عمليات التصحر وإزالة الغابات بفعل الإنسان لم تتوقف عبر التاريخ؛ بل تزيد يومًا بعد يوم، وفي الفترة بين عامي 2001 و2015، كان السبب وراء ما يقرب من ثلثي عمليات إزالة الغابات في العالم، هو صناعة المُنتجات والسلع الاستهلاكية مثل الورق، والزيوت، ومنتجات الألبان، واللحوم.

طبقًا لوزارة الزراعة الأمريكية؛ تعد البرازيل أكبر مُنتج ومصدر لمُنتاجات اللحوم في العالم، إذ تساهم بنسبة 20% من مجمل إنتاج اللحوم في العالم، وفي عام 2018 فقط صدرت البرازيل حوالي 572 ألف طن مكعب من اللحوم، ومتوقع أن يصل هذا الرقم إلى 2.9 مليون طن مكعب بحلول عام 2028.

وتتركز معظم مزارع الماشية في غابات الأمازون، وتقدر مساحة المزارع القانونية وغير القانونية على نحو 450 ألف كيلو متر مربع، وهي مساحة تزيد عن مساحة دولة المغرب. هذه المزارع كانت السبب الرئيسي في حالات اقتلاع الأشجار وإفسادها وتصحر مساحات خضراء شاسعة، وتقول الإحصائيات أن في الفترة بين عامي 2000 و2019، فقدت غابات الأمازون ما يقرب من 244 ألف كيلو متر مربع!

البقرة بدل الشجرة

تعلمنا جميعًا خلال سنوات الدراسة؛ أن الأشجار والنباتات تتغذى من خلال عملية البناء الضوئي، التي تمتص فيها غاز ثاني أكسيد الكربون المضر، ثم تطلق غاز الأكسجين المفيد. ومؤخرًا عندما زادت وتيرة حملات التوعية ضد أضرار التغير المناخي العالمي؛ عرفنا أن غاز ثاني أكسيد الكربون هو أحد أهم الأسباب، إن لم يكن أهمها، في عملية الاحتباس الحراري التي تؤدي للتغير المناخي؛ وهنا أدركنا أهمية الأشجار والنباتات الخضراء.

لكن ما علاقة هذا بما يحدث في غابات الأمازون؟ الإجابة ببساطة وجود 223 مليون كائن حي من الماشية يتنفس ويخرج منها ثاني أكسيد الكربون، وفي الوقت نفسه يتغذى على الأشجار بهذا الشكل الجائر، ثم يخرج منه فضلات عضوية لا يوجد نظام واضح للتخلص منها؛ كل هذا تنتج عنه كمية ثاني أكسيد كربون عالية جدًا، لدرجة تفوق قدرة الأشجار والنباتات المتبقية في الأمازون على امتصاصها.

قتل المساحات الخضراء من خلال اقتلاع الأشجار لبناء المزارع، أو منح الماشية الفرصة للتغذي على الحشائش الخضراء في الأمازون، ليست الأسباب فقط لزيادة ثاني أكسيد الكربون؛ بل هناك نشاطات أخرى مثل حرق الأشجار للتخلص منها هربًا من المساءلة القانونية بعد اقتلاعها بدون الحصول على ترخيص حكومي.

الاحتراق كما هو معروف أيضًا من أخطر الأنشطة التي ينتج عنها كميات كبيرة جدًا من غاز ثاني أكسيد الكربون. وقد اتهم الكثير من المحللين والمسؤولين الحكوميين هؤلاء المزارعين وحملوهم مسؤولية حريق غابات الأمازون في العام الماضي، يذكر أن هذا الحريق دمر حوالي 5 مليون فدان من الأشجار والمساحات الخضراء.

البرازيل تحتل قائمة أكثر 20 دولة من المساهمين في انبعاث ثاني أكسيد الكربون الذي يعزز الاحتباس الحراري ويزيد أزمة التغير المناخي سوءًا، ويذكر أن البرازيل ينبعث منها حوالي 1.9 مليار طن من الكربون، وهذا يجعل متوسط نصيب المواطن البرازيل الواحد حوالي 9.3 طن سنويًا، وهذا أعلى من المتوسط العالمي الذي يساوي 7.2 طن. لكن يجب أن تعلم أن التصحر يساهم بنسبة 44% من هذه الأزمة.

وحجم الاستثمارات يعرقل عملية إنقاذ الأمازون

اللحوم البرازيلية دائمًا ما تتوفر في الأسواق بسعر رخيص؛ والسبب غابات الأمازون، حيث تعيش الماشية وتأكل من النباتات الطبيعية الصحية وتشرب من مياه نهر الأمازون، فضلًا عن توافر الدعائم الطبيعية الأخرى، مثل المُناخ المعتدل في معظم أيام السنة.

Embed from Getty Images

كل هذه العوامل الإيجابية جعلت من المساحات الشاسعة من غابات الأمازون المطيرة في البرازيل بيئة جيدة لكي تنمو الماشية وتكتسب حجم كبير وتتكاثر بشكل سريع؛ لا عجب أن البرازيل حاليًا تمتلك أكثر من 223 مليون رأس من الماشية، وتوافر عنصر الكثرة في الماشية يساهم أيضًا في رخص سعرها.

على الرغم من الشجب والنقد العالمي لما يحدث من تصحر غابات الأمازون؛ فإن صناعة اللحوم في البرازيل كانت ولم تزل عنصر جذب للمستثمرين من كافة أنحاء العالم؛ ولم لا؟ يكفي أن تعرف أن شركة «JBS» حققت عوائد مالية تقدر بحوالي 53 مليار دولار تقريبًا في عام 2020 فقط.

شركة «JBS» هي أكبر كيان مُنتج لمُنتجات اللحوم في العالم، وهي برازيلية في الأصل، لكن بعد وضع مليارات الإستثمارات الدولية فيها؛ تحولت إلى مجموعة شركات كبرى تحت راية أمريكية في عام 2007.

في عام 2020 أيضًا أصدر قسم أبحاث تصحر الغابات في مؤسسة «Chain Research Reaction» تقريرًا تقصى فيه تقريبًا حوالي 60 ألف من مزارع وحقول الماشية التي إدارتها أو تعاملت شركة «JBS» في البرازيل، في الفترة بين عامي 2008 و2019، ووجد التقرير أن هذه المزارع كانت مسئولة عن تصحر حوالي 203 كم مربع من غابات الأمازون.

شركة «JBS» لا تتوقف عن النمو عام تلو الآخر، ففي العام الماضي فقط اقتحمت السوق الصيني بعد حفنة كبيرة من الاستثمارات جعلتها تتعاقد مع أكثر من 50 ألف متجر في كافة أنحاء الصين وهونج كونج لتوريد اللحوم، وتوريد كمية من اللحوم البرازيلية التي تصدرها إلى المنطقة بنسبة 53% لتصل إلى 27% من مجمل القيمة التي تصدرها كل عام.

لكن المجتمع المدني يتصدر مشهد الدفاع عن الأمازون

الغليان ضد ما يحدث في البرازيل يتصاعد يوم تلو الآخر، وإذا نظرنا إلى الإحصائيات فسوف نجد تراجع المبيعات البرازيلية إلى 27 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي بنسبة 18٪ عام 2019، ثم عادت للتراجع مرة أخرى بنسبة 15.4% عام 2020، وفي الفترة بين يناير (كانون الثاني) ومارس (آذار) من العام الحالي انخفضت بنسبة 1.8%، بينما تراجعت مجمل المنتجات البرازيل الموردة للاتحاد الأوروبية هي الأخرى بنسبة 9.6%.

يذكر أنه في أبريل (نيسان) عام 2019؛ أعلن الاتحاد الأوروبي وقف 20 شركة أوروبية تستورد اللحوم البرازيلية وتوردها في مناطق مختلفة من الاتحاد الأوروبي؛ هذه الشركات كانت تصدر حوالي 35% من مجمل منتجات اللحوم الموردة لدول اتحاد القارة العجوز.

Embed from Getty Images

طبقًا للتقارير المالية؛ فإن «JBS» تعتمد على المستثمرين الأوروبيين في تكوين ثلث رأس المال الذي توظفه في مزارع الماشية في غابات الأمازون. لكن يجب الإشارة إلى أن الشركات التي أوقفها الاتحاد الأوروبي عام 2019 لم تكن تتضمن أي شركة أوروبية تتعامل مع شركة «JBS» المتهم الأكبر في الأزمة البرازيلية!

وتقول التقارير المالية حتى هذه اللحظة أنه لا توجد تحركات رسمية من الهيئات أو الكيانات الحكومية تجاه شركة «JBS» ومثيلاتها ممن يشتركون في جريمة تصحر غابات الأمازون بسبب صناعة اللحوم. لكن على النقيض فإن مؤسسات المجتمع المدني العالمية لا تكل السعي في طريق الاعتراض على ما يحدث في البرازيل.

حتى أنه في عام 2019 تمكنت المؤسسات المدنية من جمع توقيعات من 251 شخص وكيان استثماري يملكون حوالي 17.3 تريليون دولار أمريكي؛ كلهم رافضين لأفعال التصحر في الأمازون، وفي عام 2020 قامت إحدى الشركات الاستثمارية وتسمى «Nordea Asset» بسحب استثماراتها الكاملة في شركة «JBS» والتي كانت تقدر على نحو 45 مليون دولار. وفي الوقت نفسه أيضًا قامت شركة «Greig Seafood» بحجب استثماراتها والتي كانت تقدر بحوالي 120 مليون دولار من شركة من شركة «Aqua Nutrition» وهي شركة صناعات لحوم كبرى تمتلك أيضًا مزارع في غابات الأمازون.

علوم

منذ أسبوعين
كيف أعاد الشمبانزي كتابة التاريخ أثناء التغير المناخي الحالي؟

من المتوقع أن تلك الحركة التصاعدية سوف تجبر المزيد من الشركات والحكومات على سحب استثماراتها وتطبيق عقوبات على تلك الشركات. وخير مثال على ذلك الحملة العالمية التي انطلقت مسبقًا ضد الوقود الحفري الذي يساهم هو الآخر بالنسب الكبرى من أزمة الاحتباس الحراري، ونجحت هذه الحملة حتى الآن في وقف ما يقرب من 14.45 تريليون دولار استثمارات في شركات الوقود الحفري.

كذلك أُجبرت العديد من الحكومات لسحب الاستثمارات العامة هي الأخرى، مثل حكومة ولاية نيويورك التي أوقفت استثمارات بقيمة 4 مليار دولار، وكذلك أيرلندا التي أصدرت العام الماضي قانونًا يقتضي سحب الاستثمارات الحكومية من الشركات التي لا تطبق معايير تقليل انبعاث غاز الكربون، فهل تنجح محاولات إنقاذ الكوكب من ملايين الأطنان من غاز ثاني أكسيد الكربون؟ أم أن الاستثمارات والربح المضمون سيغلب؟

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد