قد تسجل الساعات القليلة القادمة علامة فارقة في تاريخ بريطانيا، بالتزامن مع قرب الانتهاء من انتخاب عمدة جديد للعاصمة لندن، خلفًا للحالي، بوريس جونسون، وسط مؤشرات بفوز المرشح المسلم من أصول باكستانية، صادق خان،  بعد معركة حامية بين مرشحين بارزين.

تزامنت العلامة الفارقة لدى بريطانيا مع ما تناقلته وسائل الإعلام الغربية المختلفة، عن احتمال أن يصبح أول عمدة مُسلمٍ لها، بعد أن بدأت انتخابات المجالس المحلية والإقليمية، مع استمرار الجدل القائم داخل الأوساط البريطانية عن اتهامات للمرشح المسلم، بصلته بـ«المتطرفين الإسلاميين».

الانتخابات التي انطلقت منذ ساعات في كل من إنجلترا وإسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية، حيث سيدلي ملايين الناخبين بأصواتهم لاختيار المرشحين الذين يتنافسون على 2700 مقعد في المجالس المحلية، وثلاثة عمد، و41 مفوضًا بالشرطة.

وآخر ما أظهرته استطلاعات الرأي، أن مرشح حزب العمال يتقدم بأكثر من عشر نقاط على منافسه المحافظ المليونير «زاك غولدسميث»، وفي حال جاءت نتائج الانتخابات مطابقة للتوقعات، فإن النائب عن حي شعبي في جنوب لندن، سيخلف رئيس البلدية الذي يحظى بشعبية، بوريس جونسون، عن حزب المحافظين، وسيصبح أول رئيس بلدية مسلم لعاصمة غربية كبرى.

عن صادق خان

عام 1970، ولد المرشح المسلم صادق خان، في إحدى ضواحي العاصمة البريطانية لندن، لأسرةٍ بسيطة هاجرت من باكستان واستوطنت لندن، يُعيلها الوالد الذي كان يعمل سائقًا، في حين وجد الابن مكانه بين المدافعين عن حقوق الإنسان، مُؤسسًا لشركة مُحاماة صغيرة يعمل بها 50 موظفًا.

فتح مجالُ المحاماة البابَ واسعًا أمام خان للدخول إلى عالم السياسة، حتى انتُخب نائبًا في مجلس العموم البريطاني عام 2005، وفي 2008 كان المسلم الثاني فقط الذي يدخل تشكيلة الحكومة البريطانية وزيرًا للنقل.

وخلال الدعاية الانتخابية، حاول خان التعريف بنفسه بطريقة مُبسّطة، عبر موقعه الخاص بانتخابات مجلس المدينة، فهو «رجلٌ عادي، من أسرة بسيطة، كان يعمل في مجال حقوق الإنسان مدةً طويلة، ولا يقضي وقته كله في العمل السياسي، وإنما يُحبّ الرياضة وتقضية الوقت مع العائلة».

كونه مرشحًا لمنصب عمدة لندن، فعليه التطرق بالتعريف لمدينته، على أنّها «توفر فرصًا مُتكافئة لجميع الموهوبين، والعاملين بجدية»، وفي تعريفٍ سابق لنفسه، كان يقول عن لندن: «العظيم في هذه المدينة أنك تستطيع أن تكون لندنيًا، بأي معتقد أو لا معتقد. نحن لا نتقبل بعضنا البعض فقط، بل يحترم بعضنا بعضًا ويحتضن بعضنا بعضًا ويحتفي بعضنا ببعض. هذه إحدى المزايا العظيمة للندن»، قال ذلك عقب تعريفه نفسه بأنه «مُسلم لندني بريطاني. أب وزوج، ومُشجع قديم لنادي ليفربول».

بين خان وجولدسميث

ما لا شك فيه أن الحملة الانتخابية بين المرشحيْن الرئيسييْن، صديق خان من حزب العمال، وزاك جولدسميث، من حزب المحافظين؛ قد تصاعدت المنافسة فيها مُؤخرًا، بعد بزوغ نجم خان الذي تقلد منصب وزير النقل في حكومة رئيس الوزراء الأسبق، جوردن براون، والذي لا يرى أن إسلامه يُشكل عائقًا في حياته السياسية، بل فُرصة جديدة، وأنه لا تناقض بين هويته البريطانية، ودينه، وانتمائه العرقي، وتوجهه السياسي، بل إنّه يرى في الانتخابات فُرصة لتوعية الناس حول الإسلام والمسلمين من جهة، وتشجيع مُسلمي لندن وبريطانيا عامةً، على المُشاركة الإيجابية في مختلف جوانب المجتمع.

أما جولدسميث، فيرى أن فوز مُنافسه خان، احتمال بانهيار النظام الاقتصادي في لندن. كما أنّه يتهمه بالدفاع عمن أسماهم «الإرهابيين»، وبخاصة «شاكر أمير»، المواطن البريطاني الذي كان مُعتقلًا في جوانتانامو. وكان جولدسميث صحافيًا فترةً طويلة، ركز فيها اهتماماته على قضايا البيئة، قبل أن يُصبح عضوًا في مجلس العموم البريطاني.

السياسة الانتخابية القادمة لخان

من بين تطلعاته الانتخابية الضخ الحكومي المالي للمدارس والكليات التي تعلم الإنجليزية، بعدما قلصت الحكومة الأموال المنفقة على ذلك الأمر، هذا إلى جانب المساهمة أكثر في انخراط المسلمين البريطانيين في المجتمع، ومُساعدة الشرقيين والعرب عمومًا على ذلك.

كما سيسعى خان إذا ما فاز في الانتخابات، إلى إبقاء بريطانيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، لئلا تخسر مشروعاتها الكبيرة المدعومة من أوروبا، وأن تظل لندن مدينة استثمارية ضخمة، وأن تبني الحكومة البريطانية منازل لثلاثة آلاف لاجئ سوري من الأطفال غير المصحوبين بذويهم في أوروبا.

في برنامجه أيضًا، وعد بتخفيض أسعار الإسكان في لندن، وهي أزمة تُعاني منها المدينة وسكانها بشدة في الأعوام الماضية، بالإضافة إلى العمل على تطوير وسائل النقل التجاري. ولأن الرجل من الفرص التعليمية والعملية في لندن، فإنه سيسعى حال فوزه إلى أن تُوفر لندن نفس الفرص لأغلب ساكنيها.

ويُشار إلى أنه في خضم الحملة الدعائية استعدادًا لانتخاب عمدة جديد للندن، فوجئ مسلمو بريطانيا بحملة تستهدفهم وتصمهم بالتطرف، وما زاد الأمر سوءًا كان تدخل رئيس الوزراء البريطاني، ديفيد كاميرون، على الخط، واتهامه خان بشكل غير مُباشر بـ«التطرف»، الأمر الذي أزعج الجالية المسلمة هناك. من جهته، رد خان على هذه الاتهامات بأنه «حارب التطرف طيلة حياته، وأنه سيكمل في تلك المسيرة إذا ما صار عمدة لندن الجديد».

يُذكر أن حزب العمال البريطاني الذي ينتمي إليه صادق خان، كان قد تعرض لهزيمة ساحقة في الانتخابات البرلمانية العام الماضي، لكنه في المقابل عزز مواقعه في لندن، وعليه، يرى مراقبون أن ما يُعزز من فرص خان استياء سكان لندن من المُحافظين.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد