كتب فرانسوا بروسو، المحلل السياسي في الصحيفة الكندية «لودوفروار»، عقب الاستفتاء التاريخي ببريطانيا، قائلًا: «تصويت البريطانيّين للخروج من الاتّحاد هو أشبه بقنبلة عنقوديّة، سوف تؤدّي إلى تغييرات على نطاق واسع»، في إشارة منه إلى التغيرات المتتالية، الغالب حدوثها عالميًا، على إثر قرار انفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي.

في الواقع، وجهة النظر الجازمة ببدء ظهور «نظام عالمي جديد قيد التشكيل» لا تبدو مستبعدة، في ظل خروج بريطانيا من الكتلة الأوروبية، وصعود دونالد ترامب، المرشح الرئاسي المحتمل للولايات المتحدة الأمريكية، وكذا تزايد زخم أحزاب اليمين المتطرف، في عدد من البلدان الأوروبية العظمى.

وبما أن الأحداث لا تزال في بدايتها، فإنه من الصعب التكهن بمستقبل النظام العالمي الذي سيسود العالم، ومن ثم سنحاول قراءة طريقين محتملين في هذا الصدد، وقبل ذلك سنلقي نظرة بسيطة، على مسار تشكل نظامنا العالمي، لنحاول فهم ما سيجري في قادم الأيام.

العولمة توحد العالم

مباشرة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، فكر القادة الأوروبيون في طريقة لمنع تكرار المأساة، والحروب التي خلفت ملايين القتلى فيما بينهم. ومن ثم اقترح وزير الخارجية الفرنسي آنذاك، روبرت شومان، تأسيس الجمعية الأوروبية للفحم والصلب، عام 1950، وتم التوقيع على الاتفاق من قبل ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، وبلجيكا وهولندا ولوكسمبورغ، وبعدها انضمت بريطانيا عام 1956.

كان الغرض من إنشاء السوق المشتركة الحرة، الأولى من نوعها في العالم، هو جعل اندلاع حرب كبرى، بين الدول الأوروبية من جديد، أمرًا مستحيلًا وليس فقط مستبعًدا، إذ لا يعقل شن دولة الحرب، على دولة أخرى، واقتصادهما مشترك. ليتطور بعدها التحالف الأوروبي إلى اتحاد شبه متكامل، كما نراه اليوم.

في نفس الفترة التي تأسست فيها نواة الاتحاد الأوروبي، كانت الولايات المتحدة الأمريكية، المنتصر الأكبر في الحرب العالمية الثانية، تسعى لقيادة العالم، بزعامتها نحو نظام «عولمة ليبرالية»، يقي العالم شبح الحروب بين الدول، كما حدث في الحربين العالميتين الأولى والثانية، ومن ثمة نشأت، بإيعاز من أمريكا وأوروبا، مجموعة من المنظمات الدولية، الحاكمة لسياسات واقتصاديات العالم، وأهمها الأمم المتحدة عام 1945، والبنك الدولي عام 1944، وصندوق النقد الدولي عام 1945، ومنظمة التجارة العالمية عام 1995.

بموجب عمل هذه المنظمات الدولية، بالإضافة إلى الاتفاقيات العالمية، انخرطت جميع دول العالم تدريجيًا، في سياق عولمة اقتصادية ثقافية اجتماعية، وتحت ضغطها، تخلت أغلب دول العالم عن جزء من سيادتها المحلية، لصالح النظام العالمي، بعد أن كانت محصورة في قوميتها.

ساهمت العولمة في رفع التنمية بجل دول العالم، وتمددت القيم الليبرالية والديموقراطية بأجزاء واسعة بالقارات الخمس، ومكن هذا النظام من استفادة شعوب الأرض، بما فيها شعوب العالم الثالث، من تكنولوجيا وعلوم الدول المتقدمة، علاوة على تحرير حركة الأشخاص والبضائع ورؤوس الأموال، وتنقلها بين دول العالم، ما سمح بتدفق المهاجرين والمعرفة بين البلاد المختلفة، بحرية نسبية، ناهيك أن فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية، إلى اليوم، كانت الأقل عنفًا في تاريخ العالم.

بالمقابل، كان للنظام العالمي آثار جانبية سلبية أيضًا، مثل مشاكل الهجرة وعدم الاندماج، وانحسار الثروات، وتركزها في أيدي فئة قليلة من النخبة المالية، وانتشار الجريمة والهجمات المسلحة، نتيجة سياسات فتح الحدود.

الطريق الأول: هل هي بداية الارتداد نحو الدولة القومية؟

شكل خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي صدمة عالمية، إذ في الوقت الذي ساد فيه اعتقاد راسخ، بأن العالم ينحو نحو مزيد من التوحد والانفتاح، فاجأت إحدى أعرق الديموقراطيات العالمية جميع الدول، باستعدادها للتضحية بالخسائر الاقتصادية، من أجل الانتصار لقوميتها.

ووصفت فورين بوليسي هذا الحدث التاريخي ببداية «سقوط قطع الدومينو»، السقوط المؤثر مستقبلًا، وفي القريب، على مستقبل بريطانيا والكتلة الأوروبية الهشة، والعالم.

بمجرد إعلان نتائج الاستفتاء، سارعت إسكتلندا وإيرلندا إلى التلميح بإمكانية تنظيم استفتاء آخر، للانفصال عن بريطانيا هي الأخرى، والانضمام إلى كتلة الاتحاد الأوروبي، ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، إذ ظهرت أصوات من اليمين المتطرف، بفرنسا وهولندا وألمانيا وإيطاليا، تنادي بإجراء استفتاءات أخرى، حول البقاء في كتلة الاتحاد الأوروبي من عدمه، على غرار بريطانيا.

وقد عبرت عن هذا السياق ماري لوبان، زعيمة الحزب اليميني المتطرف في فرنسا، في كلمتها أسفل قبة المفوضية الأوروبية، مبدية سعادتها بانفصال بريطانيا عن الاتحاد الأوروبي، وداعية جميع دول الاتحاد إلى الحذو حذوها. مضيفة: «الربيع الشعبي في أوروبا بات حتميًا». ما ينبئ عن احتمال تفكك الاتحاد الأوروبي، أحد ركائز نظام العولمة العالمي الرئيسة، وبالتالي العودة بالتاريخ إلى زمن ما قبل الحرب العالمية الثانية، حيث تسود الدولة القومية.

من جهة أخرى، يخشى العالم أن يواصل المرشح الرئاسي المحتمل، دونالد ترامب، مفاجآته ويفوز بالسباق الرئاسي، ما يعتبره الكثير «كارثة على النظام العالمي»، إذ ينوي ترامب تبني سياسة «قومية بالغة التعصب»، كما أنه لا يهتم كثيرًا بالمؤسسات الدولية، ويعلن صراحة أنه يريد إحاطة أمريكا بالأسوار لحمايتها.

وإذا ما فاز ترامب بالسباق الرئاسي الأمريكي، فيبدو أنها ستكون القشة الأخيرة القاصمة لظهر النظام العالمي، إن جاز التعبير، باعتبار أن الولايات المتحدة الأمريكية هي نواة المنظومة العالمية، السائدة اليوم.

ولا يحتاج المرء كثيرًا للتنبؤ بالمستقبل، إذا ما تراجعت المنظومة الليبرالية لصالح القومية، لأن منطق الأمور، كما يبدو، يقول إن الصراعات ستتجدد، على الأغلب، بين الدول مرة أخرى، وستنحدر قيم حقوق الإنسان، وسيتقهقر مستوى التنمية بأغلب دول العالم، كما كان الوضع قبل نصف قرن.

الطريق الثاني: صدمة بريطانيا قد تدفع أوروبا لمزيد من التوحد

قد يبدو الطريق الأول حاملًا لنظرة تشاؤمية مبالغ فيها، بالنظر إلى أن بريطانيا لم تكن مندمجة داخل الاتحاد الأوروبي بالشكل الأمثل، بل امتلكت صفة العضوية الاستثنائية، بحيث لا تتبنى كل التزامات المفوضية الأوروبية، حتى أنها لم تضطر لتغيير عملتها المحلية، الجنيه الإسترليني، إلى العملة الأوروبية، اليورو، وبالتالي فإن خروجها لن يغير من الوضع كثيرًا، وربما يمكن التعامل معها على شكل علاقات ثنائية، مع الاتحاد الأوروبي، كالحال مع سويسرا.

بل إن بعض المحللين يصفون خروج بريطانيا بالأمر الإيجابي، إذ لطالما كانت بريطانيا تضع العصا في العجلة، كما يقال، من أجل منع تمرير مجموعة من قرارات المفوضية الأوروبية، بهدف المزيد من التوحد، كتوحيد القوانين، والتدخل في السياسات الاقتصادية لدول الاتحاد، وبعد أن خرجت بريطانيا من قبة البرلمان الأوروبي، فستكون الساحة مفتوحة كما يبدو، للوصول بالاتحاد الأوروبي إلى التوحد الشامل.

كما أن القادة الأوروبيين عازمين على أن تدفع بريطانيا الثمن لقاء خروجها، عبرة للبلدان الأخرى التي قد تفكر في الخروج، ولذلك كانت ميركل صارمة مع رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون عندما صارحته بأن «بريطانيا لن تتمكن من انتقاء ما تريده من الاتحاد الأوروبي».

علاوة على أن معظم شعوب دول الاتحاد الأوروبي تؤيد البقاء داخل الكتلة الأوروبية، وإن برزت أصوات يمينية في بعض البلدان تدعو للانفصال، ويمكن أن يتعزز هذا الشعور المؤيد للاتحاد الأوروبي، إذا ما توالت التداعيات السلبية على بريطانيا، إثر مغادرتها الكتلة الأوروبية، وقد بدأت بالفعل تظهر هذه التداعيات على مستوى الاقتصاد.

على جانب آخر، تبشر استطلاعات الرأي بهزيمة دونالد ترامب، على يد مرشحة الحزب الديموقراطي، هيلاري كلينتون، ومنه تتخلص أمريكا من أحد أكثر المرشحين الرئاسيين إثارة للجدل في تاريخ أمريكا، إذا ما أيدت نتائج الانتخابات الأمريكية المقبلة استطلاعات الرأي.

وحدها الأيام المقبلة ستخبرنا إلى أين يتجه العالم، هل إذن إلى مزيد من العولمة والانفتاح، أم إلى الارتداد نحو الوراء والتشبث بنزعة القومية؟

عرض التعليقات
تحميل المزيد