في 23 يونيو (حزيران) المقبل، ستتحدد وجهة البريطانيين في تقرير مصيرهم مع الاتحاد الأوروبي، صوب البقاء فيه أو الخروج منه، وسط تساؤلات عدة عن مدى تأثير القرار عليهم أولًا، وبعض الدول ذات العلاقة الوطيدة ثانيًا، فضلًا عن أسباب تخوف الولايات المتحدة الأمريكية من التبعات.

وخلال العام الماضي لوحت بريطانيا بالانسحاب من الاتحاد الأوروبي، لجملة من الأسباب تُوضح لاحقًا، لكن الشاهد في الأمر أن الولايات المتحدة أبدت اهتمامًا كبيرًا بالأمر، مُبديةً تخوفها حيال خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، بخاصة وأن القرار يأتي في ظل العديد من الأزمات التي تعصف بالقارة.

بداية الانضمام

أصبحت بريطانيا في عام 1973عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وبعد عامين صوت البريطانيون في استفتاء عام, بأغلبية الثلثين لمصلحة البقاء، فيما كان يسمى بالجماعة الأوروبية آنذاك، إذ إنه لأول مرة أصبحت فكرة خروج بريطانيا من عضوية الاتحاد الأوروبي احتمالًا قائمًا وتحديًا عميقًا لعملية الاندماج الأوروبي.

خروج بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون


ضمن استطلاعات الرأي الأخيرة التي أُجريت العام الماضي، فإن حوالي 51% من البريطانيين يفضلون الخروج من الاتحاد الأوروبي، مُقابل 49% يفضلون البقاء، وسط مطالب وضعها رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، للبقاء في الاتحاد.

حدد كاميرون أربعة مطالب، أولها عدم التمييز داخل الاتحاد الأوروبي بين دول منطقة اليورو وسواها، إلى جانب التركيز أكثر على القدرة التنافسية للسوق الواحدة، والاستثناء من اتحاد أوثق، فيما الأخير هو السماح لها بفرض رقابة أكبر على الهجرة.

نظر المراقبون حينها إلى المطالب الثلاثة الأولى بأنها سهلة التحقيق، بيد أن الأخير سيكون نقطة الخلاف الرئيسية مع شركاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لأنه يعيد النظر في مبدأ المساواة بين المواطنين الأوروبيين.

تواجد بريطانيا داخل الاتحاد

وبما أن نقل صلاحيات الدول القومية إلى المؤسسات الدولية الأوروبية، من أبرز مبادئ الاتحاد، حيث تظل المؤسسات محكومة بمقدار الصلاحيات الممنوحة من كل دولة على حدة، وهو ما يشير إلى نظام سياسي فريد من نوعه في العالم، فإن السيادة والقومية أبرز قضيتين افترق عليها السياسيون البريطانيون.

لذلك، فإن الانضمام إلى الاتحاد يعني نقل العديد من السلطات إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك العديد من القوانين التي تتخذ في بروكسل بدلًا من البرلمان البريطاني، وهو ما كان محل خلاف داخل الأوساط البريطانية.

أحدث نقل الصلاحيات إلى صالح الأسرة الأوروبية العديد من الإشكاليات والانقسامات داخل المجتمع البريطاني وأحزابه المختلفة، حتى إنه مع بداية الأزمة المالية عام 2008 اشتبكت بريطانيا مع الاتحاد بشأن بعض القضايا، أبرزها خطط لفرض ضريبة على البنوك، وتقييد القطاع المالي في لندن.

تنظر بريطانيا إلى الاتحاد بأنه تهديد لقوتها؛ فإبقاؤه منقسمًا، واستخدامه لمصلحتها الخاصة في القضايا الدولية هدفها الدائم، إذ إنها عملت في كل فرصة على تقويضه منذ لحظة الانضمام إليه، ما أدى إلى ضرورة الاستفتاء بشأن التواجد داخله.

في المقابل، لا يمكن إغفال مدى استفادة بريطانيا اقتصاديًا من الاتحاد، إذ إنها تصدر القليل من السلع، ولكنها تعتمد على الخدمات المالية من أجل الدخل، ورأس المال والعملات الأجنبية. كما أن سوق الاتحاد الموحّد يعني أنه يمكن لبريطانيا أن تصدّر بدون قيود تجارية إلى كلّ أوروبا.

وجودها اقتصاديًا داخل الاتحاد يمنح الشركات الكبرى والنخبة الغنية العديد من المزايا، وبالتالي فإن تركها للاتحاد سيفقدها ذلك، ويحدث بعض المشاكل السياسية، وتتوقف حينها بريطانيا عن أخذ قوانين أو قرارات تصدرها المؤسسة البريطانية.

أسباب الخروج من الاتحاد

لن يكون خروج بريطانيا من الاتحاد إلا لبعض الأسباب، أولها تخوفها من سيطرة دول منطقة اليورو الـ19 على مجريات اتخاذ القرار في الاتحاد، والسبب الثاني هو الهجرة، وهي المشكلة الأكبر التي تواجه المجتمع البريطاني.

وترى بريطانيا أن قوانين الاتحاد هي السبب في تدفق المهاجرين إليها، والذين أثروا على مستوى المعيشة والنسيج الاجتماعي، وهم يشكلون عبئًا ماديًا على الخدمات العامة مثل التعليم والصحة وغيرها.

فضلًا عن مخاوفها على سيادتها، عبر إعطائها حق الخروج من الالتزام الأوروبي التاريخي بتدشين «اتحاد أوروبي أعمق»، فبريطانيا لا تريد أن توقف سعي الدول الأوروبية الأخرى نحو هذا الهدف، ولكنها تريد حق الخروج.

من أبرز أسباب تلويح بريطانيا بالانسحاب أيضًا، هو رغبتها في إعطاء البرلمانات الوطنية الحق في التجمع معًا بهدف رفض أي تشريع يصدر على المستوى الأوروبي، يتعارض مع مصالح الدول القومية.

ترى بريطانيا أن الانسحاب هو الخيار الآمن لكي تستعيد ديمقراطيتها، وتحمي اقتصادها وحدوده، بخاصة وأنها تدفع سنويًا 47 مليار دولار، تكاليف عضويتها في الاتحاد.

والجدير ذكره أن حجم الاقتصاد البريطاني يمثل سدس الاقتصادات الأوروبية مجتمعة، وأن 47% من صادرات بريطانيا موجهة للاتحاد الأوروبي، الذي يعد أكبر سوق في العالم، ويقدر بنصف مليار مستهلك، بينما تستقبل منه 53% من وارداتها.

إلى جانب وجود ثلاثة ملايين وظيفة مرتبطة مباشرة أو بصورة غير مباشرة بهذه الصادرات والواردات، بينما يزيد حجم الاستثمار الأوروبي المباشر في بريطانيا على 700 مليار دولار، أي ما يعادل نحو 50% من إجمالي الاستثمارات.

كل هذه المؤشرات قد تجعل بريطانيا تنظر إلى اقتصاد مستقل غير مرتبط بأي سياسة خارجية، أو قيود أخرى، في حين أن استفادتها من بعض المميزات في الاتحاد قد تمنع البريطانيين من التصويت لقرار الاستفتاء، وأهمها السيادة والسلطة.

ومهدت الخشية من خسران السيادة والسلطة مطالبة الحكومة البريطانية باستعادة بعض السلطات، من خلال التهديد بإجراء استفتاء عام على ترك الاتحاد الأوروبي في الفترة الأخيرة.

السر وراء تخوف الولايات المتحدة من الخروج البريطاني

ترتبط الدولتان بعلاقات وطيدة في مجالات عدة، أخذت تتأرجح مؤخرًا بفعل بعض الأزمات في منطقة الشرق الأوسط تحديدًا، وما جعل قلق أمريكا يتصاعد خلال الأشهر القليلة الماضية، مطلقة العديد من التحذيرات حيال تمسك بريطانيا؛ هي الآثار المترتبة على ذلك.

تنظر الولايات المتحدة إلى الانسحاب من الاتحاد على أنه يحمل في طياته تداعيات جيوسياسية محتملة أوسع نطاقًا، بخاصة وأن بريطانيا تعد شريكًا حيويًا مع أمريكا عبر الأطلسي، ولطالما كانت الوسيط الأبرز لخلافات الولايات المتحدة مع بعض دول أوروبا.

تكمن الخشية الأمريكية أيضًا في الاعتقاد بأن بريطانيا ستحرم بشدة، إذا وجدت نفسها وحيدة في العالم، تتفاوض على معاهدة تجارية معها، وهو ما يعني إهمالها في أي اتفاقية مستقبلًا، فضلًا عن حالة عدم الاستقرار التي ستحدث داخل الاتحاد.

شاهد فيديو: خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي مرهون بالانتخابات القادمة

ومع أن العلاقات تشهد تأرجحًا بين البلدين في الآونة الأخيرة، على صعيد التطورات الجارية في الشرق الأوسط، إلا أن بريطانيا ستبقى الحليف الإستراتيجي الأقوى للولايات المتحدة الأمريكية في أوروبا.

ويعود التمسك الأمريكي ببقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، إلى مواقف بريطانيا المساند للولايات المتحدة، بخاصة في مفاوضات بروكسل، وقد نجحت في إقناع الاتحاد الأوروبي بضرورة التحالف مع واشنطن في فرض عقوبات على روسيا عام 2014، وكذا في الحرب المُعلنة على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

بالإضافة إلى الخشية من حدوث أزمة مالية قد تعصف بالاقتصاد العالمي، على غرار ما جرى عام 2008، وتؤدي مجددًا إلى تفكك الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يجعل أمريكا تحقق تحالفًا مع الاتحاد الأوروبي في العديد من القضايا ولو خرجت بريطانيا من الاتحاد.

احتياج أمريكا للحليف الأقوى لها في الاتحاد، بريطانيا، لتقليل الرغبة من تعزيز النفوذ الألماني أكثر مما هو عليه الآن، الأمر الذي قد يؤدي إلى اعتبار الاتحاد أقل استعدادًا وقدرة على العمل بوصفه كيانًا على الساحة العالمية.

مدى تأثر بريطانيا من الخروج

في الأشهر القليلة الماضية، زادت التحذيرات في الأوساط الغربية من خروج بريطانيا من الاتحاد، الأمر الذي قد يفقدها قوتها وتوازنها في المنطقة. قادة سابقون بحلف شمال الأطلسي (الناتو)، وأمنيون سابقون لدى الولايات المتحدة، حذروا من الخروج البريطاني، إذ تربط بين الحلف والاتحاد علاقات مُشتركة، من شأنها منع الاضطرابات في منطقة أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يحتاج إلى مشاركة فعالة ونشطة من بريطانيا.

ومن بين الآثار المترتبة ضعف التبادل الاستخباراتي بين بريطانيا ودول أوروبية في عديد من أزمات المنطقة، وكيفية التعامل معها وفقًا للمصلحة المشتركة، لا سيما بين الاتحاد والناتو، ودور بريطانيا في توطيد العلاقة بينهما.

وقد يكون استفتاء الشعب البريطاني على الخروج من الاتحاد فتح مسألة استقلال إسكتلندا مرة أخرى، والعزم على بقائها عضوًا داخل الاتحاد، وهو امتناع شعبي من المتوقع أن يؤدي إلى التصويت لصالح الانفصال عن المملكة المتحدة.

في حين يرى البعض أن بريطانيا لن تتأثر في حال خرجت من الاتحاد، فالاتفاقات المبرمة بينها وبين الاتحاد ستبقى على ما هي عليه، وأن خروجها يأتي في ظل عاصفة من الصعوبات المالية والسياسية التي تواجهها أوروبا، قد تكون الأسوأ بالنسبة للاتحاد.

عرض التعليقات
تحميل المزيد