ربما لم تكن لأمة من الأمم آثار كثيرة ومتنوعة باختلاف العصور مثلما كان لمصر، وبطبيعة الحال جلبت كثرة الآثار أو وفرتها – إذا جاز التعبير – السرقات والنهب، وهو تاريخ طويل لا يتسع المجال لتغطيته كله في موضوع واحد، إنما سنتعرف على أهم وأشهر محطات سرقة الآثار المصرية في هذا التقرير.

سرقة الآثار والكنوز المصرية القديمة بدأت مبكرًا جدًا

عرف المصريون القدماء سرقة ونهب المقابر الملكية في عصور مبكرة، وأدركوا خطرها، حتى أن أعظم المقابر في تاريخ العالم – أي الأهرامات – قد بني في الأساس لحفظ مقتنيات الملوك الأخروية وجثثهم المحنطة.

ورغم البناء الهرمي الشاهق، لم تسلم هذه المقابر من السرقة، بل لم نجد فيها جثث الملوك المحنطة، وبالطبع مجوهراتهم الثمينة، فقد اعتاد الملوك المصريون القدماء على بناء معابد جنائزية صغيرة جوار الأهرامات الضخمة يقوم على خدمتها كهنة تخصص لهم أوقاف ملكية، يعود ريعها إلى هذه المعابد الجنائزية التي تساهم بدورها في الحفاظ على الأهرامات الملكية من السرقة.

وكذلك ممارسة الطقوس والشعائر التي من شأنها مساعدة الملوك في رحلتهم الأخروية. لكن سرعان ما كانت هذه المعابد تُعبر بعد وفاة ملوكها بفترة قصيرة، وصعود ملوك جدد إلى سدة الحكم، يحتاجون هذه الأوقاف، وأولئك الكهنة في أعمالهم الأخروية الخاصة؛ مما جعلها نهبًا للصوص المقابر.

أول واقعة سرقة مسجلة: «بانيب».. موظف حكومي نهارًا ولص مقابر ليلًا!

تبدأ أشهر واقعة معروفة ومسجلة حول لصوص المقابر الملكية – في عصر الدولة الحديثة حوالي (1550 ق.م – 1352 ق.م) بمنطقة دير المدينة، الواقعة بمدينة الأقصر الحالية – بحسب ما يذكر عالم المصريات الفرنسي باسكال فيرنوس في كتابه (الجريمة في مصر القديمة) – للمدعو بانيب. كان بانيب طفلًا من أطفال الشوارع، تبناه مشرف عمال بناء ذو نفوذ في منطقة قريبة من دير المدينة.

عاش بانيب حياة رغدة في كنف والده بالتبني؛ نظرًا لما كان يوفره الملوك القدماء من المؤن والطعام لقرى العمال الملحقة بمشاريعهم المعمارية الضخمة، لكن والد بانيب بالتبني قُتِل في ظروف غامضة؛ إذ وجدوا جثته في صباح أحد الأيام ملقاة على وجهها بالسوق.

لم يكن ثمة دماء؛ مما رجح أن يكون الرجل قد مات مسمومًا، وللمصريين القدماء تاريخ طويل في دراسة النباتات لاستخلاص زيوتها، ومعرفة النافع منها والسام، فقد كانوا يستخدمونها في حياتهم اليومية لأغراض الطعام، والنظافة الشخصية، والتحنيط، والتداوي، وصولًا إلى القتل.

لا يخفى على أحد شعور رجل في الأربعينات من عمره – بانيب – وهو يرى شابًا غضًا يتولى منصب أخيه، والذى يرى نفسه الأحق به، ليس هذا فحسب، بل إن هذا الشاب تثار الكثير من الشكوك حول ضلوعه في مقتل أخيه.

بهذه الدوافع تحرك عم بانيب بالتبني لمراقبته، كان يرصد تحركاته كلها، ويسجلها لحظة بلحظة، وهذه البرديات التي وصلتنا تعد أول توثيق قديم لتحركات لص ما، كان بانيب من الجرأة أن يختار سرقة قبور الملوك، وهو أمر جليل، ليس فقط لحرمتة الدينية حينئذ، لكن أيضًا لأن عقوبته كانت قاسية ومميتة، وهي الموت بالخازوق.

وعلى ما يبدو لم يكن بانيب مهتمًا بهذه العواقب الدنيوية أو الأخروية حتى، فقد كان طامعًا مستهترًا، فيسجل لنا عمه أول حادثة سرقة قام بها بانيب في وضح النهار؛ إذ شاهده وهو يحضر جنازة أحد الملوك، ثم سرق إوزة ذهبية من أحد المقابر الملكية التي يعمل بها – حسبما تقول البردية – ومع أنه أنكر سرقتها، إلا أنها قد وجدت بالفعل في بيته بعد ذلك.

ولتصور مدى صعوبة الأمر علينا تخيل أن هؤلاء اللصوص كانوا بحاجة لحفر أمتار عميقة في الرمال، ومن ثم تكسير صخور صلبة للوصول إلى الضريح، وبالتالي الكنوز، وعليه فقد كان عملًا شاقًا، ومحفوفًا بالمخاطر، كما أنه كان ولابد أن يكون جماعيًا.

لذا احتاج بانيب أن يكون مشرف عمال حتى يتمكن من تجنيد العمال بالأعداد المطلوبة والكافية، واعدًا إياهم بنصيب من السرقة، كما رشا الحراس حتى يتمكن من دخول المقابر التي يعرفها جيدًا، ويتجاهلوا الضوضاء الصادرة عن الحفر والتكسير. لقد كان بانيب شخصية فريدة بحق، فهو يشرف على بناء الأضرحة نهارًا؛ ليقوم بسرقتها ليلًا!

غرفة الدفن بمقبرة توت عنخ آمون، وهي مثال مصغر لما يمكن أن تكون عليه مقبرة ملكية

كان أعوان بانيب يسرقون الكتان عالي الجودة – وهو غال الثمن – والزيوت، ويقومون ببيع الأثاث الموجود داخل المقابر في السوق السوداء المحلية، أما المشغولات الذهبية والفضية فقد كان بانيب يقوم بتسخينها على نار حامية حتى الانصهار، ومن ثم يقوم ببيعها كتلًا مصمتة يسهل تصريفها في السوق العام؛ إذ لم تكن السبائك في شكلها الحالي معروفة بعد، بحسب باكسال فيرنوس.

ولنعرف ما تعنيه غرفة الدفن يجب أن نفهم فكرة الحياة الأخرى بالنسبة لملك مصري قديم، فهي حياة تشبه حياتهم في مصر بلا أدنى تغيير، وعليه؛ فقد كانت غرف الدفن هذه تحتوى على الأثاث، والحلي، والجواهر، والطعام، والشراب، والملبس، والبيرة. وغرفة الدفن التي سرقها بانيب، وذكرت في البردية، كانت غرفة دفن الملك سيتي الثاني.

في النهاية قُبض على بانيب، ولا تذكر البردية إن كان لم يرش كل الحراس، أو أن أحدهم تفاوض معه على زيادة الرشوة، غير أنه رفض، لا ندري، كل ما نعرفه أن أول لص نعرفه في تاريخ مصر القديمة قد أعُدم بالخازوق جراء فعلته، بعد توجيه تهم السرقة، والاعتداء بالضرب، ومحاولة القتل، ونهب الأضرحة – حسب البردية.

ولفهم خطورة سرقة الأضرحة علينا أن نسترجع فكرة مصرية قديمة مفادها أن «الروح لن تستطيع العبور إلى العالم الآخر إذا جرى تشويه الجسد، أو سرقته، أو نبش الضريح»، وعليه كانت محاولة بانيب سرقة ضريح الملك سيتي الثاني جرمًا لا يغتفر بأية حال من الأحوال؛ كونه لا يسرق ضريحه فقط، إنما يحرم الملك من الحياة الأبدية!

بدايات الهوس بمصر القديمة في أوروبا

في 21 مارس (آذار) 1791 أصدرت محكمة التفتيش الكاثوليكية في روما حكمًا بالإعدام على الكونت أليساندرو دي كاجليوتسرو، ثم جرى تخفيف الحكم إلى السجن المؤبد في إحدى القلاع تحت حراسة مشددة دون أدنى أمل في العفو.

طُرد الكونت أثناء شبابه من أحد الأديرة التي كان يتلقى تدريبيًا كهنوتيا بها، ثم تزوج من امرأة جميلة هي لورينزا فليتشيانو، وسافر معها في أنحاء العالم المختلفة ليبيع شرابًا سحريًا للحب، وأنواعًا مختلفة من أكاسير الشباب، والجمال، وتكسب كثيرًا من معمله للخيمياء السحرية القديمة في شارع هوايت بلندن، بريطانيا.

بعد عدد من الدعاوى القانونية التي اتهمته بـ«الدجل والاحتيال» انتقل الكونت إلى سالزبورج – تقع في النمسا حاليًا – وفي ذلك البلد وجد في أمير روهان شخصًا شديد التحمس لتصديقه.

قانون دولي

منذ 10 شهور
آثار أفريقية وعربية في متاحف أوروبية.. لماذا لا تعود تلك الآثار إلى بلادها الأصلية؟

وعليه قدم أمير روهان تشارلز هذين الزوجين اللذين يسويان العجائب إلى أعلى الدوائر الأوروبية والنخب الحاكمة، ولقي الكونت وزوجته كل التكريم والحفاوة في بلاط ملوك مشهورين، أمثال لويس الخامس عشر ملك فرنسا، وكاثرين العظيمة إمبراطورة روسيا، وسرعان ما امتدت شهرتهما إلى جميع مستويات المجتمع الأوروبي، حتى أنهما حين كانا يظهران علنًا للعامة كانت الشرطة تستدعي الحرس لحفظ النظام.

ومع أن الكونت كان اسمه ببساطة جوسيب بالسامو، وكان ابنًا لأسرة فقيرة في باليرمو – كما كان يقول لجمهوره المتحمس – إلا أنه روج قصة مفادها أنه قد حُمل إلى مصر حين كان طفلًا، وأخذ إلى كهف يقع تحت الهرم الأكبر، حيث ظهرت له روح تسمى «القبط الأكبر» وأطلعته تلك الروح على أسرار النيل التي لا يحدها زمن، وكلفته باستعادة الطقوس المصرية القديمة إلى العالم.

أسس أليساندرو محفلًا يسمى «أتباع الماسونية العليا المصرية في باريس»، وبنى معبدًا مقدسًا لإيزيس، يتولى هو رئاسته باعتباره إعادة تجسيد لما أسماه بـ«القبط الأعظم»

وبهذه النشاطات جلب الكونت على نفسه الحكم الذي حكمت به محكمة التفتيش الكاثوليكية؛ ذلك لأن الكنيسة آنذاك لم تكن تنظر بعين الرضا لمصر ذات الأسرار الغامضة.

دبلوماسيون وتجار آثار.. هكذا امتلأت المتاحف الأوروبية بالآثار المصرية

أثناء الفترة التي قضاها محمد علي في الوصول إلى الحكم وتثبيت دعائمه لم يكن هناك نشاط دبلوماسي أو قنصلي في مصر بالمعنى المفهوم للكلمة، رغم وجود أجانب، ومع ذلك فقد احتفظت القوتان العظميان آنذاك – بريطانيا وفرنسا – بممثلين عنهما، الكولونيل ميست الذي تُرك بمصر عام 1803 مراقبًا للبريطانيين، والقنصل الفرنسي برناردينو دروفيتي.

وحين اعترف العثمانيون بنابليون إمبراطورًا لفرنسا، ثأر البريطانيون بتمكين المماليك في الإسكندرية، فانتقل دروفيتي إلى القاهرة للعمل على مساندة محمد علي ضد العثمانيين. وحين استولى محمد علي على مقاليد الأمور في البلاد سرعان ما اتخذ دروفيتي حليفًا وصديقًا، ونتيجة لذلك تولى دروفيتي أعمال التنقيب عن الآثار في وادى النيل (مصر والسودان)، وكان هو المسئول عن تقديم الطلبات للباشا من أجل الحصول على فرمانات (تصاريح) التنقيب.

وبذلك استطاع أن يعوق أي طلبات لها أهمية حيوية أو بمعنى آخر، لا يكون هو مقدمها. وأثناء عمله في مصر كدس مجموعة كبيرة من الآثار المصرية التي كان يبتهج بعرضها على زواره معلنًا أنها في يوم ما سوف تثري متاحف باريس.

أما القنصل الإنجليزي ميست، فكانت صحته معتلة طوال خدمته في مصر، بل أصيب بالشلل في آخر تلك الفترة، وعليه فلم يكن يشكل خطرًا بالنسبة لنظيره الفرنسي.

إحدى القطع المصرية المعروضة في متحف تورين بإيطاليا

عام 1815 قدم ميست استقالته من منصبه، ليحل محله رجل اسمه هنري سولت، وكان سولت مكلفًا بالكشف عن الآثار المصرية واستخراجها للمتحف البريطاني الذي كان الراعي الأول لمكتشفات سولت. فقد طلب ويليام هاميلتون وكيل وزارة الخارجية البريطانية آنذاك من سولت أن يتصيد أثرًا هامًا في مكانة أثر حجر رشيد، أو «حجر رشيد آخر» على حد تعبيره، مضيفًا «مهما كلف ذلك، فلسوف تدعمه أمة مستنيرة بكل غبطة».

ومع أن سولت قد تخلف عن دروفيتي حوالى 10 سنوات في دخول سوق الآثار المصرية، إلا أنه سرعان ما لحق به بفضل جهود أحد معارفه، وهو «رجل السيرك القوي» الإيطالي جوفاني باتيستا بلزوني.

جاء بلزوني إلى مصر أملًا في الحظوة لدى الباشا الجديد الذي عرف عنه رغبته في تحديث مصر، وبناء دولة على الطراز الأوروبي، فعرض خدماته على محمد علي باشا في شكل عجلة مائية يمكنها أن تحل مشكلة الري في مصر، وقد أسكنه محمد علي في أحد منازل القاهرة، ومنحه راتبًا قدره حوالي 25 جنيهًا شهريًا حتى ينجز اختراعه.

فى 1816 حضر الباشا عرضًا لعجلة بلزوني المائية التي دارت بطريقة جيدة أعجبت محمد علي، والذي طلب بدوره تجربتها إذا جرها رجال بدلًا عن الثور.

وبالفعل قفز 12 رجلًا للتجربة، وبمجرد أن بدأت العجلة تدور قفزوا جميعًا خارجها؛ إذ جعل وزن المياه طبلة العجلة ترجع إلى الخلف ملقية بأحد الرجال إلى الخارج، وكسرت إحدى ساقيه، وبعد فشل التجربة وانقطاع هبة محمد علي عن بلزونى توجه الأخير إلى القنصل الإنجليزي الجديد هنري سولت ليبدأ فصلًا جديدًا من سرقة الآثار المصرية.

كان دروفيتي يقوم بجولة في الصعيد، ويشتري كل ما يمكنه العثور عليه من الآثار كي يضمها إلى مجموعته الخاصة، التي أعلن هنري سولت أنها تساوى 4 آلاف جنيه بعد فحصها، إذ لم تكن هناك قيمة سوقية متفق عليها للآثار المصرية آنذاك.

مدفوعًا بالغيرة والرغبة في تكوين مجموعته الخاصة قام سولت بسعي محموم لجمع الآثار المصرية، حتى أنه كتب ذات مرة إلى راعيه الأرستقراطي الإنجليزي الملقب بـ«إيرل ماونتنوريس» بأنه «لا يمكنه الإحجام عن تكوين مجموعة لنفسه» بعد إعطاء راعيه نصيبًا وافرًا، وبأنه لن يتخلى عن مجموعته الخاصة الفريدة تلك، إنما سيتركها للإيرل في حال وفاته – على حد تعبيره.

على الناحية الأخرى كان دروفيتي قد كون وكلاء له في جميع المواقع الأثرية على طول وادى النيل، وأعطاهم تعليمات واضحة بإحباط أي حفر دون إذن مسبق منه شخصيًا.

ويمكن القول إن مصر في ذلك الوقت كانت ساحة مغامرات الرحالة الأوروبيين وجامعي الآثار بأي ثمن وبأية طريقة في ظل غياب ملموس للحكومة التي لم تكن تهتم في ذلك الوقت بـ«المساخيط» أو الآثار الفرعونية.

ورغم إصدار محمد علي باشا سنة 1835 مرسومًا يقضي بحظر الإتجار في الآثار المصرية؛ إلا أن هذا المرسوم قد ظل حبرًا على ورق لمدة طويلة؛ لأن مصر وحتى منتصف القرن التاسع عشر كانت أرضًا مباحة لجامعي الآثار ووكلاء المتاحف المتنافسة، حتى أن هوارد كارتر – مكتشف مقبرة توت عنخ آمون – كتب عن ذلك الوقت قائلًا: «كانت تلك أيام التنقيب العظيمة؛ إذ كان في وسع الشخص أن يمتلك أي شىء يشعر برغبة في امتلاكه، من الجعران إلى المسلة، وإذا وقع خلاف في الرأى مع آخر من المنقبين، كان المرء يترصد له ومعه بندقية».

وباقتراح من الشيخ إبراهيم أو جون لويس بوركهارت، وهو سويسري، تعلم العربية، وارتدى الملابس العربية، وأطلق لحيته، وسمى نفسه الشيخ إبراهيم، أوكل سولت إلى بلزوني مهمة نقل رأس تمثال مصري قديم وُجد وسط حطام أحد المعابد، كان الرأس يزن حوالي سبعة أطنان، وقد حاول الفرنسيون نقله أثناء معاركهم مع المماليك، لكنهم فشلوا.

وبتوصية من القنصل الإنجليزي هنري سولت توجه بلزوني إلى أسيوط، فقدم خطاب تفويضه بنقل التمثال إلى إبراهيم باشا – ابن محمد علي – الذي زوده بما يلزم من عمال مصريين وقوارب، كما أعطى سولت بلزوني ألف قرش ( حوالي 25 جنيها) لشراء أية آثار أخرى قد يعثر عليها.

وبعد خمسة أيام وصلوا إلى منفلوط حيث التقوا بإبراهيم باشا وهو في طريق العودة عن طريق النيل إلى القاهرة وبصحبته القنصل الفرنسي دورفيتي الذي كان يتفاوض على شراء بعض الآثار، هو الآخر لمجموعته.

احتاجت عملية استخراج التمثال إلى 40 رجلًا للحفر، و130 آخرين لشحن الرأس على المركب النيلي، ليستقر بعد ذلك في صدارة قاعة الآثار المصرية بالمتحف البريطاني، منذ ذلك الوقت وحتى الآن. ولم يكن الرأس المعروف بـ«ممنون الصغير»، سوى تمثال للملك رمسيس الثاني الذي كان على حد تعبير وكيل الخارجية البريطانية وليام هاملتون: «أجمل وأكمل قطعة من النحت المصري يمكن رؤيتها في كل أنحاء البلاد».

تمثال ممنون الصغير، أو رمسيس الثاني الذي هربه سولت وهو معروض الآن بالمتحف البريطاني، الصورة: ويكيبيديا

تجدر الإشارة إلى أن مجموعة سولت وصل ثمنها إلى ما يربو على 21 ألف جنيه استرليني بعد سنوات من التنقيب التي مولها أول دبلوماسي بريطاني في مصر، واستقرت كلها في المتحف البريطاني، أما نظيره الفرنسي دروفيتي فقد واجهته مشكلة رفض رجال الكنيسة الفرنسية شراء الآثار التي قد تتضاد مع المصداقية التاريخية لأحداث الكتاب المقدس؛ لذا فإنه توجه بمجموعته الأولى إلى ملك سردينيا وباعه إياها بمبلغ 13 ألف جنيه إسترليني (حوالي 400 ألف ليرة إيطالية) وهي المجموعة التي تأسس عليها متحف تورين الحالي بإيطاليا.

ولأن دروفيتي قد قضى مدة أطول من سولت في مصر، فقد كانت لديه مجموعة ثانية باعها لملك فرنسا شارل العاشر بمبلغ ربع مليون فرنك فرنسي، وباع مجموعته الثالثة والأخيرة إلى متحف برلين عام 1836 بمبلغ 30 ألف فرنك فرنسي.

«حاميها حراميها».. هذا ما فعله أول مدير لمصلحة الآثار المصرية بكنوز المصريين

في واقع الحال كانت المعارف الأوروبيبة عن مصر القديمة – بما فيها الدوائر الحاكمة – معارف ضيقة وقاصرة على السحر والخيمياء كما تقدم، فيما قبل الحملة الفرنسية على مصر في 1798 والتي أخرجت للنور موسوعة ضخمة عن مصر اسمها وصف مصر.

يعتبر علم المصريات من العلوم الناشئة حديثًا في بدايات القرن التاسع عشر، مقارنة بعلوم أخرى أقدم، مثل الفلك والرياضيات. فقبل فك العالم الفرنسي شامبليون رموز حجر رشيد عام 1824 كانت الحضارة المصرية القديمة بالنسبة للعالم عبارة عن رسومات غريبة تمثل بشرًا برؤوس حيوانات علي جدران معابد ضخمة؛ مما يسمح بالكثير من التكهنات والخيالات.

وبالحديث عن الآثار المصرية تجب الإشارة إلى أول مدير لمصلحة الآثار المصرية، الفرنسي أوجست مارييت الذي جرى تعيينه في 1 يونيو (حزيران) 1858 ، وحتى ندرك أهميته فيكفي أن نعرف أن جثمان مارييت مدفون في حديقة المتحف المصري بالتحرير، وله نصب تذكاري هناك.

تاريخ

منذ 3 شهور
الابن المنسي لرمسيس الثاني.. قصة «خعمواس» أول عالم مصريات في التاريخ

وتعود قصة تعيين مارييت إلى حيث بدأت قصة البارون روبيرت كيرزون، أحد الرحالة الأوروبيين الذين قاموا بجولة في مصر، وسوريا، وفلسطين، فيما بين عام 1833 – 1834 بحثًا عن المخطوطات في مكتبات الأديرة، وفى الإسكندرية جرت استضافته في أحد الأديرة القبطية؛ فرد على كرم الضيافة بأن أمد الرهبان بكميات كبيرة من خمر الراكي، وبعد أن غيبت الخمر عقول مضيفيه ترك المكان آخذًا معه مجموعة كبيرة من المخطوطات.

بعد ذلك بخمس سنوات زار صاحب النيافة هنرى باتام – القس الخاص بالملكة فيكتوريا – الدير نفسه، وكان الرجل من كبار المتخصصين في الدراسات القبطية، فاستخدم وسيلة كيرزون نفسها، وهي تخدير الرهبان بالخمر حتى يغفلوا عن حراسة ما لديهم من مخطوطات، ثم غادر المكان ومعه بقية المكتبة. ورغم أن الحدث تسبب في نوع من الفضيحة في الأوساط الأكاديمية، إلا أن سمعة صاحب النيافة باتام ظلت طيبة؛ حتى أنه تلقى درجات دكتوراة فخرية من أعرق جامعات أوروبا، مثل جامعة دبلن الأيرلندية، وجامعة جوتنجن الألمانية، وأخيرًا جامعة لايدن الهولندية.

وبما أن الحصول على كميات كبيرة من المخطوطات بدا أمرًا سهل المنال، فقد أرسل متحف اللوفر أوجست مارييت إلى مصر لشراء مجموعة من المخطوطات القبطية للمتحف بميزانية قدرها 6 آلاف فرنك، إلا أنه بدلًا عن ذلك قرر أن ينقب في منطقة سقارة.

فى الأول من نوفمبر (تشرين الثاني) عام 1850 كان مارييت ينقب بالقرب من أبي الهول، وبصحبته 30 عاملًا مصريًا، لكن جهوده لم تنجح في البداية في الوصول لهدفه. وبعد زيادة الدعم المالي 3 آلاف فرنك، استمرت عمليات البحث حتى اكتشف مقابر السرابيوم بسقارة؟

وكان مارييت قد بنى لنفسه منزلًا من حجرتين بالقرب من الموقع – مازال موجودًا حتى الآن – حيث كان ينقل إليه الآثار التي يكتشفها. وبسبب يقظة أعين الحراس المصريين على الموقع، حفر مارييت ممرًا ضيقًا يقود نحو غرفة خشبية بالأعلى، كان يهرب إليها المكتشفات أثناء النهار، ومن ثم ينقلها خلسة بالليل إلى منزله، حيث تعبأ وتنقل إلى الإسكندرية، وسرعان ما تحملها السفن إلى فرنسا لتزين قاعات اللوفر.

وبعد الانتهاء من رفع كل ما يوجد في المقبرة يقوم مارييت بكتابة تقرير رسمي عن المقبرة «الفارغة»، والتي كان مارييت يقود الموظفين المصريين بين حجراتها الفارغة، وبالفعل استمرت عملية التنقيب والتهريب هذه شهورًا طويلة، حتى تمكن مارييت من تهريب ما يزيد عن 7 آلاف قطعة أثرية إلى باريس!

وكان مارييت يستخدم الديناميت في التنقيب حتى يفجر المقابر الصخرية لاستخراج « الكنوز» مدمرًا العديد من النقوش للأبد. ولتكوين صورة ذهنية عامة عن الوضع إبان رئاسة مارييت للمصلحة، تكفي معرفة أن ألعاب ابنه الأكبر أوجست كانت عبارة عن تماثيل الأوشابتي الصغيرة والتمائم المأخوذة من المقابر القديمة، أو كما كان يسميها الصغير «عرائس بابا الكبيرة».

تماثيل أبي الهول الستة التي هربها مارييت من الجيزة إلى فرنسا معروضة بمتحف اللوفر، باريس، ويكيبيديا

المتحف البريطاني يمول قرصنة وسرقة الآثار المصرية

في عام 1882 اختلف الوضع كثيرًا بالنسبة للفرنسيين، فبعد احتلال الإنجليز لمصر لم تعد السيطرة الفرنسية على الآثار المصرية بالقوة ذاتها، وهنا يبرز دور واحد من أِهم علماء المصريات الإنجليز، وأِشهر سارقي ومهربي الآثار كذلك، انه السير إرنست والاس بدج، الذي كان يعمل بتمويل وتشجيع من المتحف البريطاني نفسه، حيث كان أحد أمنائه.

على عكس مارييت لم يكن بدج مهتمًا بالتنقيب ومشقته، بل كان يقوم بالشراء من تجار الآثار مباشرة. وقد كانت زيارته الأولى لمصر نتيجة لأنشطة الجنرال البريطاني السير فرنسيس جرينفيل قائد القوات البريطانية في أسوان، الذي كان يقضي أوقات فراغه في التنقيب عن الآثار المصرية التي عرض إهداؤها للمتحف البريطاني شريطة أن يرسلوا إليه أحد الخبراء لتقدير ثمنها، ومعرفة قيمتها.

وعليه فقد أرسل المتحف السير بدج بميزانية 150 جنيهًا إسترلينيًا، وعلى مدار الأسابيع التالية لقدومه إلى مصر، قام رجال بادج بإفراغ محتويات 15 مقبرة فرعونية بمنطقة أسوان وحدها، لكنهم لم يجدوا مكتشفات كبيرة، أو ذات قيمة فقد كانت المقبرة منهوبة بالفعل.

ومن ثم توجه بادج إلى مركز تجارة الآثار آنذاك، مدينة الأقصر، وبدأ بالمجموعة التي أهداها له مصطفى أغا الوكيل القنصلي البريطاني في الأقصر، وسرعان ما عرف بادج طريقه للعائلات المصرية التي كانت تنقب عن الآثار خلسة، مثل عائلة عبد الرسول بقرية القرنة بالأقصر.

وعائلة عبد الرسول هي العائلة التي اكتشفت مخبأ كاملًا في بطن الجبل يضم العديد من الكنوز، بالإضافة إلى أِشهر مومياوات ملوك مصر القديمة (المومياوات الملكية)، والقصة مشهورة باسم خبيئة الدير البحري، وهي التي أُنتج عنها فيلم المومياء الشهير لشادي عبد السلام.

اكتشفت العائلة أيضًا حفرة عميقة تحتوي على مومياوات كهنة من الطبقة الثالثة والرابعة، وبما أن هؤلاء الكهنة كانوا في طبقة أدنى من المسئولين فلم تُحنط بشكل جيد، ولم تكن رؤوسهم متصلة جيدًا بأجسادهم، فأمر بادج أن توضع المومياوات في حاوية، وتشحن إلى الإسكندرية تمهيدًا لنقلها إلى لندن.

 بردية آنى التي هربها بدج، معروضة بالمتحف البريطاني، الصورة: موسوعة بريتانيكا

وبما أن تصدير المومياوات كان ضد القانون المصري فقد رفض مسئولو الجمارك المصرية مرورها كما أنهم لم يقتنعوا بقول بادج بالقيمة العلمية للجماجم، وسجلوها على أنها «سباخًا عظمية»، وهكذا خرجت المومياوات من مصر بعد أن دفع بادج الرسوم الجمركية المقررة للسباخ وهي 1% حسب القانون.

أما بقية الكنوز الأثرية التي اشتراها من تجار الأقصر فقد هربها صديقه الجنرال دى مونتمورينس ضمن أمتعة مركب رسمي تابع للجيش البريطاني متوجه إلى الإسكندرية.

وبعدها بثلاثة أيام لحقها بادج إلى لندن ليتلقى التهاني والتبريكات من أمناء المتحف البريطاني الذين عبروا عن سعادتهم بما جلبه بادج في محضر جلسات رسمي بتاريخ 2 أبريل (نيسان) 1887.

وسرعان ما بعثوا بادج إلى مصر مرة أخرى في ديسمبر (كانون الأول) من العام نفسه للحصول على كمية من البرديات التي عرفوا بوجودها في الأقصر، وقد اشتراها بالفعل، ونجح في خداع الشرطة، وتمكن من تهريب تلك البرديات بعد أن حفر نفقًا في جدار حديقة المنزل الذي نزل فيه بالأقصر؛ ليهرب من خلاله صندوق البرديات إلى الخارج، ثم سافر به بعد ذلك إلى القاهرة.

وحين وصل القاهرة قام صديقه الكابتن هيبر من سلاح المهندسين الملكي بشحنها إلى بريطانيا ضمن أمتعته الخاصة التي لم تكن تخضع للتفتيش بطبيعة الحال، ولم تكن مجموعة البرديات تلك سوى أكمل وأحسن برديات محفوظة وكاملة من كتاب الموتى الفرعوني، والمعروفة بـ«بردية آني».

سرقات تحت أنف القانون

واحدة من أشهر السرقات التي جرت تحت أنف القانون، هي سرقة أشهر التماثيل المحفوظة في متحف برلين الجديد، وهو رأس الملكة نفرتيتى، الذي اكتشفه عالم الآثار الألماني لودفيج بورشاردت بموقع تل العمارنة عام 1912، لكنه هربه من مصر بعد أن غطى التمثال بطبقة من الطين، وسجله في تقريره باعتباره « تمثالًا طينيًا شبه مهشم».

كما أنه عرضه على مسئولي الآثار المصرية في غرفة ذات إضاءة ضعيفة حتى لا يتبينوا قيمته الفنية حسب تقرير «دير شبيجل» الألمانية عن التمثال ليخرج من مصر إلى الأبد، ويصبح درة متاحف برلين الذي ترفض ألمانيا حتى الآن مطالبات مصر بإعادته إليها أو إعارته إلى المتحف المصري خوفًا من عدم عودته مرة أخرى إلى برلين، حتى أن جريدة «التايمز» تعتبر التمثال من ضمن أشهر 10 قطع أثرية مسروقة.

تمثال رأس نفرتيتي، بمتحف برلين الجديد، الصورة: ويكيبيديا

ولأن الشيء بالشيء يذكر فإن قانون حماية الآثار الذي منع ملكية البعثات العاملة للآثار المكتشفة لم يرَ النور إلا عام 1983، ولم تطل هذا القانون أي تعديلات جوهرية منذ ذلك الحين، سوى تعديلات طفيفة عام 2010، وعام 2018، وهو زمن متأخر للغاية مقارنة بذلك التاريخ الطويل الذي بدأه وحفزه الأوروبيون في سرقة وتهريب الآثار المصرية التي تزين متاحف أوروبا.

حتى أنشأوا لها متاحف خاصة بها، مثل متحف الآثار المصرية بتورين سالف الذكر، وكذلك متحف الآثار والبرديات المصرية الواقع في جزيرة المتاحف بألمانيا الذي تعتبر مجموعته من البردي أكبر مجموعة بردي مصرية في العالم.

بالتأكيد إننا لم نتعرض بشكل تفصيلي لكل سرقات وعمليات تهريب الآثار المصرية إلى الخارج، لكن الأسماء المذكورة وحوادثها تعتبر بمثابة علامات مشهورة في طريق طويل من السرقة والنهب والتهريب الذي جرى باسم العلم والتنقيب، وكانت نتيجته استقرار العديد من الآثار المصرية المميزة في متاحف أوروبا حتى الآن.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد