مرت علاقة بريطانيا بإيران بمحطات خطف واقتحام وقتل وانقلاب وقطيعة، فاتسمت هذه العلاقة في الغالب بالتوتر، لتأتي زيارة وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند الأحد الماضي، و تفتح صفحة هامة وجديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين، بعد 12 عاما من آخر زيارة لمسئول بريطاني قام بها وزير الخارجية  جاك سترو في عام 2003.

اليوم أصبحت العلاقات الإيرانية البريطانية محط أنظار العالم، بسبب إعادة افتتاح سفارتي البلدين في طهران ولندن، وبسبب الإعراب عن نهم الدولتين في تعاون اقتصادي كبير، ومحاربة داعش، وطي صفحة الماضي، التقرير التالي لـ”ساسة بوست” يقرأ تاريخ العلاقات البريطانية الإيرانية والتوقعات بعد انتهاء القطيعة بين البلدين.

ماذا عن تاريخ العلاقات الإيرانية البريطانية؟

لم تكن علاقة بريطانيا بإيران هادئة على مر العقود الماضية، عدة مواقف تؤكد على أن العلاقة متوترة بشكل متفاوت، فإذا ما بدأنا الحديث بتسلل تصاعدي يمكننا الإشارة إلى القطعية الأهم التي كانت في عام 2011 بسبب إغلاق بريطانيا لسفارتها في طهران ثم إغلاق بريطانيا للسفارة الإيرانية في لندن، وطرد دبلوماسييها، كان ذلك عقب احتجاج مجموعة  إيرانيين على فرض عقوبات دولية على بلادهم باقتحام السفارة البريطانية، وبعد هذا الموقف خفض البرلمان الإيراني العلاقات الدبلوماسية مع بريطانيا، فتولت سلطنة عُمان خلال هذه الفترة تمثيل المصالح الإيرانية في بريطانيا، بينما مثلت السويد مصالح بريطانيا في إيران.

أما في عام 2004، فيعود التوتر بين البلدين  إلى رفض إيران قتال الولايات المتحدة والقوات البريطانية بالقرب من المدن الشيعية المقدسة في العراق، ففي هذا العام اعتقلت إيران ثمانية بحارة بريطانيين لمدة ثلاثة أيام بعدما ضلت سفينتهم طريقها في المياه الإيرانية، كما حدث في العام نفسه أن قامت بريطانيا وألمانيا وفرنسا  بصياغة مشروع قرار ينتقد بشدة عدم استعداد طهران للتعاون مع مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن النووي الإيراني.

وفي عام 1994، اتهمت بريطانيا إيران بالتعاون مع “الجيش الجمهوري الأيرلندي”، خلال حربه ضد الحكومة البريطانية وقواتها في أيرلندا الشمالية. ونفت طهران هذه الاتهامات، لكن الدولتين سحبت سفراءها، لتعود وتتحسن العلاقات في عام 1999.

وفي عام 1980 أُغلقت السفارة البريطانية في طهران، أي مع بداية نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية، وظلت القطيعة الدبلوماسية بين البلدين حتى عام 1988، وفي ذات العام (1980)  استولى مسلحون إيرانيون على السفارة الإيرانية في لندن، واحتجزوا 26 رهينة، وبعد ستة أيام من الحصار، قتل المسلحون أحد الرهائن ورموا جثته من نافذة السفارة؛ مما دفع القوات الجوية الخاصة لاقتحام المبنى، وأسفر ذلك عن مقتل خمسة من أصل ستة مسلحين وإنقاذ الجميع باستثناء أحد الرهائن الباقين.

وعادت القطعية في عام 1989 عندما أفتى الزعيم الإيراني الراحل، آية الله الخميني، بقتل مؤلف رواية “آيات شيطانية”، الكاتب البريطاني من أصل هندي “سلمان رشدي”، بدعوى إساءته للإسلام.

وبعد انتخاب محمد مصدق رئيسًا للوزراء في عام 1951، قام مصدق بتأميم النفط الإيراني، وألغى الامتياز النفطي الممنوح لبريطانيا من قبل الشاه محمد رضا بهلوي، وردا على ذلك خططت عناصر المخابرات الأمريكية والبريطانية للانقلاب على مصدق عام 1953 من خلال عملية أُطلق عليه اسم “أجاكس”.

واتسمت العلاقة بين البلدين بالتدهور في فترة ولاية الرئيس السابق، محمود أحمدي نجاد (بين عامي 2005 و2013)، ثم عادت إلى التحسن بعد انتخاب “حسن روحاني” رئيسًا لإيران في يونيو عام 2013، حيث تم استئناف المفاوضات النووية مع الغرب في ذات العام، وفي فبراير 2014، قررت الدولتان تطبيع العلاقات بينهما، حيث قامتا بخطوة رمزية برفع أعلام بلديهما فوق مباني سفارتيهما في طهران ولندن، وقبل ذلك بوقت قصير، قررتا تعيين قائمين بالأعمال غير مقيمين، لتأتي زيارة “هاموند” خلال هذه الأيام لتفتح صفحة جديدة في تاريخ العلاقات بين البلدين.

ما مدي أهمية التعاون الاقتصادي بين البلدين؟

أسوة بتغير الظروف السياسية بعد توقيع الاتفاق النووي الإيراني  في 14 يوليو الماضي، أدركت الشركات الأوروبية أهمية التغيرات الاقتصادية التي ستتبع هذا الاتفاق، لذا سارعت هذه الشركات إلى الاستثمار في السوق الإيرانية من أجل الحصول على صفقات تجارية.

بريطانيا واحدة من أهم هذه الدول التي ستعمل من أجل ارتقاء العلاقات  الاقتصادية مع إيران بعد قطيعة دامت 12 عامًا، لذا اصطحب وزير الخارجية البريطاني، فيليب هاموند في زيارته التاريخية قبل أيام مجموعة من رجال الأعمال ورؤساء كبرى الشركات وفي مقدمتهم مدير مجموعة رويال داتش شل، الذي يوصف بأنه عملاق البترول في العالم، وأكد هاموند خلال زيارته على أهمية  التعاون الاقتصادي بين البلدين، خاصة في مجالات النفط، وقال: “أعتقد أن من المفيد والإيجابي جدا لو استطعنا البدء في حوار بشأن سبل توفير الظروف الملائمة للسماح للبنوك البريطانية والمؤسسات المالية البريطانية بالانخراط في تمويل التجارة والاستثمار في إيران”.

وتابع القول: “توجد شهية ضخمة لشركاتنا الصناعية والتجارية لانتهاز فرصة انفتاح إيران وهناك شهية ضخمة من جانب مؤسساتنا المالية لدعم ذلك النشاط، لكن بالطبع ينبغي أن يجري ذلك بالطريقة الصحيحة.”
يقول الكاتب الإيراني علاء الرضائي : “إن الغرب الذي يعاني من أزمات متعددة خاصة في مجالي الأمن والاقتصاد، بحاجة إلى قوى يستطيع التفاهم معها في الشرق الأوسط، قوى حقيقية ليست من ورق، لان اللعبة أصبحت معقدة ومساحات الصراع واسعة وأدواته متعددة”. ويضيف: “بريطانيا في البحث عن طرق أخرى لعلاج الموقف، فضلا عن وجود آراء عقلانية ضاغطة داخل الدوائر الغربية تعارض سياسة العداء المفرط التي تمارس ضد إيران وشعوب المنطقة”.

 

هل لاقى التقارب الإيراني البريطاني معارضة إيرانية؟

على الرغم من الترحيب بالتقارب الإيراني البريطاني إلا أنه لاقى معارضة من بعض الجهات الإيرانية،  حيث انتقدت وسائل إعلام مقربة من المرشد الأعلى، إعادة فتح السفارة البريطانية في طهران، ووصفت بعض الصحف المسؤولين في لندن بـ”حكومة الشر المتآمرة على مدار التاريخ”، معتبرة أن ذلك أمر غير قانوني لأن البرلمان الإيراني ألزم وزارة الخارجية بتخفيض مستوى العلاقات مع بريطانيا منذ أربع سنوات ولم يتخذ قرارا يلغي ذلك.

يقول عضو البرلمان الإيراني نصر الله بجمانفر إن “الفعاليات الدبلوماسية للسفارة البريطانية في طهران، لم تكن سوى وكر للتجسس، ومكان الفساد والعبث والتخريب في إيران، وحتى في بقية دول المنطقة”، مضيفًا: “الشعب الإيراني قبل وبعد الثورة، لم ينس الأضرار السياسية التي لحقت به، والتحقير الاجتماعي الذي تعرض له جراء السياسة البريطانية”.
وتابع القول: “ما يقلق أعضاء البرلمان هو رؤيتهم للبلاد، وهي تصبح من جديد قاعدة للمستعمر العجوز بريطانيا”.

هل ستتعاون بريطانيا مع إيران لمحاربة تنظيم الدولة الإسلامية «داعش»؟

في أعقاب نجاح مفاوضات إيران مع الغرب حول برنامجها النووي، اتضحت مساعي إيران لمد جسور التعاون حتى مع الدول السنية من أجل محاربة هذا التنظيم، وهذا الموقف عبر عنه وزير خارجية إيران جواد ظريف، خلال زيارته الأخيرة إلى روسيا، حيث أعلن عقب الزيارة، أن هناك حاجة إلى حوار جاد مع الإيرانيين؛ بسبب مخاوف أمنية متبادلة، وذلك حسب صحيفة “الإندبندنت” البريطانية.

وتنقل الصحيفة عن مصدر دبلوماسي إيراني قوله: “حان الوقت لوضع خلافاتنا جانبًا ومواجهة العدو المشترك، لقد تمكنا من التوصل إلى اتفاق بشأن قضية معقدة للغاية؛ هي قضية النووي، فلماذا لا نستطيع التوصل إلى اتفاق لمحاربة الإرهابيين في تنظيم “الدولة”؟” .وذكرت الصحيفة أن روسيا دعت إلى توسيع التحالف الدولي لمحاربة داعش، حتى  يكون للإيرانيين دور رئيسي فيه، حيث عبر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، بالقول: “الاتفاق النووي مع إيران أزال حواجز كثيرة، وفتح الباب أمام مشاركة إيران للدخول في التحالف الدولي ضد تنظيم “الدولة”، كما أشارت الخارجية البريطانية لوجود توافق بين بريطانيا وإيران بشأن مواجهة تنظيم “داعش”.

وجاء في تقرير الصحيفة: “عمليًا تقوم إيران بمحاربة تنظيم “الدولة” في العراق، من خلال دعمها الكبير والمتواصل للحكومة العراقية والمليشيات الشيعية التي تحارب إلى جانب القوات الحكومية، مستفيدين من الدعم الجوي الذي توفره واشنطن في الحرب على هذا التنظيم، رغم الحديث عن عدم وجود تنسيق فعلي بين طهران وواشنطن”.

ومع هذا يمكنا الإشارة إلى ما قالته الممثلة العليا للسياسة الخارجية والأمن في الاتحاد الأوروبي “فدريكا موجريني” بأنه: “رغم أن الاتفاق مع إيران يفتح الطريق لمزيد من الثقة في الحرب ضد تنظيم” الدولة  إلا أن دولا عربية وبعض الدول الغربية ما تزال ترى أن إيران كانت مصدرًا رئيسيًا لتشجيع الإرهاب في المنطقة، وبالتالي فمن الصعب دخولها في التحالف الدولي على تنظيم  الدولة”.

المصادر

تحميل المزيد