ليس من السهل أن ترى من تحب يعاني ويعاني ثم يموت. ونظرًا إلى أن المعجزات التكنولوجية تحيط بنا، فليس من الجنون أن يتساءل الشخص العادي «لماذا تموت مريضات سرطان الثدي؟».

تاريخ سرطان الثدي متاهة معقدة من المحاولات لفهم الطبيعة المخادعة لهذا السرطان المستجيب للهرمونات وإرادة الأطباء للتغلب عليه بالبتر (الجراحة)، أو تدمير الخلايا (العلاج الإشعاعي الكيميائي)، أو العلاج الموجه لمستقبلات الخلايا (تعديل حيوي).

إنه أيضًا ملحمة استكشاف مكثفة للعثور على الأدوات اللازمة لتمكين النساء من التشخيص المبكر. يجري سرد قصة هيمنة الجراحة على مدى ألفي عام وتطورها من الخيارات القاتلة إلى الحد الأدنى من الضرر، فيُعد مبدأ الجراحة المعاصر ببتر الثدي المتورم تقليدًا يونانيًّا انتهجه ليونيدس الإسكندري بالشق والكي في القرن الأول الميلادي.

طرحت مريضات سرطان الثدي هذا السؤال على أنفسهن قبل أطبائهن، وعندما استشعرن قرب النهاية، كتبن مذكراتهن لاستكمال صاحبات الثدي الواحد ثورتهن من أجل الدواء. من الصعب تخيل كيف كتبن بالقرب من العذاب الذي يوثقنه؛ فأمثال أودري لورد، وسوزان سونتاج، وغيرهن، لديهن قاسم مشترك مع سرطان الثدي، وهو التعبير الصريح والوحشي عما يتفاقم في صمت وتسامح. 

المرض «البطال».. ليس لعنة أو عقابًا!

«إنه لأمر رائع أن تعرف أنك ستموت؛ إنه يجعل وجود الأولويات ومحاولة متابعتها أمرًا حقيقيًّا بالنسبة لك» *سوزان سونتاج

كتبت الروائية والمخرجة الأمريكية، سوزان سونتاج، كتابها «السرطان كاستعارة»، عام 1979، وهي مريضة بسرطان الثدي، حتى تغلبت عليه، وتغلبت على انتشاره ثانية في التسعينيات، لكنها لم تكن محظوظة في المرة الثالثة. لم يكن كتاب سوزان ذاتيًّا عن تجربتها، بل نداءً قويًّا للتعامل مع المرض على أنه مرض، وإجابة عن سؤال: كيف تضيف الاستعارات والأساطير المحيطة بأمراض معينة – خاصة السرطان- معاناة إلى معاناة المريضات؟ تلك التي – غالبًا – ما تمنعهن من البحث عن العلاج المناسب. 

Embed from Getty Images

أرَّخت سوزان للأفكار المجتمعية فترة السبعينيات بخصوص سرطان الثدي، وربطتها بفترة انتشار مرض السل في القرن التاسع عشر، لأن كليهما متقلب، وغير مفهوم، وعصي على العلاج، حتى التسليم بعدِّهما غضبًا إلهيًّا.

فمع أن طريقة فهم المرض وعلاجه ترتكز على الأبحاث الجديدة، فإن المرض نفسه، الذي كان في السابق مرض السل، والآن السرطان، يثير أنواعًا من الرهبة القديمة؛ فهو عقاب للمريضة، ويصيبنا إذا لفظنا اسمه كاللعنات، مُعدٍ ولو لم يكن كذلك؛ وبالتالي، فإن عددًا كبيرًا من المصابات بالسرطان يجدن أنفسهن – فجأة – منبوذات من قبل الأقارب والأصدقاء، كما لو كان السرطان سُلًّا، دون التفكير في الملوثات المنتشرة من حولنا، والمسببة لتلك الأمراض.

ماتت سوزان بسبب العلاج الكيميائي، لدرجة أن جسدها عند وفاتها كان مغطى بالقروح والكدمات من داخل فمها حتى أسفل قدميها، بعدما أزالت الغموض عن الأوهام المحيطة بالسرطان؛ فهو ليس لعنة، وليس عقابًا، وبالتأكيد ليس عارًا، ويمكن الشفاء منه، إذا اتُّبع العلاج الجيد. لكن جرت العادة على علاج المريضات اللواتي يعانين من المرض المنتشر بعقار واحد تلو الآخر، ويبدل أطباؤهن الأدوية كلما توقف المرض عن الاستجابة للعلاج. في نهاية المطاف، تنفد جميع الخيارات أمام مريضات سرطان الثدي ويمتن.

كان شرط العلاج صعب التحقيق، فقد جاء نداء سوزان بعد مرور أكثر من قرن على كشف أستاذ الجراحة في مستشفي جونز هوبكنز، ويليام إس هالستيد، عن أسلوب جديد لاستئصال ورم الثدي جذريًّا، في عام 1894، بالتركيز على إزالة كل أنسجة الصدر والإبطين مرة واحدة لمنع «عودة» الخلايا السرطانية، المسار الذي سلكه أجيال من الجراحين بإصرار، متغاضين عن ضرورة الاستئصال التدريجي، أو حتى فحص الورم قبل الجراحة، ودرجة انتشاره وأماكنه، محافظين على حرمة الورم من الفحص مقابل حرمة الثدي من البتر، التي حاولت حضارات في الماضي السحيق احترامها.

ثورة ذات الثدي الواحد.. التغلب على السرطان بالتعايش معه

«لا يمكن للمرأة اتخاذ قرار مستنير بشأن صحتها إذا لم يكن لديها إمكانية الوصول إلى جميع خيارات العلاج المتاحة» *أودري لورد 

كانت أودري لورد شاعرة نسوية من أصول أفريقية، وأمًّا واشتراكية، ومناهضة للعنف، ترفض الربط بين قيمة المرأة بصفتها إنسانًا وجسدًا يمر بتغيرات فسيولوجية، ذاك الربط الذي ضاعف من آلامها بعد بتر ثديها الأيمن الذي تكتل نتيجة انتشار السرطان به، وغيَّر حياتها إلى الأبد.

خاضت أودري معركة دامت 14 عامًا ضد سرطان الثدي، وعندما انتقل السرطان إلى كبدها، دخلت مرحلة جديدة من حياتها، وبدأ سعيها لإعلام النساء بصراعاتها؛ كيف حاربت المرض وعاشت معه تجربة نموذجية لم تسمح فيها للخوف بهزيمتها، وكيف بحثت خلف كل معلومة جديدة تتلقاها حول حالتها من المؤسسات الطبية.

نشرت أودري لورد كتابها «يوميات السرطان» في عام 1980، لتصبح من أوائل النساء اللواتي سجلن تجربتهن الذاتية مع سرطان الثدي. تساءلت فيه عما إذا كانت شركات الأدوية الكبرى تتعمد إخفاء خيارات العلاج بخلاف الإشعاع والعلاج الكيميائي لسبب ما، وسبب ارتفاع معدلات الوفاة بسرطان الثدي بين الأمريكيات من أصل أفريقي.

Embed from Getty Images

تدرك أودري رويدًا تبعات ثقافية متخفية وراء آلام البتر التي شوشت تفكيرها لأيام، تلك التوقعات الاجتماعية التي فرضت عليها شكلًا يجب أن تحتفظ المرأة به، عندما جاءتها «المرأة الطيبة»، وهي تحمل بيدها صدرية ناعمة، وحشوة من صوف الخرفان، مضغوطة في جيب وردي باهت، على شكل صدر. كانت الرسالة واضحة لأودري؛ فيجب تعويض الثدي المبتور، بحيث لا يختلف شكل جسدها عن شكل الأنثى المثالي أمام الناظرين. 

اتُهِمت أودري بالإضرار بمعنويات المريضات الأخريات كلما خرجت عليهن بثدي واحد، رافضة الطرف الصناعي الذي يمنعها من مواجهة فقدان ثديها، أو فقدان ما كانت عليه، ويحاصر النساء اللواتي مررن بالتجربة نفسها بالعيش وحيدات مرتعبات في صمت؛ وجهت أودري كلماتها للنساء بضرورة احترام الذات المتغيرة، والكشف عن أنفسهن وقصصهن الشخصية مع سرطان الثدي على انفراد، من أجل ترجمة الصمت المحيط بسرطان الثدي إلى لغة وعمل.

كانت مذكرات أودري لورد بيانًا ثوريًّا، قطعت بعده النساء شوطًا طويلًا ضد الصمت الموصوم، الذي انهار في التسعينيات، أمام موجة التدوين عن التعايش مع سرطان الثدي، لنصل إلى الألفية الجديدة وقد جمعت 23 امرأة صورهن الفوتوغرافية قبل جراحة سرطان الثدي وبعدها، ونشرنها في كتاب مطبوع، مع نسخة إلكترونية تحت عنوان «أرني»، مع عرض لتفاصيل تجاربهن الفردية، ومنظورهن للجسد.

جسدي ليس مشروعًا استثماريًّا!

«الآن، بما أنني لا أموت، فإن العالم مليء بالإمكانيات» *آن بوير

أشعلت الشاعرة والفنانة التشكيلية آن بوير النار في الشريط الوردي (شعار التوعية بسرطان الثدي) بمذكراتها: «الأبدي: الألم والضعف والطب والفن والسرطان»، الشعار الذي طالما كان موضوعًا للجدل والسخرية، كما لو أن أي امرأة تموت بسبب سرطان الثدي قد ماتت بسبب أكل النقانق.

كانت آن أمًّا عزباء تربي ابنتها، تعيش حياة متواضعة من خلال التدريس، لم تكن تعرف الكثير عن سرطان الثدي، حتى بلوغها 41 عامًا، وتشخيص إصابتها بسرطان الثدي الثلاثي السلبي، أحد أكثر الأورام شراسة، وأقلهم في خيارات العلاج.

اتخذت آن من قصتها خيطًا سرديًّا لتوثيق تجربة العلاج الكيميائي بدواء «أدريامايسين» (جرت الموافقة على استخدامه طبيًّا عام 1974)، والمعروف باسم «الشيطان الأحمر»، لقدرته على قتل الخلايا السرطانية بطريقة كلاسيكية – وفق وصفها – وهي وضع حد لعدد السنوات التي ستعيشها المريضة من بعده، ليقف الدمار الذي يحدثه العلاج الكيميائي من تلف في الأعصاب، وتساقط الشعر، واختلال في وظيفة عضلة القلب، وسرطان الدم، حتى الوفاة، في تناقض صارخ مع الصورة الدقيقة للورم في بداية تشخيصه.

كشفت آن عن نظام رأسمالي يؤدي فيه السعي الدؤوب للربح إلى مزاحمة الصالح العام في مجال الرعاية الصحية، ما أكدته نتائج فشل أكثر من ستة عقود لأساليب العلاجات الكيميائية للسرطان، بما فيها العلاج المناعي الحديث للأورام الصلبة بنسبة 90%، وفقًا لتقرير «المعاهد الوطنية للصحة (NCBI)» بأمريكا، لتفوق أضعاف ما كان عليه الوضع مع العلاج بالمضادات الحيوية قبل نصف قرن.

Embed from Getty Images

على رغم من مليارات الدولارات التي جُمِعت وأُنفقت على أبحاث سرطان الثدي على مدار نصف القرن الماضي، فقد خُصص القليل نسبيًّا لدراسة المريضات أنفسهن، أو سبب انتشار السرطان في الجسم بعد القضاء عليه في الثدي.

ففكرة أن سرطان الثدي «عاد» بعد العلاج الأولي هي فكرة مضللة بعض الشيء؛ لأن الأورام السرطانية خارج الثدي أصغر من أن تظهر في الفحص، وفي كثير من الأحيان، وإن لم يكن دائمًا، تخضع مريضات سرطان الثدي اللواتي جرى تشخيصهن حديثًا لفحوصات على البطن، ولا يخضعن مطلقًا لفحص الدماغ ما لم تظهر الأعراض.

وفقًا لمركز «فريد هاتشينسون (Fred hutch)» لأبحاث السرطان في سياتل، فإن 25% إلى 40% من مريضات سرطان الثدي في المراحل المبكرة لديهن بالفعل خلايا سرطانية في نخاع العظام، بنسبة تفوق ثلاثة أضعاف ممن تنمو لديهن أورام بعد الجراحة.

ومن المستحيل معرفة ما إذا كانت مريضة لديها خلايا سرطانية في نخاعها العظمي دون إدخال إبرة طويلة لسحب عينة وهي تحت التخدير العام لاستئصال الثدي، وبالتالي قد تحتاج لمزيد من العلاجات المبكرة، وإذا لم يتحقق الطبيب؛ فغالبًا ما تموت المريضة في غضون عام أو عامين من التشخيص. 

العلاج الكيميائي «فاشل».. ثورة من أجل دواء

لماذا لا تحظى النساء الأكثر احتمالية للموت بأقل قدر من الاهتمام؟ سؤال تحذر به آن بوير من التكاليف البشرية لأي نظام سياسي واقتصادي يعطي الأولوية للربح على الأرواح، فقد نشرت «المكتبة الوطنية الأمريكية للطب» بحثًا بعنوان «تحليلات الفشل المتكرر في علاج السرطان للأورام الصلبة: انخفاض الفعالية والتكاليف غير المستدامة» تعزى فيه النتائج القاتمة والمخيبة للآمال في علاج سرطان الثدي إلى فقر البحث في الطفرات الجينية للأورام، والتي تشكل أساسًا لتطوير الأدوية.

يثير البحث مخاوف جدية حول الفعالية، والأجندة السياسية، والتكاليف المرتفعة لهذه العلاجات شديدة السمية؛ فأدرج البحث العلاج المناعي الكيميائي على رأس قائمة العلاجات الفاشلة، والتي نادرًا ما يجري الإبلاغ عن التحليلات العلمية للبيانات المتعلقة بفشلها المتكرر، بجانب غالبية مشروعات السرطان التي حظيت بتغطية إعلامية ضخمة، وتمويل جيد، ويجري الترويج لها بوصفها «علاجًا فعالًا وفق آخر التجارب العلمية».

Embed from Getty Images

نادرًا ما يأخذ صانعو القرار في مثل هذه المشروعات – باهظة الثمن، البعيدة عن البحث العلمي – في الاعتبار، العواقب المهددة للحياة من الأساليب الخاطئة والاختزالية لتطوير الأدوية للمرضى والعبء الاقتصادي الهائل على المجتمع؛ فصانعو القرار غير المسؤولين في مثل هذه الصفقات، إما أن يتخلوا عن البيانات المتعلقة بالنتائج الفاشلة أو يجرون تغييرات طفيفة على نهج العلاج، ثم الإعلان عنه بوصفه «نهجًا جديدًا»، وإما يقللون من شأن العواقب الوخيمة للأدوية التي – في أحسن الأحوال – تؤجل «عقوبة الإعدام» على المريضة لبضعة أشهر من الموت البطيء في هدوء.

وافقت إدارة الغذاء والدواء على 12 عقارًا أو استخدامًا جديدًا للعقاقير (بروتوكول)، و348 تجربة لأورام المرحلة الثالثة، أنتجت 861 دواءً للسرطان في شكلها النهائي أو تحت الاختبار. وكما دفعت أودري المريضات للكشف عن ثديهن المنفرد، دفعت آن المريضات لتجربة العلاجات البديلة غير الممولة.

تعيش مريضات العقد الثاني من الألفية الجديدة موجة ثانية من ثورة واجبة لإنقاذ حياة البقية؛ فبدلًا من قبول دعوات حضور المؤتمرات الكبرى ليكون جزءًا من استراتيجيات زيادة تمويل شركات الأدوية المحتكرة، يعلِنَّ استعدادهن لخضوع تجارب العلاجات البديلة، وتشريح أجسادهن بعد الوفاة لأغراض بحثية؛ فهن يحتضرن على أية حال، وأكثر من يرغب في المشاركة لحماية مستقبل بناتهن المهددات بوراثة المرض، بخلاف أن اللواتي فعلن ذلك في السنوات العشرة الأخيرة عشن لفترة أطول بفضل الأدوية الجديدة والأطباء الطموحين، وأصبحن دليلًا على أن العلم يمكنه تغيير مصير مريضات سرطان الثدي.

صحة

منذ سنة واحدة
ليست كل الأنواع قاتلة.. الخوف من السرطان هو ما يقتل الآلاف!

المصادر

تحميل المزيد