“لو أن كل طفل ذي ثمانية أعوام تعلم التأمل، فإن العنف سينتهي بتعاقب جيل واحد”. دالاي لاما

تخيل لو صار (التأمل) جزءًا من اليوم الدراسي في المدرسة! تخيل كم المقدار من التغيير الذي سيحدث في العالم لو أن كل طفل صار قادرًا على الاتصال بمدى وعيه، حينها ستتبدد الرغبة في عمل فعل خاطئ، فإن التأمل يتيح لنا أن نكتشف حقيقة كينونتنا.

مشكلة مجتمعنا الأساسية اليوم هي أننا دائمًا نهرب من أنفسنا، وبالتالي نهرب من الحقيقة، أصبح وقتنا كله مشغولًا بالعمل والتفاعل الاجتماعي، ولا يوجد وقت كافٍ كي نكتشف من نحن على الحقيقة. معظمنا يسعى دائمًا لأن يكون شخصًا غير الذي هو عليه ليناسب ويتفق ويلتزم بأعراف ومعايير المجتمع، نتعلم كيف نتقنع أمام الناس، نتعلم كيف نكون عبيدًا لذاتنا، وأصبحنا نعرف جيدًا كيف نهرب من أنفسنا، متناسين حقيقة أننا إذا خلعنا عنا هذه الأقنعة سنصير أكثر ملائمة وراحة، لذلك يجب أن نكون أكثر صراحة مع أنفسنا، ونطلق سراح الذات المكبلة لتطوف كما ينبغي لها، فنحن أصبحنا مكبلين بعالمنا ومادياته، وبعنا أرواحنا لوهمٍ أنسانا أنفسنا، وجزء منا يعلم هذا في قراره نفسه، يعلم أنه يهرب بهذه المشاغل، والكثير منا فقد الأمل في إعادة الوصال مع نفسه، فنحن ابتعدنا كثيرًا.

ولكن كبداية للعودة إلى الصواب، ماذا لو وقفنا وسألنا أنفسنا لما لم نتعلم أن نكون في سلام مع أنفسنا منذ الطفولة كأي شيء آخر تعلمناه؟ فلو دُرس التأمل في المدارس فإن الأطفال سوف يستطيعون بسهولة اكتشاف شغفهم واهتماماتهم وقدراتهم الإبداعية، غير عابئين بالقلاقل، سيتعلمون أن يعيشوا اللحظة بدلًا من السعي الدائم للوصول لوضع مغاير لحقيقة أنفسهم، فالتأمل ساعدني لأجد معنى حقيقيًّا للحياة، ربطني بأواصر روحي، وجعلني ألزم دربي كما ينبغي.

وقد وجد أن الأطفال الذين يمارسون التأمل على قاعدة منتظمة تكون فرصة تعرضهم لضغط نفسي قليلة، وبالتالي تقل نسبة تعرضهم للقلق والمرض، ولديهم القدرة على تكوين روابط قوية مع كل ما يحيط بهم؛ مما يجعلهم ليسوا بحاجة أن يكونوا في ندية مع أقرانهم.

أنا أؤمن بأنه يحتم علينا أن نمنح أبناءنا هذه اليقظة الذهنية، وأملي أنه في يوم من الأيام  تصير ممارسة التأمل شيئًا مألوفًا للجميع منذ نعومة الأظافر.

وقد أثبتت العديد من الدراسات الطبية أن (التأمل) يزيد من سمك القشرة المخية، ويحمي الجسم من أمراض عدة، بالإضافة إلى تحسين قوة التركيز، وفيما يلي نستعرض بعضًا من هذه الدراسات:

هنا مجموعة من مائتين وواحد من الرجال والنساء مصابون بقصور في (الشريان التاجي)، شاركوا في مجموعة من مجموعتين: المجموعة الأولى هي برنامج في (التأمل المتسامي)  أو المجموعة الثانية وهي لتعلم الرعاية الصحية، وبعد مرور خمس سنوات ونصف، وجد أن المجموعة الأولى تناقص لديها فرصة الإصابة بالسكتة القلبية والسكتة الدماغية بنسبة 48%.

هنا دراسة أخرى تقارن بين المادة الرمادية في المخ لشخص يمارس (التأمل) وشخص لا يمارسه، وعلى الرغم أنه من الطبيعي أن تقل نسبة وجود هذه المادة مع التقدم في العمر، وجدت هذه الدراسة أن من يمارس (التأمل) لا تتناقص لديهم نسبة المادة حتى مع التقدم في العمر بعكس من لا يمارسه.

وقد ذُكر أيضًا أن قله معدل الهبوط في المادة الرمادية لدى الشخص الذي يمارس (التأمل) مع التقدم في العمر من الممكن أن يرجع إلى مشاركة آليات عدة من الحماية العصبية لهذا الشخص قويت بالتأمل.

وهنا دراسة وصلت إلى ملخص مشابه لعلاقة (التأمل) بسُمك القشرة المخية ووجدوا الآتي:

الممارسة المنتظمة للتأمل مرتبطة بزيادة السُمك في فروع المنطقة القشرية للمخ المرتبطة بالحس الجسدي والسمعي والبصري، بالإضافة إلى عملية الاستقبال الداخلي، بل والأبعد من ذلك فإن الممارسة المنظمة للتأمل تبطئ من نمو سائل القشرة الدماغية الأمامي المرتبط بالتقدم في العمر.

هنا أيضًا دراسة شارك فيها ثلاثة آلاف وخمسمائة وخمسة عشر مشترك في برنامج (الذهن التأملي)، ووجدت دلائل لتقليل البرنامج لحده القلق والكآبة.

فقط تخيل كم المقدار من الإفادة ستجنيه الأجيال في المستقبل من ممارسة (التأمل)، ومن واقع تجربتي أؤكد أن الفوائد غير عادية بالمرة، علينا أن نبذل كل ما في مقدورنا كي نضع (التأمل) في إطار تعليمي داخل المدارس، فإن أردنا أن يعم السلام بين بعضنا البعض، فعلينا أولًا أن نكون في سلامٍ مع أنفسنا، والتأمل هو الطريق لهذا.

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد