بينما كنت أنسل من فراشي لأشاهد برامج السهرة الترفيهية على القناة الثانية التي كانت تُعرض ليلًا في أواخر التسعينات لم تكن أمى بقادرة على النوم قبل أن تطمئن على انتهاء إجراءات «الخبيز» في الصباح التالي، من تنظيف حجرة الفرن، ومسح بلاطته الطينية، وتجهيز «الوقود» (الوقيد بلهجة القرية)، فالعمات والجارات كن يأتين في الثالثة صباحًا لبدء عملية عجين دقيق الذرة المخلوط بالحلبة الصفراء والقليل من الملح لصنع «العيش المرحرح».

وبينما كانت أمي تحاول تلاشي أي تعليقات سلبية محتملة من النساء في الصباح، كان الهواء يكاد يقتلع هوائي التليفزيوني في ذلك الأسبوع الأخير من ديسمبر، حين كنا ننتظر نهاية العالم في اليوم الأول من الألفية.

كل هذا كان يحدث في قرية بأقصى جنوب الجيزة، تسمى «مسجد موسى»، تابعة لمركز أطفيح؛ إذ جعلتها العزلة – بالإضافة لندرة الموارد وتدني كثافة الإنتاج – إحدى أفقر قرى الجمهورية؛ إذ يعمل الجزء الأكبر من السكان في الزراعة أو يستفيدون منها، فالطبقات الاجتماعية في «مسجد موسى» مقسمة بشكل شديد الوضوح، بين من يملكون الأرض وبين المزارعين معدومي الملكية الذين يؤجرون الأراضي لمدد زمنية طويلة لزراعة الذرة، والقمح، والبرسيم.

منحت هذه الصيغة ملاك الأراضي دخلًا إضافيًا، فيما منحت المزارعين المحاصيل، فيما لم تعمل المعادلة مع أسرتي وفقًا للنمط نفسه؛ إذ كان أبي يملك أرضًا ولا يزرعها، بل يؤجر من يزرعها لنا مقابل نسبة من محصولَي التمر والذرة، وكان هذا وضعًا مثاليًا للأسرة، فلا نشارك الحرث والبذر، ولا الحصاد، إلا على سبيل الاحتفال، بل تكون المهام جميعها بيد المزارع وأبنائه.

عيش مرحرح.. وحياة هادئة

دورة الذرة، التي يكون إنتاج «العيش المرحرح» بها، كانت ضرورية لـ«اقتصاد الكفاف» (الذي يقوم على الاستهلاك المنزلي، وليس للتسويق) في «مسجد موسى»، فعليها تعتمد معيشة الأسر. وفيما كرَّس الرجال وقتهم وجهدهم لضمان وصول المحصول إلى البيت، انشغلت النساء بتجهيز المحصول عبر «درسه وتذريته»، وجمعه في «زكائب»، ونتولى نحن الصغار إرسال المحصول إلى الطاحونة على حمير الأعمام، ونعود به وقد صار دقيقًا.

«العيش المرحرح» كان ضرورة قصوى لأهل القرية، بل كان رمزًا للحياة – وفي هذا خرج المثل الشعبي «اللي عنده عيش ويبله عنده الرزق كله» – ورمزًا للمكانة الاجتماعية أيضًا التي كانت تقاس بطول رص العيش في «المندرة»، كما يقول كمال عبد الغفار، وهو مدرس لغة عربية بمدرسة القرية وصاحب أرض زراعية لـ«ساسة بوست».

نساء القرية كن يتعاملن مع «الخبيز» باعتباره عملًا جماعيًا يحصل مرة أو مرتين في العام، وهي عملية يدوية تمامًا، فكن يجمعن الوقيد إلى جانب الفرن الطيني، ويضعن بعضًا منه في الفتحة الصغيرة المخصصة لإشعال النيران به، ويعجن الطحين بعد تخميره.

وعملية «الخبيز» كانت بمثابة قنوات تواصل حينذاك، مثل غرف «الشات» حاليًا ومجموعات الـ«واتساب» حاليًا، فتجري من خلالها أحاديث النميمة والانخراط في الحكي عن الذكريات أو سرد قصص الماضي، وتبادل النكات، وترتيب عمل الأبناء في حقول الأعمال، وتدريب الصغيرات على مهام النساء وعلى رأسها الخبيز، وصفقات تبادل المنافع والسلع، واتفاقات الخطوبة والتربية الجنسية البدائية للمقبلات على الزواج، وإفشاء الأسرار.

ومن هنا جاءت مقولة «اللت والعجن» في إشارة إلى اللغو في الكلام الذي كان يزدريه الرجال في جلسات الخبيز التي كانت تنتهي عند العصر، وتمثل عادًة إزعاجًا للذكور في الريف المصري.

هذا العمل الجماعي سمة من سمات المجتمع الزراعي الذي يكثر فيه الاعتماد المتبادل على الغير والتماهي معه، فضلًا عن تبادل الهدايا والمنتجات باستمرار، وأعضائه لا يتصورون أنفسهم كأفراد، بل أعضاء في عائلة، والخبز في هذا السياق ليس مجرد مكون غذائي في وجبة، بل همزة وصل اجتماعية؛ إذ من خلال إهدائه وقبوله تصاغ الروابط بين البشر، ويتراكم «رأس المال الاجتماعي» الذي يرتكز على قيمة العلاقات الاجتماعية وأهميتها، وكان أكثر أهمية بما لا يقاس بأي تبادل نقدي، في هذا الزمان.

فبمجرد أن تنتهي النساء من صنع الخبز يقمن بإعداد رزم من الأرغفة تُلَف في منديل (غطاء للرأس)، ويُرسَل الأطفال إلى الأقارب والجارات بالهدايا الطازجة، والهدية في هذا النمط من الاجتماع، حسب تحليل مارسيل موس، عالم الاجتماع الفرنسي، على الرغم من كونها تبدو اختيارية، فإنها إلزامية تمامًا، والناس وفقًا لهذا ملزمون ليس فقط بالوهب، بل بقبول الهدية والرد عليها أيضًا.

تحكي «مِحسنة علي» لـ«ساسة بوست»، وهي تعمل بمدرسة القرية، ومتزوجة، وأم لطفلين: «قبل 20 عامًا كنا نخبز البتاو في البيت، كنا نضطر للاستعانة بالقريبات والجارات أيضًا، هذا كان يقربنا من بعضنا البعض، كنا نثرثر ونضحك كثيرًا ونغني أيضًا، لكن الأمر كان يسلبنا حريتنا من الناحية الأخرى، فالنساء اللاتي يأتين للخبيز في آخر غرفة في الدار كن يراقبن كافة أحوالنا المعيشية، وبمجرد انتهاء الخبيز ينقلن كل ما رأينه إلى الخارج، لقد كانت البيوت فريسة مستباحة لتلك النظرات المتلصصة، الآن أصبحنا أحرارًا في بيوتنا، ولسنا مضطرات لجلب كل هؤلاء من أجل كمية من العيش المرحرح)».

يبدو من مداخلة السيدة أن النساء هن الأكثر استفادة من التقدم والتغيير الحاصل في الحصول على الخبز، فلم يعدن يستيقظن قبل الفجر لإشعال النار، وتجهيز الفرن، والعمل حتى الرابعة عصرًا في غرفة مُتْرِبة يتوسطها فرن طيني، وحطب، وجريد، ولم تعد تُعرض المرأة نفسها للنقد الذي يصلها من الجارات حول أوضاع منزلها، ومن ثمّ يدل كلامها على نزعة فردية ناشئة في القرية النائية.

خبز البيت.. مصيدة القمح والفراولة!

حسب حديث كمال عبد الغفار لم تعرف القرية الخبز «البيتي» المصنوع من القمح حتى سبعينات القرن الماضي، وقبل ذلك كانت القرية تعتمد بشكل أساسي على «العيش المرحرح» وحين دخل «الخبز البيتي» إلى القرية كانت بعض العائلات تتعامل معه مثل «الحلوى»؛ فكان يؤكل بـ«العيش المرحرح».

مع الوقت حل الخبز البيتي محل «المرحرح»؛ نظرًا لكونه مُشبِعًا على عكس الآخر، وكانت عملية «خبيزه تتم كل أسبوع (الخميس غالبًا)، وهو لا يحتاج إلى نفس الكثافة البشرية من أجل إنتاجه، بل يجري إعداده بواسطة نساء الأسرة الصغيرة.

هذا التحول جرى بموازاة تحولات مهمة في الاقتصاد الزراعي للقرية؛ إذ تقلصت المساحات المزروعة بالذرة التي تساهم في إنتاج «العيش المرحرح» ذي الطابع العائلي، لصالح تلك المزروعة بالقمح الذي يُنتج به «الخبز البيتي» ذي الطابع الأسري الصغير، إلا أن التقسيم الجندري للعمل ظل قائمًا، فقد كان الزوج مسؤولًا عن زراعة القمح والمرأة مسؤولة عن إعداد الخبز ضمن عملية محددة مسبقًا من التكامل المنزلي.

وظل نمط التهادي قائمًا، وإن ضاق نطاقه لصالح الأسرة الصغيرة؛ إذ يجري إهداء الخبز لفتيات الأسرة اللاتي تزوجن وانضممن إلى الأسرة الكبيرة لأزواجهن، وبعض الهدايا في نطاقات أضيق على سبيل الصدقة، فيما ظل الترابط الاجتماعي محصورًا في دائرة الولائم التي كانت ضرورية لمساعدة فقراء العائلة من جهة، ولإبراز المكانة الاجتماعية للعائدين من الخليج من ناحية أخرى.

فأخلاقيات الاستهلاك بدأت في التغيّر، من أخلاقيات متقشفة وصارمة لا تتجاوز الأساسيات أبدًا وفي السر، إلى الاستهلاك الاستعراضي والتفاخري الذي كان من قبل ممنوعًا، بل محفوفًا بمخاطر «الحسد» وطلب الدعم والتسليف. تحكي «رباب السيد» ربة منزل أنها بدأت تلاحظ أن الجيران لم يعودوا يخبئون ريش الدجاج الذي أكلوه كما كان في الماضي، بل ينثرونه أمام المنزل كي يعرف الجميع أنهم أكلوا اليوم دجاجًا.

لم يقتصر تغيير نوع الخبز على تقليل الاعتماد على الغير وتضييق دائرة الهدايا، بل نوعية الطعام الذي يؤكل به، فمع العيش «المرحرح» كانت مكونات الوجبات الغذائية خالية من البروتين عدا يوم الجمعة، وكان الإفطار لا يخرج عن نطاق «الجبن القريش» (يطلق عليها الجبنة الخضراء) و«المش» (وهو من منتجات الألبان، ويُصنع منزليًا) وبعض من مكونات السلطات «كالفجل والجرجير» والغداء يتراوح بين «الكِشك»، وهو منتج مصنوع من القمح أيضًا، والبطاطس، وأحيانًا البيض، لكن مع تغير العادات الاستهلاكية بفعل ارتفاع مستوى المعيشة الناتج عن سفر الرجال للعمل في الخليج، صار البروتين جزءًا أصليًا من طعام القرية.

لم يكن هذا سلوكًا عفويًا لشرائح ارتفع دخلها بعد سفر رجالها للخليج، بل شبكة منصوبة للبلد منذ 1974 حين أصبحت مصر بلدًا مستوردًا صافيًا للسلع الغذائية، كانت الكثافة السكانية تزداد، وفي الإعلام أطلقوا عليها «الانفجار السكاني»، لكن الإنتاج الزراعي كان أعلى من زيادة السكان، ووفقًا للبيانات التي وردت في كتاب «حكم الخبراء» لتيموثي ميتشل، فقد ارتفع معدل نمو السكان خلال الثمانينات إلى نسبة 2.1% سنويًا، فيما ارتفع الإنتاج الزراعي إلى نسبة 2.7% سنويًا، وبالتالي الحديث عن بلدٍ يتزايد سكانه بمعدل أكبر من قدرته على إطعام نفسه لم يكن سوى أسطورة. 

لكن إذا كان الإنتاج الزراعي أعلى من الزيادة السكانية فلماذا تستورد مصر الطعام؟ قبل الإجابة على السؤال يجب تحديد الطعام الذي يتم استيراده، إنه ببساطة الأساسيات: «القمح»، أما لماذا تستورد مصر القمح وتصدر الفراولة فتلك هي اللعبة.

كان الاستهلاك اليومي للفرد من البروتين على المستوى القومي قد ارتفع بشكل مهول في الثمانينيات، فيما يعاني المصريون على المستوى القومي أيضًا من معدلات مرتفعة من سوء التغذية، وهو ما يؤكد أن ارتفاع استهلاك البروتين لم يكن عادلًا ولا متوازنًا، وأن التوزيع الفعلي مرتبط بأبعاد طبقية لا تخفى على أحد.

في تلك الأثناء كانت حصة إنفاق الأسر في أسفل السلم الاجتماعي منخفضة إلى درجة الجوع، فيما ارتفعت حصة الأسر الأعلى إلى درجة الرفاهية، فبينما كانت «الفراخ البيضاء» تدخل بيوت القرية يومًا إضافيًا (يوم الثلاثاء تحديدًا) كانت الأسر الفقيرة تسند طول أفرادها بطعام يسمى «اللبسانة» وهي عبارة عن أوراق نبات «اللفت» الذي تستهلكه الأسر الأغنى كمقبلات بعد تخليله، ويمنحون الورق للفقراء كي يأكلوه مسلوقًا.

وفيما عرفنا المجمدات مثل «السمك المستورد» كانت الأسر الفقيرة تدبر معيشتها عبر تحويل نبات يظهر على حواف الحقول، ولا يملكه أحد يسمى «الرٍجْلة»، إلى وجبة غذائية.

لكن حتى مع ارتفاع معدل استهلاك الأسر الريفية للحوم إلا أنه ظل منخفضًا قياسًا على استهلاك الأسر الحضرية، فقد استهلك الـ25% الأغنى في المجتمع، ومعظمهم في الحضر، ما يزيد عن ثلاثة أضعاف ما استهلكه الـ25% الأفقر، وأدى تزايد الدخل والإعانات الواسعة من جانب الولايات المتحدة الأمريكية وتمويل الحكومة المصرية لعمليات استيراد القمح، إلى التشجيع على تحوّل أوسع من الوجبات المستندة إلى الخضروات والذرة إلى وجبات قوامها منتجات القمح واللحوم.

في هذه الأثناء قرر أبي التخلي عن زراعة الذرة في الاثنين وعشرين قيراطًا التي نملكها وتحوَّل نحو زراعة البرسيم (بين جانبي صفي النخل الذي ظل ثابتًا) وأقام مزرعة مواشي في حوش أحد الأقارب، فقد كان إنتاج الماشية يتضاعف على المستوى القومي، وبالتالي تطلب إطعام المواشي تحويلًا هائلًا لإمدادات الأغذية الأساسية من الاستهلاك الآدمي إلى الاستهلاك الحيواني. بدأ أبي في استئجار فدان على تلال القرية لزراعته بالقمح.

وعلى عكس حصاد الذرة الذي كان يدخل بالكامل في اقتصادنا المنزلي، كان حصاد القمح مختلفًا؛ إذ جرى اقتطاع جزء من المحصول من أجل خبز البيت فيما جرى بيع الباقي إلى الشون الحكومية القريبة من القرية.

كانت الحكومة آنذاك تُجمِّع القمح من المزارعين على مضض، بحكم إرثها التاريخي في تجميع القمح من الفلاحين حتى لا يصلوا إلى الإفلاس، وتُدخِل المحصول في صناعة «علف المواشي» فيما تستورد كميات متزايدة من القمح الأمريكي من أجل توفير الخبز، فالاعتماد على الاستيراد هنا لم يكن ناتجًا عن زيادة سكانية مفترضة، بل عن التحول نحو استهلاك اللحوم حصرًا؛ إذ تحول قمح البلاد إلى «علف للمواشي»، وقمح المزارعين البيض في الجنوب الأمريكي تحول إلى دقيق خبز لأغنياء المحروسة.

ولم تك هذه العملية تلقائية وتساير تطورًا اجتماعيًا، بل مدفوعة بدعم من «الوكالة الأمريكية للتنمية» عن طريق توجيه تمويل جزء مشتريات مصر من الحبوب الأمريكية، فيما جُلب الجزء الأكبر من المشتريات على شكل ديون خارجية على مصر، وفي ظل التعثر المصري في سداد القروض اشترطت الوكالة الأمريكية على مصر من أجل إعادة التمويل تحوّل الزراعة المصرية من السلع الأساسية إلى السلع التصديرية للحصول على العملة الصعبة لسداد الديون.

في غمرة التشجيع الحكومي لزراعة الخضروات والفواكه، التي تحمل ضمنيًا دعوة للتخلي عن زراعة القمح، بل فرضت ضرائب أعلى على عملية إنتاج القمح، توقف أبي عن تأجير الأرض لزراعة القمح تمامًا لنعتمد كليًا على الدقيق الأمريكي المستورد لصنع خبزنا، وبدأ أبي بتأجير خمسة فدادين في منطقة «النوبارية» بمحافظة البحيرة، والمستصلحة حديثًا، لزراعة الطماطم، التي من المفترض أن تذهب إلى أوروبا محمولة جوًا، لكن الأرض لم تؤت ثمارها فتوقف عن الاستثمار في الزراعة تمامًا.

حدث ذلك بالتزامن كل ذلك مع تقليص المساحة المزروعة من القمح في القرية ككل، وبات الدقيق يُشترى من المحلات، وهو دقيق أمريكي بالكامل يجري خلطه بدقيق القمح المُشترى من سوق القرية، وتزامن ذلك مع تزايد نسبة الحاصلين على تعليم رسمي، وهي ظاهرة جديدة في القرية التي لم يتسن للفقراء ولا المسنين فيها تعلم القراءة ولا الكتابة، ليعاد تنظيم التراتب الهرمي في المجتمع بهدوء.

تنمية مُعطلة.. ظهور المخبز

لمدة 20 عامًا من دخول الأفران الحكومية، التي أمدت الحكومة قريتنا بها درأً لشبح الجوع، ظل الناس يتعاطون معها كـ«عار يجب إخفاؤه» خصوصًا لدى الأسر الميسورة، فيما كان أبناء الفقراء يذهبون إليها قبل طلوع الفجر مُتخفين ليحصلوا على حاجتهم من الخبز.

الفقر آنذاك كان يُعاد إنتاجه عبر سياسيات صندوق النقد، والبنك الدولي، والوكالة الأمريكية للتنمية الذين حققوا انتصارهم الساحق، وفرضوا سياسات تقضي بتقليص دعم الأسعار، فيما زادت البطالة ودخل الاقتصاد إلى حالة ركود مزمنة، وفي الوقت الذي عاشت فيه أسر القرية التي سافر أحد أفرادها إلى الخليج مستوىً معقولًا من الرفاهية، كانت هناك أسر تسقط في قاع البؤس، ولم يكن أمامها سوى الخبز المدعم.

ومع تحولات زراعة القمح، الذي تحول إلى عبءٍ على مزارعي القرية، تقلص إنتاج الخبز البيتي لصالح «الخبز الجاهز»، وهو ما ساهم في تحولات في البنية المجتمعية ذاتها نحو تفكك العائلات الكبيرة لصالح الأسر النووية الصغيرة، ونمو نزوع فردي على عكس إنتاج «العيش المرحرح» الذي كان بمثابة طقس للترابط الاجتماعي والتعاون، والخبز البيتي الذي لم يسمح باندماج اقتصاد القرية في السوق العالمية كليًا؛ إذ ظل جزء من القمح الذي يُصنع به يُنتج بأيدي المزارعين أنفسهم.

كنا نشتري الدقيق جاهزًا من أجل «الخبيز» وحين يعتاد الناس على شراء السلعة نصف جاهزة سيكون من السهل الاعتياد على شرائها جاهزة كليًا، فبدأ اعتمادنا على المخابز الحكومية، وفي يناير (كانون الثاني) 2003 تعرضتُ لأول إصابة في حياتي بمخبز أثناء القتال من أجل الحصول على الخبز، فيما كانت الحكومة تستعد لتعويم الجنيه، الذي أدى انخفاض قيمته إلى رفع معدل التضخم المحلي من 2.4% في 2001 إلى 3.2% في 2003.

كانت القرية تصدر الحبوب والمواشي وتستورد السلع الاستهلاكية، وتقتطع لنفسها جزءًا من الحبوب لصالح استهلاكها المحلي، واليوم أصبحت تكاليف الزراعة أكبر من عائداتها فبدأ الجيل الأحدث في الهجرة إلى القاهرة للعمل في الوظائف الهامشية، أو الانخراط في المشاريع الكبرى المملوكة للقوات المسلحة، فيما صارت الآن تعتمد على خمسة مخابز في الأرجاء، حكومية وخاصة، يقتصر العمل فيها على الخبازين الرجال ومساعديهم من الشباب، لتخرج النساء من معادلة إنتاج الخبز، وتدخل الفتيات المتعلمة حديثًا في معادلة العمل المأجور في مؤسسات الدولة المعدودة في القرية، لتتحول العلاقات داخل الأسر نفسها. أصبحت الفتيات تفضل العيش في شقة منفصلة عن بيت عائلة الزوج.

كان الخبز «ترمومتر» للتغيرات الاجتماعية التي عصفت بالقرية، فشبكة العلاقات الاجتماعية، التي كان يجري ترميمها باستمرار بـ«العيش المرحرح» المُهدى، تآكلت، وتراجع نمط الإنتاج المنزلي للخبز، الذي كان أساس العلاقة التكاملية بين الذكر والأنثى، لصالح الاعتماد التام على الخبز الجاهز، حيث اندمجت القرية أكثر وأكثر في عمليات الاستهلاك، وبالتالي في السوق العالمية، فيما ينفصل البشر عن بعضهم البعض تدريجيًا.

لكن الأكثر أهمية من بقائهم مترابطين هو بقاؤهم أصلًا؛ فبعد تزايد معدلات الفقر عن المستوى عقب تعويم الجنيه لتصل حاليًا إلى ما يقرب من 29٪، من ضمنهم فقراء القرية بالطبع، تصبح نية الحكومة في رفع الدعم عن الخبز الذي يمثل الطعام الأكثر أساسية إليهم بمثابة إضافة ملح إلى الجرح، فبعد أن كانوا فقراء معزولين سيصبحون جياعًا معزولين.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد