في نهاية أغسطس (آب) 2014 كتب جين فريدا الخبير الاستراتيجي العالمي لدى شركة مور أوروبا لإدارة رؤوس الأموال، مقالًا بعنوان «هل تفلس البرازيل؟»، إذ جاء هذا المقال بعد توقف أو تباطؤ نمو الطفرة الاقتصادية التي حققتها البرازيل على مدار سنوات عدة، إذ كانت من أسرع الاقتصادات نموًا في العالم.

خبير إدارة رؤوس الأموال، توقع حينها، أن يصطدم النمو في البرازيل بجدار الركود التضخمي، إذ إن أسس الاقتصاد بها هشاشة واختلالات توازن، في وقت قال فيه إن البرازيل في حاجة إلى سياسة مالية أكثر إحكامًا، وسياسة نقدية أكثر تساهلًا، ودور أقل حجمًا للبنوك المملوكة للدولة في توفير الائتمان، وتدابير تهدف إلى خفض تكاليف الإقراض الخاص الفلكية في البرازيل.

فريدا رفض الطريق المغري السهل وعظيم الضرر في نهاية المطاف، كما يقول، وهو المتمثل في زيادة الضرائب ومضاعفة وتيرة سياسات إعادة التوزيع، إذ رأى أن هذا الطريق يذهب بالبرازيل إلى سيناريو فنزويلا وأمريكا لاتينية.

وبعد نحو ثلاث سنوات من مقال فريدا، يبدو أنه كان يتحدث عن هذا الوقت بالتحديد، فرغم تدني المؤشرات الاقتصادية في 2014 إلا أن الوضع لم يكن ليقترب من هذه المرحلة التي تعيشها البرازيل في الوقت الحالي، إذ تفاقمت الأزمة الاقتصادية في البلاد، وتسارع الانكماش، وقبعت البرازيل بالفعل في مرحلة الركود التضخمي، التي حذر منها فريدا.

البرازيل تغرق بالانكماش

شبكة «بلومبرج» الإخبارية الأمريكية، ذكرت في تقرير لها في السابع من مارس (آذار) الجاري، نقلًا عن معهد الإحصاءات الوطني في البرازيل أن الأزمة الاقتصادية في البلاد تفاقمت خلال آخر ثلاثة أشهر من العام الماضي، إذ كشفت التقديرات عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.9% خلال الربع الرابع من 2016.

الأرقام التي أعلن عنها المعهد جاءت أسوأ من متوسط تقديرات 46 خبيرًا اقتصاديًا استطلعت «بلومبرج» آراءهم، فقد كانت التوقعات تشير إلى انخفاض نسبته 0.5%، فيما وصف التقرير التعافي الاقتصادي بالحلم بعيد المنال، على الرغم من بعض الإشارات المبكرة أن أسوأ ما في الركود قد انتهى، بعد فوز ميشال تامر برئاسة البلاد.

كريستيانو أوليفيرا، كبير الخبراء الاقتصاديين في مؤسسة «بانكو فيبرا»، قال إن قاطرة الاقتصاد البرازيلي باتت معطلة، إذ ينصح البنك المركزي بتسريع خفض أسعار الفائدة، فيما يستبعد أندريه بيرفيتو، الخبير بمؤسسة «جراديوال سي سي تي في إم»، الذي تحدث مع «بلومبرج» كذلك أن تعوض أسعار الفائدة المنخفضة الاستثمارات.

وتتعدد العوامل التي دفعت البرازيل لتسجيل هذه الأرقام المخيبة للآمال، سواء بسبب انخفاض أسعار السلع أو وجود أزمة سياسية داخلية عصفت بثقة المستثمرين، بالبلاد، ولكن على كلٍ أكملت البلاد عامها الثاني في الركود الاقتصادي مسجلة أكبر تراجع اقتصادي في تاريخها.

وتشير الأرقام إلى انكماش الاقتصاد البرازيلي بواقع 3.6% في عام 2016، إذ تراجع النشاط الاقتصادي بواقع 8% عن ديسمبر (كانون الأول) 2014، فيما قفزت معدلات البطالة بنحو 76% خلال هذه الفترة، ليصل إلى 12.9 مليون شخص، وهو ما يمثل 12.6% من السكان.

تراجع الاقتصاد الصيني أضر بشكل بالغ صادرات البرازيل الرئيسية التي تشمل الزيوت وفول الصويا والمعادن، وهو الأمر الذي أدى إلى انخفاض الطلب على السلع وتراجع أسعارها، وهو أهم العوامل التي دفعت البلاد للاستمرار مدة أطول في الانكماش.

تحديات في وجه تامر

ميشال تامر، الرئيس الحالي، كان قد تعهد في أعقاب الكشف عن انكماش الناتج المحلي الإجمالي، بالدفع في اتجاه تنفيذ أجندته الإصلاحية، مسلطًا الضوء على بعض الجوانب الاقتصادية المشرقة مثل تباطؤ وتيرة التضخم، إلا أنه وخلال الشهور الثلاثة الأخيرة من 2016، انخفضت الاستثمارات بوجه عام بنسبة 1.6%، مسجلة 16.4% من الناتج المحلي الإجمالي في العام 2016، بانخفاض من 18.1% و19.9% في العامين السابقين، بحسب معهد الإحصاءات.

لكن البعض يرى أن كفاح البرازيل للخروج من تداعيات الأزمة الاقتصادية، تعمق مع تفشي فيروس «زيكا»، الذي أدى إلى كساد السياحة والفندقة، وأضر بصناعة تشكل نحو 9% من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد.

بينما يرى بنك «يو.بي.إس» السويسري، أن المناخ الاقتصادي في البرازيل يشهد تحسنًا ملحوظًا، بفضل إصلاحات تامر، إذ يشير إلى أن السندات البرازيلية المقومة بالدولار تتميز بفرص استثمارية أكثر مقارنة بجميع فئات الأصول بالأسواق الناشئة، كما يتوقع تدفق المزيد من الأموال على البلاد من خلال طرح الأسهم وعمليات الدمج والاستحواذ.

الديون العقبة الأكبر

وفي الوقت الذي يعول فيه الكثيرون على ميشال تامر، لتقليص العجز في الموازنة الحكومية من خلال سياسات مالية تقشفية لمعالجة خطط الإنفاق، تقف الديون عائقًا أمام هذه الآمال، فمعدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي في البرازيل، لا يزال نقطة مثيرة للقلق، إذ وصل إجمالي الدين العام إلى ما نسبته 67.5% من الناتج المحلي الإجمالي منتصف 2015، مقارنة بنسبة 52% في العام 2014.

ومن جانبه قال تقرير صادر عن وكالة «موديز» الأمريكية للتصنيفات الائتمانية مؤخرًا، أن الديون الخارجية تهدد أمريكا اللاتينية، وذكر أن الدين الخارجي ينمو في البرازيل بوتيرة أسرع مما كان عليه في المنطقة ككل، ما دفع الديون الخارجية للبلاد نسبة إلى إجمالي الناتج المحلي إلى 38% خلال عام 2015 من 22% في عام 2005، ورغم أن هذه النسبة لا تزال منخفضة نسبيًا في السياق العالمي، لكنها ستستمر في التزايد إذا انكمش الاقتصاد البرازيلي أكثر، بحسب الوكالة.

«بنوك البرازيل تأثرت بشكل كبير بسبب الديون العقارية، إذ تخلى المستثمرون عن مشاريعهم دون إتمامها نتيجة أزمة الائتمان، فيما تشكل الديونُ تهديدًا أكبر لشركات أمريكا اللاتينية؛ لأنها اقترضت بالدولار الأمريكي، ومع انخفاض قيمة العملة البرازيلية، تتزايد كلفة الديون بشكل كبير، ما يعرضهم لمأزق كبير» تقول موديز.

عقارات البرازيل تفقد بريقها

ظل القطاع العقاري في البرازيل محورًا أساسيًا في دعم النمو الاقتصادي بالبلاد، إلا أن هذا الدور ربما يتراجع بعض الشيء في ظل الوضع السياسي والركود المستمر، إذ نقل موقع «فوربس» الأمريكي، تقريرًا صادرًا عن وكالة فيتش للتصنيف الائتماني، يتوقع تراجعًا حادًا في القطاع خلال العام الحالي بسبب الركود الاقتصادي.

محللو «فيتش» قالوا خلال مذكرة إن معدلات البطالة المرتفعة وبالإضافة إلى الاتجاه لخفض الفائدة، ستجبر المواطن البرازيلي على استخدام مدخراته، وهو ما يعني بالتالي انخفاض مصادر التمويل الداعمة لمقرضي الرهن العقاري، وهو ما يدفع البنوك إلى فرض القيود على عمليات الإقراض.

وانخفضت ودائع الادخار غير المدفوعة في البرازيل بنسبة 17% بين يناير (كانون الثاني) 2015 ويونيو (حزيران) 2016، تضرُّر العقارات قابله توقعات بانتعاش في مبيعات السيارات، بحسب فورد موتور، عملاقة صناعة السيارات الأمريكية.

وترى الشركة أن الإصلاح الاقتصادي في البرازيل يعزز مبيعات السيارات بوجه عام، فيما بلغت حجم مبيعات الشركة الأمريكية بالبلاد خلال الشهور العشرة الأولى من 2016، نحو 133 ألفًا و909 سيارات ركوب، بانخفاض نسبته 34% من الفترة ذاتها في 2015.

توقعات بمستقبل أفضل

رغم كل هذه المشاكل فإن الاقتصاد البرازيلي الذي احتل خلال عام 2009 المركز السادس عالميًّا من حيث حجم الناتج المحلى الإجمالي، ما زال يحصل على تصنيفات متقدمة جدًّا في المؤسسات العالمية التي ترى في البلاد آمالًا كبيرة، إذ جاء في المرتبة السادسة عالميًا بحسب توقعات الاقتصاد الكلي الصادرة عن وزارة الزراعة الأمريكية والتي تخرج بحلول العام 2030.

وتقدمت البرازيل للمركز الخامس بناتج قيمته 7.540 تريليون دولار، خلال التقرير، الذي يحمل عنوان «على المدى البعيد: كيف سيتغير النظام الاقتصادي العالمي بحلول عام 2050؟» صنّف 32 دولة وفقًا لناتجها المحلي العام الصافي المتوقع حسب تعادل القوى الشرائية لهذا الناتج.

على صعيد آخر، وبعيدًا عن الانكماش، شهد سوق المال أفضل أداء منذ سنوات، إذ أغلقت بورصة ساو باولو التي تُعد من الأبرز في المنطقة، جلستها الأخيرة للعام 2016، على ارتفاع سنوي بنسبة 38.9%، مسجلة الفائض السنوي الأول لها بنسبة 7.4% منذ عام 2012.

العملة البرازيلية كذلك سجلت عامًا جيدًا بنهاية 2016، رغم تراجعها إلى أدنى مستوياتها في 21 يناير (كانون الثاني) 2016، في الوقت ذاته يرى خبير الاقتصاد في شركة «غرادوال إنفستيمنتوس» الاستشارية أندره برفيتو، نوعًا من التفاؤل بالنسبة إلى الحكومة الجديدة.

عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد