كانت بريطانيا أول من دعمت تواجد إسرائيل بالتصريح الشهير لوزير الخارجية البريطاني عام 1917 والمعروف تاريخيًا بـ«وعد بلفور» بتأسيس وطن قومي لليهود في الأراضي الفلسطينية. ولكن قبل أيّام شكّل البرلمان البريطاني لجنة تقصي حقائق للعمل على قضية تدخل السفارة الإسرائيلية في السياسة البريطانية، وذلك بعد أن أذاعت قناة الجزيرة الإنجليزية تحقيقًا صحافيًا على أربع حلقات شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، يكشف عن تدخل إسرائيلي عميق في السياسة البريطانية لكسب مزيدٍ من الدعم وإبعاد معارضي إسرائيل وسياساتها عن المشهد السياسي البريطاني.

وصرح  كريسبن بلانت رئيس اللجنة لقناة الجزيرة بأنه رغم إغلاق الحكومة البريطانية للملف، إلا أن البرلمان يعود لفتح الملف مُجددًا؛ «لأنه ليس من اللائق أن تحدد إسرائيل مسار العملية الديمقراطية في بريطانيا»، على حد تعبير رئيس اللجنة.

وكان المتحدث باسم الحكومة البريطانية قد سبق وصرح بأن فضيحة تدخل السفارة الإسرائيلية في لندن وتلاعبها بالسياسة البريطانية قد أُغلقت، لكن حزب العمل بقيادة جيرمي كوربين أثار حملة ضد إسرائيل، مُطالبًا رئيس الوزراء البريطانية بشكل رسمي بالتدخل للحصول على رد رسمي من إسرائيل تعليقًا على ما كُشف عنه. ورغم استجابة رئيس الوزراء في البداية إلا أن المباحثات بينها وبين إسرائيل التي اتسمت بالسرية والغموض، أسفرت عن رد فعل مُفاجئ من قبل الحكومة وهو التصريح بانتهاء الأزمة!

كريس بلانت وهو نائب برلماني عن الحزب المحافظ الذي تنتمي له رئيس الوزراء الحالية تريزا ماي، انضم هو ومجموعة أخرى من النواب المحافظين لحملة حزب العمل من أجل تحقيق رسمي في الواقعة، وهو ما حدث بالفعل إذ يترأس كريسبن بلانت هذه اللجنة.

وأثار تحقيق قناة الجزيرة الإنجليزية «The Lobby» أزمة حقيقية بين الحكومة البريطانية ونظيرتها الإسرائيلية، إذ يكشف بالحقائق المصورة، ومن بينها مجموعة كبيرة من اعترافات مسؤولين في السفارة الإسرائيلية بلندن؛ عن التدخل الصريح لإسرائيل في مسار العملية السياسية في بريطانيا.

وأُذيعت أربع حلقات مُصوّرة للتحقيق على قناة الجزيرة الإنجليزية الشهر الماضي. وقد استغرق العمل على التحقيق نحو ستة أشهر لجمع المعلومات، زرع خلالها صحافي الجزيرة ويُدعى روبن، نفسه داخل المجتمع الإسرائيلي في لندن، ولإخفاء هويته سجّل روبن نفسه عضوًا جديدًا في حزب العمل البريطاني، وأطلق مدونة شخصية إلكترونية وحسابًا على موقع التدوينات القصيرة تويتر، ليدون من خلالهما كأنه ناشط سياسي مُتعاطف مع إسرائيل. وبعد شهر من حضور الاجتماعات داخل حزب العمل وداخل حركة «أصدقاء إسرائيل في حزب العمل»، تعرف روبن على الشخص الذي كان يستهدفه هذا التحقيق وهو «شاي ماسوت»، الدبلوماسي الإسرائيلي الذي يمتلك خيوط لعبة إسرائيل في العملية السياسية البريطانية.

واستطاع روبن تكوين صداقة قوية مع شاي ماسوت؛ حتى إنه بدأ بتقديمه لمسؤولين آخرين في السفارة على أنه ناشط مهم في حركة أصدقاء إسرائيل في حزب العمل، وفي مؤتمر حزب العمل السنوي قدمه لمجموعة أخرى من المجتمع الإسرائيلي على أنه رئيس لجنة الشباب في حركة أصدقاء في حزب العمل.

وتستهدف السفارة الإسرائيلية حزب العمل بالأساس، كون أن رئيسه الحالي، ولأول مرة، يمتلك سجلًا طويلًا في الدفاع عن الحقوق الفلسطينية، كما أنّه من أكبر الداعمين لحركة «BDS»، أبرز الحركات الدولية المناهضة للممارسات الإسرائيلية المنافية للإعلان العالمي لحقوق الإنسان.

قناة الجزيرة

جيرمي كوربين رئيس حزب العمل يتوسط الصف الأول لتظاهرة منددة بالممارسات الإسرائيلية

ما هي حملة «BDS»؟

«Boycott, Divestment and Sanctions» أو «مقاطعة، وسحب الاستثمارات وفرض عقوبات»، وأسست على الأراضي الفلسطينية في التاسع من يوليو (تموز) 2005، بعد مرور عام على حكم محكمة العدل الدولية الذي أدان الاحتلال والاستيطان وجدار الفصل العنصري اﻹسرائيلي، إذ وجهت آنذاك المئات من منظمات المجتمع المدني الفلسطيني النداء إلى أفراد ومنظمات العالم بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات عليها، وبالفعل وخلال 12 عامًا توسعت الحملة وضمّت مئات المؤسسات والمنظمات المدنية بل الكنائس أيضًا، فضلًا عن آلاف المتطوعين والمساهمين حول العالم.

وتتبع الحملة اتجاهًا إنسانيًا وحقوقيًا لا سياسيًا، إذ يتمثل هدفها الأساسي في الدفاع عن حقوق الفلسطينيين والتنديد بتعدي القوات الإسرائيلية على حقوق الإنسان المُعلنة، كما تُطالب بمقاطعة إسرائيل وسحب الاستثمارات منها وفرض العقوبات الاقتصادية عليها لوقف تمدد احتلالها للأراضي الفلسطينية.

اقرأ أيضًا: ماذا تعرف عن حملة «BDS»؟

وتعتبر العاصمة الإنجليزية لندن أكبر مراكز الحملة على مُستوى العالم، حيث نمت هناك بشكل مُتسارع، وشكلت تحديًا كبيرًا في وجه السفارة الإسرائيلية، ما دفعها للتحرك خلف ستار الكثير من المؤسسات السياسية البريطانية مثل حزب العمل البريطاني واتحاد طلاب بريطانيا، لوقف تمدد الدعم المتزايد لحملة «BDS».

 

كيف تتوغل إسرائيل في السياسة البريطانية؟

حملة «BDS»، وفوز جيرمي كوربين برئاسة حزب العمل وترشُّحه لرئاسة الوزراء، وتزايد أعداد طلاب الجامعات المؤيدين للقضية الفلسطينية في الجامعات البريطانية؛ كلها تحديّات تشكلت أمام السفارة الإسرائيلية في لندن، دفعتها للتحرك في اتجاهات مختلفة للسيطرة على زمام الأمور، وكسب أكبر شريحة ممكنة لتأييدها، فماذا فعلت؟

استطاعت إسرائيل أن تُسلط الضوء على «معاداة السامية»، وتجعل منها سلاحًا قويًا في يدها، عبر العديد من الحملات التي أطلقتها إسرائيل في بريطانيا.

ومن أجل كسب شريحة تأييد كبيرة عملت إسرائيل على توفير الدعم المالي والفني لكل الحركات والحملات التي تؤيدها. وكان شاي ماسوت، المسؤول السياسي بالسفارة الإسرائيلية في لندن، همزة الوصل بين كل هذه المجموعات، والمتفاوض باسم إسرائيل معها.

وتعمل هذه المجموعات على عدة أصعدة لدعم إسرائيل، فبعضها يُنفذ فعاليات ميدانية ومسيرات لدعم إسرائيل، مثل حركة «Sussex Friends of Israel» التي اندس بين أعضائها مراسل الجزيرة كجزء من خطته للاندماج داخل شريحة دعم إسرائيل، والبعض الآخر ينظم حملات إلكترونية لنشر تبريرات إسرائيل لأفعالها في فلسطين.

هناك أيضًا محاولة كسب تأييد شخصيات هامة حول جيرمي كوربين، مثل البرلماني كليف لويس ووزير التجارة في حكومة الظل لحزب العمل، الذي استطاعت حركة اليهود العمالية الحصول على تأييده واستضافته في أحد مؤتمراتها باعتباره مؤيدًا لها ومعاديًا لكل من يعادي السامية. ومنذ عدة أيام نشرت صحيفة التليجراف البريطانية مقالًا توضح فيه كيف تحول كليف لويس من حليف جيرمي كوربين لشخص يعمل على تجميع دعم أعضاء ومسؤولي حزب العمل من أجل تحدي جيرمي كوربين رئيس الحزب.

قناة الجزيرة

شاي ماسوت المسؤول السياسي في سفارة إسرائيل همزة الوصل لخلق وتنسيق مجموعات دعم إسرائيل في بريطانيا

 

تحاول إسرائيل كذلك إبعاد المسؤولين ذوي النفوذ الذين يعارضونها في بريطانيا، ففي إحدى المرات التي جمعت بين روبن مراسل الجزيرة وشاي ماسوت، في عشاء بأحد مطاعم لندن، وكانت ماريا ستريزولو رئيس مكتب أحد أعضاء البرلمان البريطاني عن الحزب المحافظ تجلس معهم على طاولة العشاء، سألها شاي ماسوت إن كانت ثمة فرصة للإطاحة بأحد المسؤولين البريطانيين أعضاء البرلمان، فطلبت منه أن يعطيها اسمًا، فسمّى «آلان دنكان» وزير الخارجية وعضو البرلمان عن حزب المحافظين والمعروف بمناهضته التعديات الإسرائيلية على الأراضي الفلسطينية، لتجيبه بأنّ ذلك ممكن بتوريطه في فضيحة صغيرة.

الجامعات البريطانية «ساحة المعركة الكبرى»

مع تزايد مؤيدي فلسطين وداعمي حملة «BDS» في الجامعات البريطانية، شرعت إسرائيل في خلق طُرق مختلفة لكسب تأييد الكثير من الطلاب في بريطانيا، ففي عام 2016 وحده دعمت السفارة الإسرائيلية ماليًا وتنظيميًا 50 فعالية مؤيدة لها في الجامعات. وهناك مجموعة كبيرة من المؤسسات والتجمعات الطلابية التي تدعمها سفارة إسرائيل ماليًّا مثل اتحاد الطلاب اليهود الذي يتلقى دعمًا مباشرًا من مسؤولي السفارة، وكذلك مجلس القيادة اليهودي الذي تحركت السفارة الإسرائيلية في لندن لتساعده تنظيميًا حتى يصبح رئيس اتحاد طلاب الجامعات البريطانية ولكنه خسر الانتخابات، بالإضافة إلى ثلاث حفلات استقبال للطلاب في السفارة الإسرائيلية بلندن حضرها حوالي 300 طالب جامعي.

لكن الأهم ضمن ذلك هي الرحلات التي تنظمها السفارة لزيارة إسرائيل، فما بين الحين والآخر تحصل وفود طلابية على فرصةٍ للسفر المجاني إلى إسرائيل لقضاء عدة أيام هناك ما بين مدنها ومُؤسساتها المختلفة.

وفي الحلقة الثانية لتحقيق الجزيرة الاستقصائي سجل صحافي الجزيرة فيديو سريًا لرئيس لجنة أصدقاء إسرائيل في حزب العمل، وهي تتحدث مع موظف السفارة الإسرائيلي الدبلوماسي شاي ماسوت، وتسأله عن إجراءات قائمة الطلاب التي أرسلتها للسفارة الإسرائيلية ليوضعوا في الاعتبار ضمن المسافرين في الرحلة القادمة لإسرائيل، فأجابها: «حصلت على موافقة الحكومة الإسرائيلية، وخصص مليون جنيه إسترليني لتغطية هذه الزيارة».

الضربة الأولى: اتحاد طلاب بريطانيا يدعم «BDS»

في مطلع يونيو (حزيران) 2015 اجتمع اتحاد طلاب بريطانيا لتحديد موقفهم من حملة «BDS»، وكانت نتيجة الاجتماع أن 19 عضوًا صوتوا لصالح دعم الحملة، في مقابل 12 رفضوا دعمها وامتناع ثلاثة عن التصويت، أي أن الأغلبية صوتت لصالح دعم الحملة.

الاتحاد الذي يمثل 600 جامعة ومعهد بريطاني ونحو سبعة ملايين طالب، أصدر عقب التصويت بيانًا يطالب فيه الحكومة البريطانية بوقف تصدير السلاح إلى إسرائيل، وتطبيق مبادئ الحملة بوقف كافة التعاملات التجارية مع إسرائيل بالإضافة إلى فرض مجموعة من العقوبات الاقتصادية والتحرك لإجبار إسرائيل على سحب قواتها من الضفة الغربية ووقف عمليات التوسعة في بناء المستوطنات، كما أصدر بيانًا آخر لكل فروعه في الجامعات البريطانية للتنسيق لتنفيذ فعاليات ميدانية لدعم حملة «BDS» وفضح ممارسات الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية المحتلة.

قوبل هذا الأمر بالاستنكار من قبل  الحكومة البريطانية آنذاك والتي أكّدت التزامها بكافة الاتفاقيات التجارية بينها وبين إسرائيل، وذلك خلال عهد حكومة ديفيد كاميرون أحد أبرز الداعمين لإسرائيل. وفي الوقت الذي يرأس فيه الحزب الثاني في بريطانيا، حزب العمال جيرمي كوربين المناهض للممارسات الإسرائيلية، وهو المرشح لانتخابات رئاسة الوزراء القادمة، فإن فاز في الانتخابات، فيُرجّح اتخاذه سياسات متوافقة مع مبادئ الحملة التي هو أحد ناشطيها.

«BDS» تكسب أرضًا جديدة: ميليا بو عيطة رئيسًا للاتحاد

وبينما المعركة محتدمة بين أطراف السفارة الإسرائيلية في الجامعات وبين مؤيدي «BDS»، وفي أبريل (نيسان) العام الماضي، حظي اتحاد طلاب بريطانيا بأول رئيسة مسلمة من أصول جزائرية وهي ميليا بو عيطة، بعد معركة شرسة بينها وبين راسل لانجر رئيس اتحاد الطلاب اليهود في بريطانيا، الذي كان مدعومًا بقوة من السفارة الإسرائيلية ومن مايكل روين رئيس المكتب البرلماني في حركة أصدقاء إسرائيل في حزب العمل.

وكان فوز ميليا بو عيطة بمثابة الضربة القوية لطموحات السفارة الإسرائيلية، وذلك لأنها معروفة بعدائها للصهيونية وللممارسات الإسرائيلية في فلسطين.

وحاولت إسرائيل الانقلاب على ميليا بو عطية عن طريق أحد نوابها، ويدعى ريتشارد بروكس الذي خرج علانية على إحدى المحطات الإذاعية البريطانية ليعارضها ويصف تصريحاتها المنتقدة لإسرائيل بـ«المعادية للسامية»، لكن ما كشف أمر بروكس هو أنه قبل تصريحه بمعارضة ميليا بو عيطة بنحو أسبوعين فقط كان في زيارة لإسرائيل ضمن الزيارات التي تنظمها السفارة للطلاب، فضلًا عن أن صحافي الجزيرة استطاع في تحقيقه أن يحصل على اعتراف مُسجّل من ريتشارد بروكس بتنظيمه الأصوات المعارضة لميليا بو عيطة تمهيدًا لعزلها في أقرب فرصة ممكنة.

ما بعد نشر التحقيق

بعد إذاعة الجزيرة الإنجليزية لحلقات تحقيقها، أُثير الرأي العام البريطاني والعالمي، حتى استنكر البرلمان البريطاني تدخلات إسرائيل في الحياة السياسية البريطانية، كما أن السفارة الإسرائيلية تخلّت تمامًا عن شاي ماسوت واصفة جملة مما قاله بأنه غير مقبول، بخاصة إهانته لأحد الوزراء ووصف آخر بـ«الأبله»، ليُدفع لتقديم استقالته من السفارة الإسرائيلية.

وخلال الفترة القادمة يُتوقّع أن تعلن لجنة التحقيق التي شكلها البرلمان عما أسفر عنه تحقيقها، وما يترتب عليه، وهو ما قد يعني إلزام الحكومة البريطانية تنفيذ توصيات اللجنة، التي يُرجّح أن تتضمن ما يؤثر على العلاقات طويلة الأمد بين بريطانيا وإسرائيل، ولكن هل سيصل الأمر إلى تخلي بريطانيا عن دعم إسرائيل بعد أن أسست لها دولة؟ هذا ما ستكشفه التحقيقات.

حلقات التحقيق الاستقصائي للجزيرة

 

الحلقة الأولى:

الحلقة الثانية:

الحلقة الثالثة:

الحلقة الرابعة:

عرض التعليقات
تحميل المزيد