساد التي تطارد حكومتها، وتلطخ سمعة حزبها اليساري (حزب العمال).

وقد بدأت المظاهرات في البرازيل ضد حكومة الرئيسة ديلما روسيف منذ دورة كأس العالم 2014 الماضية، على خلفية الركود الاقتصادي الذي طال البلاد، ومنذ ذاك الحين صارت المسيرات الاحتجاجية سلاح الشارع البرازيلي في كل فضيحة فساد تنكشف على وسائل الإعلام.

سبب هذه الاحتجاجات

اجتمعت عدة عوامل لتفجر المظاهرات الغاضبة في البرازيل، فبعد القفزة الاقتصادية المهمة، التي حققتها البرازيل في العقد الأول من الألفية الجديدة، مر بعدها الاقتصاد البرازيلي في حالة ركود، هو الأسوأ في تاريخ البلاد. وفي ظل تبعات هذا الركود ظهرت حركات شعبية -وأبرزها حركة (هيا إلى الشارع)-  تتخذ لها الشارع منصة للاحتجاج في كل مناسبة.

لكن ما يزيد هذه الاحتجاجات في البرازيل اشتعالا هي قضايا الفساد التي تتكشف خيوطها شيئا فشيئا أمام شاشات التلفاز، وبالتحديد فضيحة الفساد المعروفة بـ «لافا جاتو»، حيث كشفت التحقيقات، وفق ما نقلته «لوموند» الفرنسية أن شركة النفط الحكومية بتروبراس قبلت رشاوى مالية ضخمة، من أجل عقد صفقات مخفضة مع أعضاء  حزب العمال اليساري الوسطي، الذي تنتمي إليه ديلما، وهو من يتولى السلطة منذ عام 2003.

ورغم أن ديلما روسيف سبق لها أن ترأست إدارة شركة بتروراس لمدة سبع سنوات، إلا أنه حتى الآن لم يكشف عن دليل لتورطها في فضيحة الفساد الكبرى في البرازيل، وإن كان أحد الشهود يتهم الرئيسة البرازيلية بتمكين أحد وزرائها في شغل منصب بالمحكمة العليا للمساعدة في إطلاق سراح بعض المديرين التنفيذيين المتهمين في تلك الفضيحة.

بيد أن الأمر لم يقف عند هذا الحد، الرئيس السابق، والذي يرجع له الفضل في نهضة اقتصاد البرازيل، لولا دا سيلفا، هو الآخر وصلته نيران فضيحة بتروبراس، إذ يشتبه بتورطه في فساد وتبييض أموال في إطار الشركة النفطية الحكومية، وقد اعتقلته الشرطة الاتحادية للتحقيق في 4 مارس (آذار) من الشهر الجاري.

وبعدها بأيام قليلة، أصبح لولا داسيلفا رئيس ديوان الحكومة، بعدما عينته الرئيسة الحالية ديلما روسيف، وهو ما أثار عاصفة غضب لدى المعارضة البرازيلية وجناح القضاة، حيث اعتبر تعيينه في منصب يمنحه الحصانة، محاولة من روسيف، رفيقته في الحزب، للإفلات من التحقيق.

هل هي معركة شعبية بين الأغنياء و الفقراء؟

لفهم الجدل الدائر في البرازيل حاليا، لا بد من إدراك أن الشارع البرازيلي يعيش استقطابا حادا، بين اليسار الذي تتزعمه ديلما روسيف، رئيسة البرازيل، والمعارضة البرلمانية، التي تؤيدها طبقة الأثرياء.

عاشت البرازيل ازدهارا اقتصاديا واجتماعيا في عهد لولا داسيلفا، المعروف بانحيازه للفقراء، وهو ما منح شعبية عارمة لليسار في بلاد السامبا، مكنته من تقلد السلطة منذ 2003، وقد تآكلت شعبية الحزب في الآونة الخيرة مع تراجع الاقتصاد البرازيلي وأزمة الفساد التي تضرب البلاد خلال ولاية روسيف، إلا أنه لا يزال يحظى بدعم الطبقات المتواضعة.

وتشارك الطبقة الغنية والمتوسطة في المظاهرات المناهضة لروسيف، بينما أنصارها من الطبقة الشعبية يساندون الرئيسة البرازيلية في معركتها القضائية، ويتهمون القضاة بتصعيد الأمور، كما أعلنوا أنهم سينظمون اليوم 18 مارس (آذار) 2016، مظاهرة ضد ما أسموه «الانقلاب القضائي»، تأييدا لروسيف.

وكان القاضي الاتحادي، سيرغي مورو، قد سرب الأربعاء 16 مارس (آذار) الجاري، إلى وسائل الإعلام، مكالمة هاتفية مسجلة بين الرئيسة ديلما روسيف وبين لولا دا سيلفا، الرئيس السابق، السلوك الذي اعتبرته روسيف «غير قانوني ويتنافى مع الديموقراطية»، وتعهدت بمتابعة القاضي المسؤول عن التسريب.

إذا يبدو أن هناك انقساما مجتمعيا عميقا بين سكان البرازيل البالغ عددهم 300 مليون نسمة، وتدور هذه المعركة في أروقة البرلمان والقضاء والإعلام، بين أنصار اليسار ومعارضيه، ومن جهة أخرى لا يستبعد البعض أن تكون هذه الهبة الاحتجاجية مفتعلة، ومدعومة من الخارج، للإطاحة باليسار في أمريكا اللاتينية.

تحديات تواجه البرازيل في ظل الاحتجاجات

أمام المظاهرات الصاخبة، التي تعيشها بلاد السامبا، للإطاحة بالرئيسة الحالية ديلما روسيف، يخشى مراقبون من انزلاق الوضع إلى عنف ومصادمات، وهو ما سبق لديلما أن حذرت منه، مما يهدد البلاد بالعودة إلى الحكم العسكري الذي تخلصت منه البرازيل عام 1985م.

ومن شأن استفحال الاحتجاجات الحاشدة التي تجتاح البرازيل، أن تؤثر في الوضع الاقتصادي و السياسي للبلاد، وتصعب الاستجابة للرهانات التي تؤرقها.

وتواجه البرازيل رهانات صعبة في الفترة الحالية، حيث تعيش منذ بداية العام الجديد حالة رعب، إثر اجتياح وباء « زيكا » أراضيها، واشتباهه في التسبب في ما لا يقل عن أربعة آلاف طفل مصاب بـ«صغر الرأس»، ولم يعثر له علاج حتى الآن فيما يواصل الانتشار بين ساكنتها. كما أن أرض السامبا تستعد لاستضافة الألعاب الأولمبية العالمية الصيف القادم، من 5 الى 21 أغسطس/آب في ريو دي جانيرو.

ويرتقب في الأيام القادمة تكشف الكثير من خيوط فضيحة الفساد التي تضرب البرازيل، والتي ستطيح بدون شك، إذا ما ثبتت، بالسمعة الجيدة التي راكمها حزب ديلما روسيف طوال 14 سنة، فهل هي نهاية اليسار في البرازيل إذن؟! ربما سنعرف ذلك قريبا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد