الميزانية السنوية لهيئة مكافحة السرطان تساوي 1,8 بليون، 5% منها فقط تذهب لأبحاث الحد من سرطان الثدي، ساعدونا بالضغط على المشرعين وأصحاب القرار لتحسين النسبة بارتداء هذا الشريط

هكذا كتبت امرأة اسمها «شارلوت هالي Charlotte Haley» في عمر الثمانية والستين، الفاقدة لأختها وابنتها وحفيدتها بسبب سرطان الثدي على  بطاقات علقت على طرفها شريطًا بلون خوخي قامت بتوزيعها، كانت تقوم بالعمل وحدها، ترسله للمسؤولين وصناع القرار بالبريد، حتى أنها أرسلت للسيدة الأولى، كانت توزعه للمارة في الشارع بيدها عام 1984.

(شارلوت هالي صاحبة أول شريط لدعم مرضى سرطان الثدي تحمل البطاقة التي كانت توزعها على طرفها الشريط خوخي اللون، توفيت 2014 في عمر الـ 91 عامًا/ مصدر الصورة:bcaction.org )

لقد سرقوا شريطها خوخي اللون!

عام ١٩٩١، نشرت «ألكسانرا بيني» – المحررة الرئيسة لمجلة «سيلف» المهتمة بقضايا المرأة – عدد من مجلتها مخصص في موضوعاته بالكامل لدعم مرضى سرطان الثدي وعلى غلافها شريط وردي اللون اتخذته المجلة كرمز لدعم القضية – وفي لقاء معها داخل المجلة تحدثت فيه عن «فكرتها» في استخدام الشريط الوردي قالت عندما سألوها عن مصدر الفكرة «لا أعلم كيف خطرت لي، وكأنني التقطت الفكرة من الهواء».

بعد أسبوع من نشر العدد قامت الصحفية  ليز سميث بنشر مقال عن امرأة اسمها شارلوت هالي تقوم بتوزيع شريط خوخي اللون مع بطاقة توعية بمرض سرطان الثدي من أجل ذكرى أعزاء فقدتهم في هذا المرض.

تحول الأمر إلى ضجة إعلامية أجبرت أليكسانرا بيني على أن توضح الأمر، فأصدرت بيانًا قالت فيه: إنهم تواصلوا مع شارلوت بخصوص اعتماد شريطها كرمز لحملة دعم مرضى سرطان الثدي، لكنها رفضت؛ لشكها في نواياهم الربحية التي قد تستغل الشريط لجلب المال، وقالت لهم حرفيًا: «هذا أمر ربحي أكثر مما يجب»،  فما كان منهم إلا أن يقوموا بتغيير لون الشريط من الخوخي إلى الوردي بعد مشاورة مع محامي  المجلة، وأصبح رمزًا لدعم مرضى سرطان الثدي؛ لون أنثوي رقيق مناسب.

إقرأ أيضًا:«في خدمة الأشرطة الوردية».. 6 أفلام تخبرك كيف تناولت السينما سرطان الثدي

التسويق المرتبط بقضية يجلب الكثير من المال

بعد وفاة «سوزان كومين» بسرطان الثدي عن عمر يناهز الـ33 عامًا في عام 1980 قررت أختها نانسي – مديرة المؤسسة حاليًا –  بأن تبذل جهودها لإيقاف هذا المرض؛ فقامت عام 1982 بإنشاء مؤسسة سوزان كومين الخيرية لعلاج سرطان الثدي، وأصبحت أول شركة تتبنى الشريط الوردي كرمز لدعم مرضى سرطان الثدي، وخلال عام واحد تم تجهيز مليون ونصف شريط وردي أغرقت فيه كافة أنواع التجمعات والاحتفالات الخيرية لدعم مرضى سرطان الثدي.

(مصدر الصورة:komen.org)

في هذا الوقت بالذات – ومنذ منتصف الثمانينات – كان عالم التسويق في أوج أبحاثه في فرع مهم جدًا يعرف بـ«التسويق المرتبط بقضية cause related marketing» إذ أثبتت البحوث التي كانت تقوم بها مراكز الأبحاث لصالح شركات العلاقات العامة أن 50% من المستهلكين سيتحولون من منتج أو علامة تجارية إلى أخرى؛ إذا ارتبطت الدعاية للأخيرة بهدف إنساني خيري نبيل.

أول من قام بالأمر في أواخر الثمانينات كان كارول كون، مؤسس شركة cone communication للتسويق والعلاقات العامة، حيث قامت بالعمل مع شركة reebok للبضاعة الرياضية بتبني قضية حقوق الإنسان؛ مما حقق لها ربحًا مهولًا، وما كانت تلك إلا البداية، حتى تحذو حذوها مؤسسات ربحية كثيرة هدفها الظاهر هو الخير والإحسان وهدفها الباطن هو استغلال الآلام والمعاناة من أجل مضاعفة الربح وتخفيف الضرائب.

وبدأ من هنا نهم مؤسسة «سوزان كومين» لجمع المال خلف هدف دعم مرضى سرطان الثدي لتتشارك مع عدد كبير من الشركات، وقليلًا قليلًا بدأ العمل الخيري ينحو المنحى الربحي.

سرطان السوق! هل هناك غسيل «وردي اللون»؟

Pinkwashing  أو الغسيل الوردي، هو مصطلح يعبر عن إغراق الأسواق بسلع تستخدم اللون الوردي، الداعم للحملات الخيرية الجامعة لمرضى سرطان الثدي بهدف الترويج لتلك السلع من خلال ربطها بهدف إنساني نبيل لأجل تحقيق أرباح أكبر، تقول إنها تدعم مرضى سرطان الثدي من خلال دعم حملات الشريط الوردي، لكنها في نفس الوقت تصنع وتروج لمنتجات قد يكون لها علاقة مباشرة بزيادة مرض السرطان.

مطعم الوجبات السريعة الشهير (كنتاكي) مثلًا – لتوضيح المفهوم – أعلن مرة عن تبرعه بـ 50 سنتًا مقابل كل علبة دجاج زهرية اللون لصالح شركة «كومين» مع أن منتجاتها من اللحوم المصنعة والمواد المليئة بالمسرطنات تعتبر من أقوى أسباب حدوث السرطان بما في ذلك سرطان الثدي.

كل أنواع الشركات: شركات مجوهرات، وشركات الطعام، وشركات الأدوات الكهربائية، وشركات أحذية وملابس، وشركات دمى والكثير الكثير، وبحلول 1998 كان هناك ما يزيد عن 100 شركة قد تبنت الشريط الوردي لدعم مرضى سرطان الثدي ضمن برامجها الخيرية بالتشارك مع شركة كومين، ووصلت حاليًا إلى ما يزيد عن 1400 شركة في الولايات المتحدة فقط.

(أمثلة حية على مصطلح الغسيل الوردي/ مصدر الصور:desdaughter.com,cleanwaterfund.org)

هل حدث تحسن في نسب الإصابة بسرطان الثدي إذًا؟

هناك 1.7 مليون امرأة تصاب بسرطان الثدي سنويًا، بنسبة تمثل 25% من أنواع السرطان الأخرى التي تصاب بها النساء، تموت به 128 امرأة سنويًا مقابل كل 100 ألف مصابة. في أمريكا وحدها تُشخص حوالي 250 ألف امرأة بسرطان الثدي يموت منهن 40 ألف امرأة سنويًا.

وبميزانية تبرعات لشركة سوزان كومين التي وصلت 200 مليون دولار سنويًا، وبمجموع مليارين ونصف المليار في الـ20 عامًا الماضية متوقع أن تحقق كومين هدفها الأول في الحد من مرض سرطان الثدي؟ فهل تحقق هذا؟ في الواقع الإجابة: لا!

لم تنشر أية مؤسسة من هذه المؤسسات استراتيجية واضحة وخططًا مرتبطة بوقت تتعلق بمنع سرطان الثدي أو حتى الوقاية منه، فمعدل نسبة وفيات سرطان الثدي هي نفسها كما كانت منذ 25 عامًا، ففي عام 1991 أشارت الدراسات إلى أن هناك 119 امرأة تموت يوميًا بسبب هذا المرض؛ انخفض الرقم قليلًا جدًا حتى عام 2015؛ حيث أصبح هناك 100 امرأة تموت يوميًا.

وأغلب الدراسات تقول أن التحسن الطفيف في معدل الوفيات هذا لم يكن بسبب تحسن الوقاية والعلاج، بل كان بسبب الوعي الذي اتخذته النساء تجاه صور الماموجرام – التي سنتحدث عنها لاحقًا –  التي كشفت الدراسات عن دورها في تسريع انتشار المرض.

اقرأ أيضًأ: «احتواء سرطان الثدي».. العُلماء يكتشفون المادة المسؤولة عن انتشار المرض بالدم

أين تذهب كل هذه التبرعات إذًا؟

لو تحققنا في ميزانية شركة كومين «الخيرية» نرى أن راتب رئيستها التنفيذية «نانسي برينكر» قد تضاعف أكثر من مرة حتى وصل إلى 684 ألف دولار، وهذا مبلغ ضخم بالنسبة لمؤسسة تعتمد بالكامل على التبرعات من خلال سباقات وحملات وفعاليات وصلت تكلفة إحدى هذه الفعاليات إلى 2000 دولار مقابل تخييم نسائي لمدة ثلاثة أيام.

وبالرغم من زعمها أن ربحها خلال العشرين عامًا الماضية كان مليارين ونصف، فإن هذا الرقم يعبر عما تم جمعه لأجل الحملة والتبرعات، دون إضافة نفقات ورواتب الإدارة، ووفقًا لتقارير شركة كومين التي تنشر سنويًا، والتي يذهب منها فقط 21% بشكل مباشر لعلاج سرطان الثدي ودعم الأبحاث في هذا المجال، وبالنظر إلى رواتب العاملين فيها المرتفعة بشكل خيالي، فإن ما جمعته الشركة خلال العشرين عامًا الماضية يقارب الـ 3,125 مليار دولار، منه 625 مليون دولار ذهب كنفقات إدارية.

Embed from Getty Images

فهمنا إذًا أن 21% تذهب فعليًا لأبحاث الحد من سرطان الثدي، وهناك مبالغ ضخمة تقبضها الإدارة. أين تذهب البقية؟ الحقيقة أن البقية هي مال متحرك في حلقة مفرغة لخدمات غير واضحة يستخدم أغلبه للإنفاق على مزيد من الماراثونات والحفلات والتجمعات والفعاليات التي تدعو الناس من أجل التبرع بمال لدعم التعليم والأبحاث وتقديم التوعية وهكذا.

فأي دعم لـ«التعليم» هذا الذي لم تنجح أبحاثه في تقليل نسب سرطان الثدي حتى اليوم؟ أية «توعية» هذه التي تقود إلى مزيد من فحوصات بالتصوير الماموغرام، والمزيد من الأدوية، والمزيد من الجراحات التي تدر الربح على شركات ذات علاقة مشبوهة مع شركة كومين؟

صناعة «الولاء».. كومين تدخل في علاقات مشبوهة

في دراسة نشرت عن مجلة «نيو إنغلاند» الطبية New England Journal of Medicine عام 2011 كشفت أن مبيعات الأدوية المضادة للسرطان أصبحت بالمرتبة الثانية بعد أمراض القلب وأن 70% من هذه الأدوية دخلت سوق الأدوية خلال العشر سنوات الماضية فقط.

كما نشرت مجلة Pharmacoeconomics عام 2009 أن متوسط كلفة علاج التقليدي لمرضى سرطان الثدي يتراوح بين 20 إلى 30 ألف دولار بتكلفة شهرية بين 5000-10000، هذه الأرقام تشير إلى «الولاء» الذي تكنه شركات الأدوية تجاه مرض سرطان الثدي.

لنطرح أشهر مثال على هذا «الولاء»: تشتهر شركة AstraZeneca الصيدلانية بصنع المخدر «تاموكسيفين» المعروف بسوء سمعته والذي تم إدراجه ضمن العقارات المسرطنة من قبل منظمة الصحة العالمية. هذه الشركة قدمت مبلغ 97 ألف للمنتسبين لمنظمة كومين عام 2008؛ لتصبح فيما بعد شريكة في عدة فعاليات تابعة لدعم مرضى سرطان الثدي من سباقات واحتفالات، كما قامت بتخصيص شهر أكتوبر(تشرين الأول) كشهر سرطان الثدي؛ بهدف رفع الوعي المخصص لمرضى سرطان الثدي، في شراكة مع الجمعية الأمريكية للسرطان.

إذًا الجمعية الأمريكية للسرطان تشاركت مع شركة تروج لمنتج يسبب السرطان، فكيف كانت هذه التوعية؟ هل قاموا بإعطاء معلومات عن سبل الوقاية من مرض سرطان الثدي بتجنب الأطعمة المصنعة، والمحافظة على نمط حياة صحي، والحفاظ على وزن مناسب، وممارسة الرياضة المنتظمة، وغيرها من الإجراءات الوقائية البيئية التي يمكن التحكم بها، ولها دور رئيس في الوقاية؟ نعم ربما، لكن لقد كان هدفهم  الخفي هو دفع أكبر عدد من النساء للقيام بالتصوير الماموجرام للتأكد من سلامة أجسادهن.

لماذا الإصرار على الفحص الماموجرامي المبكر؟

فيما تزايدت الحملات والإعلانات عن أهمية الفحص المبكر والمنتظم السنوي لسرطان الثدي، والتي وصلت لدرجة تضخيم الأمر، وأن الفحص المبكر قد يساعد في العلاج، أظهرت الإحصاءات والدراسات الحديثة أن الأمر كله خدعة، وربما قد يسبب خطرًا أيضًا، إذ إنه لا يرفع الأمل بأية صورة تذكر، وأن هناك امرأة واحدة فقط من بين كل ألفي امرأة تستفيد منه، بينما هناك من ثمانية إلى عشرة نساء تشخص به بشكل خاطئ، وتخضع لأشعة وعلاج كيماوي وجراحة أيضًا، غير الأسباب النفسية، فمثلًا الصدمة التي تصيب الناس من تشخيصهم بالسرطان، قد تسبب مقاومة للأدوية المتعلقة بالأدرينالين بـ 26 ضعفًا، ويؤدي ذلك إلى وفيات لأمور تتعلق بالقلب – لا السرطان – نظرًا لارتباط هرمون الأدرينالين بوظائف القلب.

لماذا إذًا التركيز الشديد على الفحص المبكر؟ ربما يساعدنا في الإجابة قليلًا لو علمنا أن شركة جنرال إلكتريك General Electric واحدة من أكبر مصنعي آلات تصوير الثدي بالآشعة مدرجة على موقع كومين كشريك تتبرع بمبلغ مليون دولار سنويًا لكومين، وتقوم بحملات كثيرة ومتنقلة لتصوير النساء في المناطق النائية.

(صورة توضح كيفية عمل التصوير الماموجرامي/ مصدر الصورة:newlifecast.com)

نقطة أخرى صادمة، دراسات كثيرة تحدثت عن أن الطريقة التي يتم تصوير الثدي فيها بالأشعة، عن طريق وضع الثدي بأكثر صورة مسطحة ممكنة، تحت ضغط يزيد عن 50 باوندَ، يمكن أن تزيد من نشر السرطان وسرعته لو كان موجودًا وضئيلًا؛ لأنها تؤدي لزيادة تفكيك الخلايا ونموها، كما تحدثت دراسات أيضًا أن الأشعة قد تؤثر على جين PRCA؛ فيبدأ سرطان الثدي في النمو بعد التصوير الماموجرامي.

هل تعلم أنجلينا جولي بهذا الأمر؟

من منا لا يذكر قرار انجيلينا جولي باستئصال ثدييها عام 2013؟ المرض الذي ماتت بسببه والدتها؛ فاجتمع عندها عاملان توصلت من خلالهما لهذا القرار، حملها لجين PRCA، وتاريخها العائلي مع المرض، ولكن السؤال الذي يجب طرحه هنا: هل أخبرها أطباؤها بكل الحقيقة والمعلومات عن هذا الجين؟

(خبر عن قرار أنجلينا جولي وردات الفعل حوله)

الجين BRCA في الحقيقة هو جين مهمته في الحمض النووي المساعدة في إنتاج البروتين، ومهمة البروتين إصلاح ضرر – وإعادة بناء – الحمض النووي، وهو موجود عند جميع البشر، لكن ووفقًا للمعهد الوطني الأمريكي للصحة هناك بعض الأشخاص لديهم  طفرة في هذا الجين تجعله يتوقف عن العمل؛ فتتوقف بذلك عمليات إصلاح الضرر وإعادة البناء، ويؤدي بالتالي إلى ارتفاع نسبة خطر نمو خلايا غير طبيعية – غالبًا يحفز هذا الأمر التعرض للإشعاع الطبي والطبيعي، كإشعاع فحص الماموجرام مثلًا، يؤدي إلى الإصابة بالسرطان، خصوصًا لو كان للمريض تاريخ عائلي للإصابة بهذا المرض.

لكن إحصائيًا، كل هذه الأرقام التي تقترح زيادة احتمالية حدوث سرطان الثدي لمن يحملون هذا الجين بنسبة 65% لم تؤكدها أية دراسة طويلة المدى تربط وجود هذه الجينات بزيادة نسبة حدوث السرطان، كما أن هناك الآلاف من الناس يملكون هذه الطفرة الجينية التي أوقفت عمل الجين BRCA واختاروا عدم الخضوع لأي إجراء استباقي، ولم  يصابوا بالسرطان، فالأيام التي كانت تعتمد على الحمض النووي لتشخيص السرطان قد انتهت؛ لأن غالب الدراسات الحديثة تظهر التأثير الساحق المسبب للسرطان هو غالبًا عوامل بيئية – لا وراثية جينية – تصل نسبة تأثيرها على المرض إلى 95%.

النقطة الأخرى، هي أنه وفقًا لمركز الوقاية من الأمراض الأمريكي فإن هناك ما نسبته 2% فقط من النساء اللاتي لديهن تاريخ عائلي من سرطان الثدي ظهرت لديهن طفرة جين BRCA، فالربط بين التاريخ العائلي في الإصابة بالمرض من جهة، وامتلاك طفرة جين BRCA من جهة أخرى، لم تؤكده أية دراسة أو إحصائية بشكل جاد أبدًا.

Embed from Getty Images

وقد يهمنا أن نعلم  أن  شركة مايريد جينيتكس للتكنولوجيا الطبية الحاصلة على براءة اختراع في اكتشاف الجين BRCA – والتي ارتفعت أسهمها بشكل ملحوظ بعد قيام انجلينا جولي بالعملية – تملك الحق الحصري في فحص هذا الجين للنساء والرجال، وأنها رفضت بشكل قاطع عدة عروض حيادية ومهمة لإجراء دراسات واختبارات على الجين لتحديد صحة زيادة احتمالية ارتباط الإصابة بسرطان الثدي بجين  BRCA أم لا!

هناك ما يقارب 1,3 في الولايات المتحدة فقط تم تشخيصهن بشكل مبالغ فيه، وتمت معالجتهن بشكل مفرط (الأطباء هنا يضخمون أعراض المرض؛ لتتم معالجته، حتى لو استدعى الأمر الانتظار أو غير ذلك)  خلال الثلاثة عقود الماضية، فكم من ملايين الدولارات تمكنت شركات الأدوية وشركات الصناعات الطبية من جمعها من العلاج؟ بداية بالمعالجات التشخيصية، ثم المعالجات الوقائية، ثم العلاج بالأدوية والعلاج الكيميائي والعلاج الإشعاعي، ثم العلاج بالجراحة، وبعدها العلاجات الترميمية والتجميلية الناجمة عن جراحات استئصال سرطان الثدي؟

بهذه الأموال الطائلة وبهذه الدائرة المفرغة البادئة بادعاءات توعية النساء للفحص المبكر والمنتهية بالجراحات التجميلية، وكل ما يرد لنا من الإحصاءات أن المصابات بالمرض في تزايد، كم تكلفة كل هذا؟

عن الطفرات الجينية اقرأ أيضًا: الخليتان الأوليان مختلفتان.. هذه هي أول طفرة وراثية تصيب كل الإنسان

مرحبا بكم في «أرض السرطان».. تأملات نسوية في سرطان الثدي

هل سبق وأن شاهدت إعلانًا لدعم مريضات سرطان الثدي، نساء جميلات ترتدي الوردي بجسم نحيف وبشرة بيضاء تركض أو تتقافز أو تضحك، وبشكل ما تضفي «إثارة» على المرض؟

لماذا يروج لسرطان الثدي بشكل مثير؟ ولماذا تم اختيار اللون الوردي للتعبير عنه؟ ولماذا تسعى حملات التوعية لجعل الناس ينظرون إليه بشكل أنثوي لطيف؟

عن اختيار اللون الوردي كرمز للحملة، تقول مارغريت ويلش مديرة جمعية الألوان في الولايات المتحدة: «الوردي هو اللون الأنثوي الأساسي» والملف الوردي دومًا يوحي بأنه لون «لعوب» محب للحياة، لدينا كثير من الدراسات عن أثره على زيادة الهدوء والحد من التوتر، هو بعبارة أخرى كل شيء ليس فيه سرطان الثدي، بحسبها.

تقول إيمي لانجري المديرة التنفيذية لشركة نابكو  – التحالف الوطني لمنظمات سرطان الثدي -: «إن الوردي أضفى على سرطان الثدي ثقلًا كبيرًا يتمثل في صورة جسد وتصرفات وسلوكيات تجاه المرض، وكأنه ينبغي على المريض التحلي بها، لم يعد يتعلق الأمر بالعلاج والوقاية، بل أصبح يتعلق بالأنوثة، وكأن المرأة بإصابتها بهذا المرض قد فقدت جزءًا من أنوثتها، فماذا أفضل من لون وردي ناعم براق يساعدها على تخطي الأمر؟»

تقول الكاتبة والناشطة السياسية باربرا إيرينريك في مقالها المطول عن تجربتها مع الإصابة بسرطان الثدي بعنوان «مرحبًا بكم في أرض السرطان»: «لا يوجد وصف واحد يتم استخدامه مع مريضات سرطان الثدي فيه إضفاء لهالة من «الشفقة» أو «السلبية» القليلة حتى، فبدلًا عن استخدام كلمة (ضحية أو مريضة) يستخدمون كلمة «محاربة أو مكافحة»، وكيف يصفون خضوعها للعلاج؟! يصفونه بالشجاعة والقتال، وبمجرد الانتهاء من العلاج يسمونها «الناجية» من«معركة محاربة السرطان».

وأي اسم ينطبق على الـ 40 ألف امرأة اللواتي يمتن كل عام جراء المرض؟ يسموهن «الخاسرات لمعاركهن» وكأن الواحدة منهن سقطت في معركة حرب، وكأن أمر وفاتها يتعلق باستسلام من نوع ما «خسرن» بسببه حياتهن، هذا كله لوصف نساء يخضعن لفحوصات مخيفة وإجراءات صحية متعبة وعلاجات مؤلمة وجراحات استئصالية وفي أوضاع نفسية في الحضيض».

هل يقتصر الأمر على المريضات؟ لا حتى  خلال حملات التوعية التي تشجع على الفحص والعلاج أيضًا تظهر شعارات من النوع المليء بالإيحاءات الجنسية مثل «المسي ثدييك» و«كرمال ما تخسريه افحصيه»،

(مصدر الصور:ahsaweb.net,nancyspoint.com)

أو شعارات من النوع البطولي المحارب، مثل «هذه الحياة لي وسأحياها» أو «حاربي كفتاة»  يتم نشرها وطباعتها أيضًا، على الملابس وعلى الأدوات وكبطاقات دعم أيضًا.

(مصدر الصور:stagefouralovestory.com,arab48.com\ لاحظ شعار شركة كومين أسفل الشعار بالعربية)

تكمل باربرا إيرينريك وتقول: «ثقافة سرطان الثدي تضفي جانبًا تفاؤليًا ساذجًا مليئًا بالتمييز الجنسي حتى خلال العلاج، فخلال علاجي الكيميائي مثلًا أخبرتني بعض الممرضات أنه يشد الجلد وينعمه، وأنه يساعد على فقدان الوزن، وعندما بدأ شعري بالتساقط أخبرنني بأنه عندما يعود شعري؛ فإنه سيعود أكثف وأنعم، ومن يدري ربما بلون جديد»!

وفي حديثها عن برنامج تقدمه جمعية السرطان الأمريكية اسمه «look good» تقول: هو «برنامج مخصص لتعليم النساء ومساعدتهن لاستعادة مظهرهن وتحسين صورتهن عن ذاتهن أثناء خضوعهن للعلاج يتم إعطاء المريضة فيه حقيبة مكياج ومجموعة عطور».

هل انتهى الأمر بعد شفائها إذًأ؟ تقول إيرينريك: «تم استئصال ثديك؟ لم لا تقومين بعملية إعادة إعمار له وتقومين بعملية تجميل للآخر بالمرة؟ لم لا؟ بما أننا نقوم بالعملية، لم لا تقومي بتحسين مظهر ثديك الآخر، ونقوم بالعملية للثديين ليتطابقا في المظهر؟ من بين 50 ألف عملية ترميم لسرطان الثدي هناك 17 امرأة تقوم بعمليات تجميلية أخرى بتحفيز من أطبائهن التجميليين.

وعن دور النسوية في تحسين الأمر تقول: «ربما ساهمت النسوية بشكل جيد في نشر التوعية فيما يخص سرطان الثدي، بتوفير الدعم النفسي المناسب الخالي من الضغوطات والصور النمطية، فنشأت عدة مجموعات دعم نسوية لمريضات السرطان ولمن شفين منه، وهذا لم يكن أمرًا رائجًا من قبل فقد كانت المستشفيات تنظر لهذه المجموعات كمجموعات معادية تحريضية وكانت ترفض توجيه النساء لأية مجموعة دعم.

لكن الآن لا يوجد مستشفى واحد الا ويعطي مريضات سرطان الثدي كتيب لمجموعات الدعم المحلية ، أو تعطيها موعد متابعة مع العاملة الاجتماعية المهتمة بفحص صحتها النفسية، وبعض المستشفيات مع عودة المريضة إلى المنزل، فإن العاملة الاجتماعية تتصل بالمريضة بشكل دوري، وتتابع معها التحاقها بإحدى مجموعات الدعم، وكيفية تحسن حياتها بعد العملية»

(رأي بعض النسويات في حملات سرطان الثدي)

الرجال أيضًا يعانون من سرطان البروستات.. فلماذا هذا التمييز الجنسي؟!

تدعي جمعية حقوق الرجال أن سرطان الثدي يتلقى الدعم المادي والبحثي أكثر بكثير من بقية أنواع السرطانات، وتتساءل: لماذا لا يوجد من يهتم بسرطان البروستاتا؟ وهو سرطان منتشر جدًا بين الرجال، ويتلقى دعمًا أقل من سرطان الثدي خلال العشرين عامًا الماضية.

ففي عام 2009 مثلًا – وهو عام زادت فيه نسبة التوعية بسرطان البروستات مقارنة مع أعوام سابقة –  تلقى سرطان الثدي 872 مليون دولار، فيما تلقى سرطان البروستات 390 مليون دولار، وبما أن عدد الرجال الذين يصابون بسرطان البروستات يقارب عدد النساء اللواتي يصبن بسرطان الثدي، ففي عام 2007 مثلًا هناك 218,890 ألف رجل شخص أصيب بسرطان البروستات، ما الذي يجعل هذا النوع  يتلقى دعمًا ضئيلًا مقارنة بسرطان الثدي؟

Embed from Getty Images

ربما كل ما تم شرحه أعلاه قد يوضح أن الاهتمام بدعم سرطان الثدي قد أصبح آخر أهدافه تحسين صحة المرأة، لكن النقطة الجوهرية التي تحسم الخلاف في المقارنة بين هذين النوعين من السرطان هي نقطة العمر؛ فنسب الوفيات في سرطان الثدي متقاربة في كل الأعمار، ولا يؤثر عامل العمر في إنقاص احتمالية الموت بسببه، إلا بشكل ضئيل، مقارنة مع سرطان البروستاتا.

كما يظهر من الجدول أدناه، فإن ارتفاع نسبة احتمالية وفاة الرجل بسرطان البروستات تبدأ بالارتفاع من عمر الخامسة والسبعين، بينما بالنظر إلى نسب سرطان الثدي، فإنه يبدأ بنسبة تقارب الـ 10% للنساء من عمر 15-19 وستلاحظ أيضًا أنه أكثر نسب الوفاة منه للنساء في منتصف أعمارهن بين الـ 40 – 50 من أعمارهن.

(مصدر الصورة: katatrepsis.com)

 

هل هذا يعني أن سرطان البروستات لا يصيب الرجال في عمر مبكر؟ لا، نسبة الوفيات الكبيرة بسرطان البروستاتا في عمر متقدم لا تعني أن الشبان لا يصابون به، بل تعني – وهذا أمر يجب النظر فيه جيدًا – أن نسبة الشبان القليلة الذين يصابون به لا يموتون! أي أنهم يتلقون علاجًا وعناية وأدوية قادرة على التقليل من نسبة الوفيات مقارنة بمريضات سرطان الثدي.

أين يقف العرب من هذا كله إذًا؟

الحقيقة أن العرب يقفون أقرب مما يجب وربما الشرح أعلاه كله مهم جدًا لنفهم أن الوطن العربي سيعاني من كل ذلك مضاعفًا. كيف؟

بعد تحقيق مؤسسة كومين أرباحها المهولة في الولايات المتحدة قررت أن تبدأ بالعمل على نطاق أوسع عالميًا، وما أفضل من الشرق الأوسط للبدء بتوسع كهذا؟

أول اتفاق أنشئ بين أمريكا والدول عربية لعمل حملات توعية عن سرطان الثدي تم توقيعه عام 2006 وتم البدء بالعمل عليه عام 2007 تحت عنوان الشراكة بين الولايات المتحدة والشرق الأوسط للتوعية والبحث عن سرطان الثدي بدأت بدولتي الأردن والإمارات ثم امتدت إلى بقية الدول، من الطرف الرئيس الممثل لأمريكا في هذه الشراكة؟ لو قمت بفتح الاتفاقية سترى أن الطرف الأمريكي الأول هو مؤسسة كومين الخيرية، إلى جانب بعض الشركات الأخرى من بينها شركات أدوات طبية وشركات أدوية.

Embed from Getty Images

(لورا بوش السيدة الأولى عام 2007 تجلس في إحدى أوائل فعاليات سرطان الثدي في أبو ظبي)

تبحث هذه الشركات عن سوق جديد يتمثل بالشرق الأوسط بنفس الأسلوب الربحي الاستغلالي للمرض في بلدها الأم أمريكا، وتأمل بخلق سوق مربح جديد بالطبع، الجديد هنا أنها تشاركت مع عدة شركات محلية في كل دولة ليتضاعف الأسى مرتين، ويتم استغلال المرض محليًا وعالميًا، ففي البطاقة أدناه مثلًا نجد أن البرنامج الأردني لسرطان الثدي قد قدم الشكر لبعض الشركات المحلية التي ساهمت بـ«رعاية» رسالة الكشف المبكر، وفي الأسفل ذكر لشركتي أدوية أمريكيتين، إحداهما AstraZeneca سيئة السمعة كما ذكرنا سابقًا.

(مصدر الصورة: البرنامج الأردني لسرطان الثدي)

ولو قمت بفتح موقع المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي الآن؛ فستجد أن شعار شركة سوزان كومين في أسفل الشاشة موجود كداعم رئيس للبرنامج.

ولا يخفى على أي أحد تلك الفترة التي انتشرت فيها حملات فحص سرطان الثدي في البلاد بشكل ساحق على شكل إعلانات تليفزيونية أو لافتات ولوحات تملأ الشوارع والمراكز الصحية والمستشفيات والشعارات الرنانة التي حفظناها عن ظهر قلب من كثرة ترديدها بدءًا بـ«اوعدينا تفحصي» في الأردن، و«أقوى وأحلى» في مصر، و«ولا تترددي، فحصك الآن أمان واطمئنان» في فلسطين.

(مصدر الصور: البرنامج الأردني لسرطان الثدي،المؤسسة المصرية لمكافحة سرطان الثدي، الحملة الوطنية الفلسطينية لمكافحة سرطان الثدي)

العديد من الشعارات في كل بلد عربي كلها تنتهج نهج تلك الشعارات الأمريكية في الترويج والتأنيث وإضفاء لمسة جمالية على المرض؛ ليتم تنظيم فعاليات واحتفالات ومحاضرات ماراثونات تدفع النساء به لفحص الماموجرام المبكر، وتتجاهل الجانب البحثي والجانب الوقائي، وتدور الدائرة بشكل أوسع وأوسع وأوسع بلا فائدة للنساء، وبكثير من المال يربحونه إلى الأبد.

المصادر

تحميل المزيد