5,343

«بصفتي مستشرف أو مستقرئ للمستقبل، فأنا أعمل مع منظمات تحتاج إلى مراهنات كبيرة في عملها، وتحتاج رؤية ومعرفة بما قد يحمله الغد، وكثيرًا ما يظن الناس أن هذا أمر يبدو معقدًا أو مخيفًا»، هكذا يُعرف بي دي جونسون نفسه. يعمل بي دي جونسون لدى شركة إنتل، وهي واحدة من أكبر الشركات العالمية الإلكترونية، مسؤولًا عن الاستشراف والاستقراء المستقبلي؛ لطرح تخمينات حول الوضع الذي ستكون عليه الأدوات الإلكترونية وعالم الحاسبات في عام 2020 وما بعده.

يرى جونسون أن المستقبل ليس شيئًا ثابتًا، ولكنه كيان يتشكل يوميًا بناءًا على تصرفات الناس، ويؤكد جونسون ضرورة المشاركة النشطة في صنع هذا المستقبل، وليس فقط رؤيته، ويؤكد أيضًا أهمية أن نكون فاعلين تجاه المستقبل المُحتمل الذي نريد أن نتجنبه، فوجهة نظر جونسون تتمثل في أن المستقبل ليس أمرًا مجهولًا عنّا كليًة، ونحتاج إلى مُنجم لقراءته، ولكنه شيء يمكننا بناؤه، ومن ثم يمكننا معرفته والتوصل إليه من خلال استقراء المقدمات القائمة أمامنا، والتي تحدث بالفعل حولنا في كل مكان، وبناءً على ما يحدث حولنا يرسم جونسون خطته التي قد تمتد لنحو 10 أو 15عامًا للوصول إلى هدف معين.

جونسون قارئ المستقبل بطريقة مختلفة عن المعتاد

ما يُمير جونسون عن كافة قارئي المستقبل، هو اختلاف طريقة عمله كليًا عنهم؛ إذ تكمن محطة جونسون الأولى في العلوم الاجتماعية، فهو يعمل مع الدكتور جينيفيف بيل، وهو عالم إنثربولوجي ثقافي يعمل في شركة إنتل منذ عام 1998. ويعملان معًا من خلال تشكيل فرق من علماء الاجتماع وغيرهم؛ لفهم الوضع الحالي للعقلية المجتمعية السائدة ومحاولة معرفة إلى أين تسير، أما الخطوة التالية: فتتمثل في النظر إلى الحاسبات؛ إذ يعمل جونسون وفريقه مع علماء الكمبيوتر للنظر في الحالة الفنية الحالية للحاسبات والبرامج، بالإضافة إلى الأبحاث القادمة التي ترسم الطريق للتطورات المُحتملة فيما يخص عالم الحوسبة، ثم يدمج بيانات التكنولوجيا مع بيانات العلوم الاجتماعية للإجابة على سؤال بسيط: كيف يمكننا تطبيق هذه التقنية لتحقيق ما يطمح إليه الأشخاص في خيالهم، ولتحسين حياتهم؟

فيديو لجونسون حول مستقبل العلوم

يجمع جونسون بين كل هذه البيانات، ثم يطور ما يسميه «رؤية المستقبل» التي يمكن لفريقه العمل على بنائها، وبعد ذلك يعمل جونسون على قطع طرق طويلة حيث يسافر للتحدث إلى أشخاص في الحكومات، وفي الجيوش، وفي الجامعات، وفي الصناعة، ويحاول التركيز ليس فقط على العملاء، ولكن أيضًا على مجموعة أوسع من الشركات، يتحدث مع الجميع ليس فقط عن مستقبل الحواسيب، لكن يتحدثون أيضًا عن رؤيتهم للعالم وكيف سيسير، يسألهم: ماذا نحتاج أن نفعل اليوم؟ وبعد سنة واثنتين؟ وفي عام 2020؟ ويحاولون أن يطوروا التفكير الذي يتوصلون إليه، وهو ما يجعل الرؤية الخاصة بعام 2020 أكثر واقعية، إنه جهد بحثي واستقرائي أكثر بكثير من مجرد كونه رجمًا بالغيب في نظر الكثيرين.

«التوصيل بالقبلة».. تكنولوجيا المستقبل في نقل البيانات بين الهواتف الذكية

يقول جونسون: «إنني أتعاون مع الشركات والجامعات والرابطات التجارية والشركات الناشئة لوضع النماذج التي يطمحون في الوصول إليها، ومن ثم أبدأ في العمل معهم لتحديد الخطوات المحددة التي يحتاجون لاتخاذها اليوم وغدًا ولخمس سنوات من الآن لتحقيق المستقبل الذي يتصورونه. هذه عملية أطلق عليها اسم: الإعداد للمستقبل، وهي عبارة عن مزيج من العلوم الاجتماعية والبحوث التقنية والبيانات الاقتصادية والاتجاهات والتاريخ ومقابلات الخبراء ورواية القصص للوضع الحالي الذي عليه السوق».

لماذا تهتم شركة «إنتل» بقراءة المستقبل

هذا الأمر الذي أدركته شركة «إنتل»، وربما يعود الجانب الأكبر من النجاح الذي حققته إلى أنها أولت هذا الأمر الأهمية المناسبة له خلال الأربعين عامًا الماضية، وشركة إنتل هي إحدى الشركات المُصنعة للمنتجات الميكروية، فيعود النجاح الذي حققته الشركة إلي مقدرتها على فهم التطور الذي ينتظر عالم الحاسبات والتكهن بالمستقبل التقني، ففي عام 1965 قدّم جي مور – أحد مؤسسي شركة إنتل – طرحه الشهير، ومفاده أن عدد الترانزستورات التي يمكن وضعها في دائرة متكاملة سيتضاعف كل عامين، وقد تبين أن هذا الطرح الذي بات يُعرف بقانون مور ليس أقل من تنبؤ غاية في الدقة.

مع الوقت أصبحت المعالجات الميكروية التي تنتجها شركة إنتل كانت تصغر تدريجيًا وتزداد سرعة وتقل سعرًا، وهو ما جعلها تُسهم في ولادة الحاسبات الشخصية والأجهزة المحمولة التي كان لا يُصدق أحد في الماضي أنها ستكون موجودة يومًا ما، فكان وجودها دربًا من دروب الخيال لا أكثر، وهو الأمر الذي جعل الخيال العلمي مصدر الإلهام الأول لدى دي بي جونسون.

في عام 2009 عُين جونسون مسؤولًا رسميًا عن مهام الاستشراف في شركة إنتل، فهو الرجل الذي يتقاضى أجره نظير ابتداع تصور لتقنيات المُرتقبة لشركة إنتل، وكذلك التكهن بما قد تحمله السنوات القادمة في جعبتها من أسرار لصناعة الحوسبة، وهو ما يمكننا أن نقول إن الدور الذي يضطلع به جونسون في شركة إنتل هو دور غير اعتيادي يعتمد على دراسة تقنية متخصصة، بالإضافة لدراسات اقتصادية وبشرية تخص السوق الإلكتروني والجمهور.

كيف تُدمِّر التكنولوجيا مستقبل البشرية؟

خبرات جونسون المتعددة تشمل الحكومات والجيوش

لا تقتصر خبرات جونسون على شركة إنتل وحدها، فيقول جونسون إن عمله خلال العقدين الماضيين قد شمل العمل مجالات مميزة: أولها كان الشركات التي عمل بها لرسم الهدف الذي يريدون تحقيقه، ووضع معهم الخطط التي ينبغي عليهم تنفيذها للوصول إلى هدفهم هذا، أما المجال الثاني فهو وسائل الإعلام؛ إذ  يُقدر جونسون أهمية الخيال العلمي وعلاقته بالتطور العلمي الفعلي، لذلك فهو مُساهم منتظم في مجلات مختصة بمجالات الحوسبة والمستقبل التقني، كذلك فهو يُفضل أن يتحدث كثيرًا عن موضوع المستقبل وما يعنيه، سواء من خلال الندوات المباشرة، أو من خلال اللقاءات التليفزيونية والصحافية، وأما عن المجال الثالث الذي يشمله جونسون بخبرته فهو: مجال العمل الخيري والتعليم؛ إذ هو شغوف بالتعليم ونقل الخبرات إلى الجيل القادم، ويرى أن هذه العقول هي التي ستبني المستقبل، ويؤكد أن «مهمتنا هي مساعدتهم».

جونسون أيضًا هو أستاذ في مدرسة جامعة ولاية أريزونا، حيث يُدرس مستقبل الابتكار في المجتمع، كذلك فهو مستشار في شركة فروست أند سوليفان، وهي شركة استشارية تهتم بالأبحاث التسويقية، كذلك يشمل عمله الحكومات والجيوش والمنظمات التجارية لمساعدتهم على تصور مستقبلهم، وخلال مشواره المهني، حصل جونسون على أكثر  من 30 براءة اختراع، وألّف العديد من كتب الخيال والقصص الخيالية، بما في ذلك الأفكار المُبتكرة الخاصة بالخيال العلمي، والتي تخص مستقبل الترفيه والحوسبة والأجهزة التي الإلكترونية التي نعتمد عليها، وهو يظهر بشكل منتظم على قناة «بلومبرج تي في، وفوكس نيوز، وديسكفري».