لم تُنشَأ إسرائيل من أجل أن تختفي، إسرائيل سوف تبقي وتزدهر، إنها ابنة الأمل وموطن الشجعان، ولا يمكن أن تحطمها شدة أو يشوشها نجاح، إنها تحمل درع الديمقراطية وتتشرف بحمل سيف الحرية. (جون كينيدي، رئيس الولايات المتحدة الأمريكية “1961: 1963”)

يمكن لنا كعرب الاتفاق على بضعة أساسيات معروفة، أن إسرائيل (كيان محتل)، أنها (ليست دولة)، وأنها (ابنة الحرب وموطن اللا إنسانيين)، وأنها لن (تبقي وتتمدد) بل مصيرها إلى الفناء، كل ذلك مفهوم وتقليدي وتوجهات طبيعية، لكن الكيان المحتل سيصل عمره إلى ثمانين عامًا قريبًا، وإن لم نعرف لماذا بقي هذا العدو هذه الفترة حتى الآن فإن نبوءة كينيدي ستتحقق وستبقي إسرائيل وستزدهر بلا شك.
هذا التقرير يحاول توضيح نقاط قوة تل أبيب، وهي نقاط قوة ليست معتمدة فقط على أنظمة عربية متعاونة، أو على ولايات متحدة تحميها، وإنما هناك مرتكزات أخرى بالغة الأهمية لقوة إسرائيل.

(1)  كيف تصنع اقتصادًا من العدم؟

تجيب تل أبيب على هذا السؤال بدقة وبشكل مدهش بالنسبة لمنظومة غالبية أرضها الفلسطينية الأصل، وهي صحراء قاحلة فقيرة بالموارد المائية وبالنمو الديموغرافي الطبيعي، فالكيان – الذي يعتبر أحد أسرع اقتصادات العالم تطورًا على المستوى السوقي- يمثل قطاع العلوم والصناعات التكنولوجية محركه الرئيسي، مع توسع كبير وملحوظ في قطاعات الزراعة والصناعة والطاقة (وخصوصًا التوسع باكتشاف حقول الغاز الطبيعي) بكل أذرعها على الرغم من الموارد الطبيعية المحدودة للغاية في المجمل، بمعدلات نمو سنوية متجاوزة دائمًا لـ %5، مع ناتج محلي إجمالي بلغ في العام الماضي 291.36 مليار دولار بنسبة نمو بلغت %1.65 في الربع الأخير من 2014، وهي نسبة تفوق نسبة النمو الصيني في نفس الفترة والبالغة %1.5، ونسبة نمو كلية بالغة %3.3.

يرافق هذا النمو بالطبع انخفاضٌ في الدين الداخلي من %17 من الناتج المحلي لـ %2.5فقط متوقعة في هذا العام، مع ارتفاع في الاحتياطي النقدي الأجنبي وصل لـ90 مليار دولار، وهو ما يساوي أكثر من ستة أضعاف الاحتياطي النقدي المصري، مع متوسط دخل سنوي للفرد الإسرائيلي بلغ 37 ألف دولار، وبعض المصادر أوصلته لـ38 ألف دولار سنويًّا، ومع ذلك فهذا الرقم يقل عن الطموح الإسرائيلي، فالإسرائيليون يعتبرون أنفسهم جزءًا مساويًا للدول الغربية، ولذلك ينظرون مثلًا للدخل السنوي في السويد والبالغ 55 ألف دولار أو في ألمانيا والبالغ 45 ألفًا، ويطمحون في الوصول إلى معدلات كتلك!

في العام الماضي انخفضت معدلات البطالة إلى %5.9 مع ارتفاع نسبة السكان في سن العمل إلى %64.2 وهي نسبة عالية جدًا، وفي السنوات السابقة حذر خبراء اقتصاديون من أن الاقتصاد الإسرائيلي لن يستطيع تحمل إشغال هذه النسبة العالية مع ترجيح لزيادة معدلات البطالة إلى 7 أو %8، وهو ما لم يحدث بل العكس، مع أن بعض المصادر الأخرى تقول إن معدل البطالة تحديدًا ليس متساويًا في جميع بلدات الكيان، وإنما متأرجحة ومختلفة تبعًا لمركزية البلدة وتبعًا لجنسية أكثريتها السكانية (عرب أو إسرائيليون).

وليس أدل على تقدم الاقتصاد الإسرائيلي من مؤشر التنمية البشرية للأمم المتحدة (HDI) الذي يقيس متوسط العمر المتوقع ومستوى التعليم والدخل، واحتلت فيه إسرائيل في العام الماضي المركز التاسع عشر من أصل 194 دولة أممية سابقة فرنسا وفنلندا وبلجيكا وإيطاليا، وقول وارين بافيت الملياردير الشهير وأحد أغنى ثلاثة رجال أعمال في العالم عن أن إسرائيل {هي أكثر مكان واعد للاستثمار في العالم خارج الولايات المتحدة، وهي الدولة الأولى بالنسبة لي عالميًّا في الاستثمار متقدمة على كل الدول الأغنى والأكبر}!

(2) نفوذ تل أبيب التكنولوجي

المركز الرابع عالميًّا تبعًا لنشاط سكانها العلمي والتكنولوجي، نسبة المقالات والأبحاث والأوراق العلمية الإسرائيلية المنشورة كل عام تعادل أكثر من عشرة أضعاف نسبة تعداد سكانها بالنسبة إلى سكان العالم، النسبة الأضخم عالميًّا لوجود العلماء والتقنيين والمهندسين إلى عدد السكان الكلي، حيث يوجد 140 عالمًا ومهندسًا وتقنيًّا من بين كل 10 آلاف إسرائيلي عامل، بينما قمة الهرم التكنولوجي العالمي (الولايات المتحدة) مثلًا فيها 85 لكل 10 آلاف واليابان 83 فقط لنفس النسبة!

السلعة الإسرائيلية الأساسية التي يسوق بها الكيان نفسه هي (التكنولوجيا)، مع امتلاكه لبيئة تحتوي بعضًا من أفضل العقول العلمية العالمية ولاعبي التكنولوجيا الرئيسيين من أفراد وشركات خاصة، تل أبيب نفسها تصنف من أعلى المدن نفوذًا في الصناعات التقنية مع نسبة سكان من الأعلى عالميًّا في المعرفة التكنولوجية، وهي تعتبر المكان الثاني عالميًّا الأمثل لاحتضان شركات الـstart-up بعد وادي السيلكون الأمريكي الشهير، حيث يتم إنشاء 200 شركة سنويًّا في إسرائيل، لذلك كان لقب الكيان العالمي (أمة ريادة الأعمال).

يرجع هذا التوغل التكنولوجي في الأساس للتعليم الجامعي الإسرائيلي المتميز، حيث صنف الكيان على أنه البلد الثاني عالميًّا في نسبة التعليم بعد كندا وقبل فنلندا، وتمتلك إسرائيل تسع جامعات بحثية كبيرة وبعضها مشهور عالميًّا، و49 كلية خاصة، وبالفعل بدأت إسرائيل في التوسع خارجيًّا فمعهدها التكنولوجي مثلًا سيصبح له فرع ضخم في نيويورك في 2017، مع وجود فرع آخر عامل حاليًا وثالث من المقرر إنشاؤه في الصين!
ولا تكتفي بذلك فحسب، بل هناك مبادرة أطلقها مجلس التعليم العالي تسمى ( الصين والهند) لجلب الطلاب من الدولتين للدراسة في الجامعات الإسرائيلية، بل وقررت الحكومة الإسرائيلية استثمار مليار ونصف دولار على مدار 20 عامًا قادمة في إنجلترا فقط لنشر برامج لتعليم اللغة العبرية في المدارس البريطانية العامة!

تمثل صناعات إسرائيل ومنتجاتها التقنية %12.5 من الناتج المحلي بالكامل، ونصف صادرات الكيان الصناعية، مع 282 مركز أبحاث وتطوير، لكن المشكلة الحقيقية التي تحاول تل أبيب التغلب عليها هي عدم وصول الشركات التكنولوجية الإسرائيلية لمرحلة اللاعبين العالميين، وأنه يتم الاستحواذ عليها من قبل الشركات الأجنبية بمبالغ خرافية كإغراء لا يصمد أمامه أحد، كقصة بيع آفي برينميلر لشركته المتخصصة في مجال الطاقة الشمسية والحرارية إلى سيمنز الألمانية بمبلغ اقترب من الـ420 مليون دولار في 2009، أو دوف موران الذي اشترت سان ديسك شركته M-Systems التي طورت وحدات التخزين المحمولة USB مقابل 1.6 مليار دولار، ودوف نفسه يقول إن اتجاه بيع الشركات لصالح قوى كبرى بدون تنميتها لتصبح عمالقة تكنولوجيا اقتصادية عالمية من داخل إسرائيل يسبب مشكلة اقتصادية ملحوظة.

ولذلك، وعلى الرغم من تقدمها التكنولوجي فلم تقدم إسرائيل لاعبًا عالميًّا رئيسيًّا واحدًا (بدون تضمين شركات الأسلحة) حتى الآن بسبب أنها أرض الصراع لشركات التكنولوجيا الكبرى العالمية، والتي تقاتل بعضها بعضًا على شراء شركات الـStart-up الإسرائيلية بمبالغ لا تقل عن عشرات الملايين، وقد تتعدى المليار دولار في أحيان ليست بالقليلة.

(3) نقص المياه والزراعـة

{لدينا كل الماء الذي نحتاجه، حتى في هذا العام الذي كان الأسوأ على الإطلاق في أمطاره القليلة، إنه تطور هائل}. (أبراهام تينّي، رئيس قسم تحلية المياه في وزارة الموارد المائية الإسرائيلية)

يمكن وضع التصريح الإسرائيلي بجوار الآتي: إسرائيل إحدى أفقر مناطق العالم مائيًّا ومن أكثرها جفافًا على سطح الأرض، حتى إنها في العام الماضي سجل شتاؤها رقمًا قياسيًّا كأكثر شتاء جفافًا مر به الكيان، هذا في (الشتاء) وهو ما يكفي لتوضيح الوضع!
ومع ذلك تجد إسرائيل احتياجاتها من المياه، فكيف تفعلها إذًا؟

استيلاؤها على مياه نهر الأردن وبحيرة طبرية ليست الإجابة السليمة على الرغم من دورهما في إمداد إسرائيل بالمياه العذبة مع حرمان الأردن والفلسطينيين منها، لكن الكيان هو أحد أكثر مناطق العالم تقدمًا وأحد قواده في مجال تحلية مياه البحر وإعادة تنقية المياه لاستخدامات بشرية، في العام الماضي وصلوا لنسبة تنقية (%90) من مياه الصرف الصحي، ثم أعادوا استخداماتها في الزراعة، وفى أواخر نفس العام (2014) افتتحوا محطة تحلية مياه البحر الأخيرة ليصل عدد المحطات إلى خمسة عاملة بشكل كامل الآن، أكبرهم محطة Sorek والتي تقع على مسافة عشرة أميال جنوب تل أبيب والتي تمد إسرائيل بـ %20 من احتياجاتها الكلية للمياه عن طريق تحلية مياه البحر المتوسط بواسطة أنابيب قطرها متران ونصف، والمحطة – التي تقع على مساحة ستة ملاعب كرة قدم متجاورة- هي الأكثر تقدمًا وتطورًا في العالم.
هذه المحطات تنتج ما يقارب الـ35% من احتياجات إسرائيل المائية، نسبة من المقرر رفعها لتتجاوز الـ%40 هذا العام، وفي الخطة المعلنة إيصالها لـ %70في عام 2050!

ومصداقًا لقول جاك جيلرون أحد خبراء تحلية المياه في جامعة بن جوريون عن أنه حان الوقت لأن تستخدم إسرائيل تقنياتها لمساعدة المنطقة في مشاكلها المائية، فإن تل أبيب قد وقعت اتفاقًا مع الأردن تسعى له منذ عقود لنقل ملياري متر مكعب سنويًّا من مياه البحر الأحمر وتحلية نسبة كبيرة منها، وبالطبع فإن إسرائيل هي المستفيد الأكبر من هذا المشروع، (يُنصح بقراءة: قناة البحرين الإسرائيلية الأردنية)، بل وإنها الآن تبني أكبر محطة تحلية مياه في الجزء الغربي من الكرة الأرضية، وتحديدًا في كاليفورنيا الأمريكية وهو مشروع بقيمة مليار دولار تقريبًا!

أما زراعيًّا، فيمكن فهم النمو الزراعي بالذات في إطار التعامل الاحتلالي دائمًا مع المنتجات الزراعية الفلسطينية وتصديرها بالقوة إلى أوروبا تحت مسمى (صنع في إسرائيل)، مع منع التصدير الفلسطيني المستقل بشكل كامل تقريبًا، وأيضًا المعاملة غير العادلة في منطقة وادي الأردن الخصيب ومنطقة البحر الميت والتي يستولي فيها المستوطنون برعاية جيش الاحتلال على مياه نهر الأردن وعلى الأراضي الزراعية الخصبة، كل ذلك مفهوم لكنه ليس كل أسباب تقدم الزراعة الإسرائيلية أو حتى نصفها، فما بين توسع الزراعة في المستوطنات، وما بين التقدم التكنولوجي الذي تستعيض به تل أبيب عن فقر الموارد تكمن أسباب التقدم، وهى التي تحتل إحدى المراكز الأولى الريادية العالمية في الزراعة العضوية، وعند مقارنة تل أبيب بالقاهرة فالمفترض أن المقارنة ليست في صالح الكيان العبري على الإطلاق لأن مصر دولة زراعية بالأساس مع مساحة شاسعة، لكن العكس هو الصحيح، فصادرات مصر الزراعية للعالم بلغت عشرة مليارات جنيه بينما تصدر إسرائيل – التي يعمل  %8.9من قواها السكانية العاملة البالغة 2,7 مليون إسرائيلي في المجالات الزراعية- منتجات ومحاصيل ومعدات تكنولوجية في مجال الزراعة بـ1.3 مليار دولار، وهو رقم يساوي الرقم المصري تقريبًا!

(4) الصناعات الدفاعية

كمحتل، مع حجم التهديدات المتصاعد والدائم حولها، ومع نسبة سكانية ضئيلة وجيش محدود مقارنة بأعداد العرب الضخمة (بالحسابات الرياضية البحتة)، فإن إسرائيل تدرك أن السبيل الأمثل للتغلب على فرق العدد هو فرق القوة، بالأحرى، تطوير أسلحة قمة في الابتكار، شديدة التأثير، وفعالة إلى أقصى حد!

تعتبر إسرائيل أحد العشرة الكبار الذين يتحكمون في صادرات السلاح العالمية وبعض التصنيفات الأوروبية تضعها في المرتبة السادسة مباشرة، وتمتلك ثلاثة لاعبين رئيسين (شركات دفاعية عملاقة) في أكبر مائة شركة عالمية في تصنيف معهد السلام الدول البحثي السويدي الأخير وهي (Elbit Systems) و(IAI) و(Rafael)، أغلب الصادرات الإسرائيلية تذهب للهند “التي تعتبر سوق السلاح الإسرائيلي الأكبر في العالم” ومعها الولايات المتحدة وأوروبا والصين، وبحسب تقرير المعهد فإن إسرائيل في العقد الأخير مسئولة عن %41 من صادرات الطائرات بدون طيار من إجمالي الإنتاج العالمي!

تمثل (IWI) أو “إسرائيل لصناعة الأسلحة” واحدة من أكبر خمسة مصنعي أسلحة نارية في العالم، حيث تزود الجيش الإسرائيلي بعشرات الآلاف من الألعاب النارية ممثلة في مدافع العوزي الرشاشة والمسدسات مختلفة الأحجام وبنادق القنص، وهي الشركة التي كان يعمل بها سبعون موظفًا فقط قبل أن تتوسع لتصل إلى 500 موظف بعد خصخصتها في 2005، ولتصبح واحدة من اللاعبين العالميين في مجالها، أما على مستوى الأسلحة المبتكرة فيمكننا أن نستعين بمثال G-Nius، الشركة الإسرائيلية الأكبر لصناعة الروبوتات المقاتلة والمركبات الآلية بدون قائد، والتي تقع في مدينة يوكنعام شمال شرق تل أبيب، وهي إحدى أكبر شركات الكوكب في مجالها، والتي تنوي تزويد الجيش الإسرائيلي بمئات المقاتلين الآليين، وهو مشروع الدفاع الإسرائيلي المستقبلي الذي تنوي تل أبيب في المقام الأول تصديره لمواجهة حركة حماس فيما هو قادم للحد من خسائر أرواح جيش الدفاع.

وجود إسرائيل كأكثر دول العالم ابتكارًا حسب تصنيف كلية إدارة الأعمال الدولية السويسرية (IMD) بإنفاق %4.4 على البحث العلمي والتطوير بجانب تربعها على عرش الإنفاق في مجالات (التعليم – تطوير المهارات التكنولوجية والمعلوماتية – أمن الشبكات) يفسر لنا جزءًا كبيرًا من أسباب طفرة الصناعات العسكرية فيها وتقدمها وابتكاراتها، وهو ما يفسر أيضًا توجه نحو %30 من كامل البحث العلمي للابتكارات الحربية.
في مكتب أفنر بينزاكين، رئيس فرع التكنولوجيا والإمدادات اللوجستية في جيش الاحتلال، هناك لافتة مكتوب عليها (لا يمكننا حل المشاكل باستخدام نفس طرق التفكير التي استعملناها عندما خلقنا هذه المشاكل)، حسنًا، هذا يشرح كل شيء!

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد