حلت الذكرى 99 على إطلاق وعد بلفور، وما زالت مأساة الفلسطينيين قائمةً، لما ترتب على هذا الوعد الذي يعود تاريخه إلى الثاني من نوفمبر (تشرين الثاني) 1917، عندما وعد وزير الخارجية البريطاني آنذاك، آرثر بلفور، شخصيات يهودية بمنح اليهود وطنًا قوميًّا على أرض فلسطين.

ويأتي العام القادم بالذكرى الـ100 على الوعد المشؤوم على الفلسطينيين والعرب، الذين يرون أنه من المهم أن تمر الذكرى المئوية، بإنجاز فعلي، يتمثل في دفع بريطانيا، إلى الاعتذار عن الوعد، وفرض مسؤوليات كبيرة على المجتمع الدولي تجاه رد الحق للفلسطينيين، بدعم قيام دولة لهم.

حملة الاعتذار في عقر دارهم

أطلق مركز العودة الفلسطيني في العاصمة البريطانية، لندن، في 25 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، حملة تطالب بريطانيا بالاعتذار عن وعد بلفور، استهدفت البريطانيين في عقر دارهم، وذلك بجمع 100 ألف توقيع بريطاني، لمطالبة الحكومة بالاعتذار.

وأُطلقت «حملة الاعتذار عن وعد بلفور.. 100 عام من الظلم»، ضمن ندوة استضافتها البارونة البريطانية الداعمة لحقوق الشعب الفلسطيني، من حزب الديمقراطيين، جيني تونج.

وبحسب صحيفة الإندبندنت البريطانية فإن «حملة المطالبة باعتذار بريطاني، لمساعدتها في إنشاء إسرائيل، في القرن الماضي، تتزايد شعبية، فقد نظمت البارونة عن الحزب الليبرالي الديمقراطي جيني تونج، مناسبة في مجلس اللوردات، أعلنت فيها عن مبادرة تهدف للضغط على الحكومة البريطانية، للاعتراف بدروها قبل قرن في المعاناة الفلسطينية، والأثر الاستعماري الذي تركته على المنطقة بشكل عام».
ونقلت الصحفية ردًّا رسميًّا عن المتحدث باسم وزارة الخارجية البريطانية، جاء فيه أن «الحكومة لا تعتذر عن بيانات تاريخية، لقد كان إعلان بلفور بيانًا تاريخيًّا، ولن تعتذر عنه الحكومة البريطانية، ونحن نركز على تشجيع الفلسطينيين والإسرائيليين لاتخاذ الخطوات التي تقربهم نحو السلام».

يذكر أن رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، طالب بريطانيا بالاعتذار قبل حلول المئوية على وعد بلفور، قائلًا: «ندعو بريطانيا ونحن نقترب من المئوية الأولى على الوعد سيئ الذكر، إلى استخلاص الدروس المهمة، وتحمل المسؤولية التاريخية والقانونية والسياسية والمادية والأخلاقية لتداعيات الوعد».

هل ستعتذر بريطانيا؟

«يصحح الاعتذار خطأ تاريخيًّا جسيمًا، ارتكبته بريطانيا في حق الفلسطينيين، فما زال هناك شعب كامل بريء، تَحمّل كارثة هذا الوعد، ودفع ثمنًا غاليًا جدًّا»، كما يقول أستاذ الدراسات الدولية في جامعة كامبريدج، خالد حروب، ويصف الوعد بـ«التصرف الاستعماري، من قبل طرف مستعمر ليس له علاقة بالأرض، منحها لشعب آخر».

 

وأوضح الحروب خلال حديثه لـ«ساسة بوست»، أن الاعتذار عن وعد بلفور، له أهميته القانونية، لأنه يعتبر أحد الأسس القانونية التي تعتمد إسرائيل عليها، كونه صدر من السلطة المنتدبة، المُخوّلة من عصبة الأمم، بإدارة فلسطين.

وأضاف الحروب: «هناك أيضًا بعد إنساني بمعنى أن هذا الوضع خلق مشكلة إنسانية ما زالت قائمة، فهو وعد ليس ذا أثر ماضٍ، بل ما يزال يحدث ونتائجه الناس ما زالت تعيشها».

ويعتقد الحروب، أن الحملات التي تضغط في اتجاه الاعتذار، تحتاج إلى مزيدٍ من الوقت لتحقيق أهدافها، ويكمل قائلًا: «في نهاية المطاف ستعتذر بريطانيا، هناك احتمال أن يتم الاعتذار في مئوية هذا الوعد».

نزع الاعتذار مسؤولية فلسطينية

يقع على الفلسطينيين كل المسؤولية، في جعل مئوية وعد بلفور خطوة مفصلية في قضيتهم، بانتزاع اعتذار بريطانيا عن هذا الوعد، وكما يقول المدير العام لمركز العودة الفلسطيني بلندن، ماجد الزير، إن «الشعب الفلسطيني باستطاعته أن يفرض في المحافل الدولية، إعادة عقارب الساعة للوراء، وطرح أسئلة حول نشأة المشكلة».

وانتقد الزير ما سماه بتقصير الشعب الفلسطيني «في التأخر في فتح ملف الدور البريطاني الإجرامي، بحق الشعب الفلسطيني»، ويقول: «الوسائل المتاحة والمنوعة، وفي مجالات عديدة ضمن السقوف السياسية المسموح بها كان من شأنها لو تمت أن تحقق مكاسب تجعل من الواقع الفلسطيني أفضل بشكل ملموس».

واعتبر الزير أن «التمادي البريطاني والغربي الداعم بلا حدود لإسرائيل»، ما كان ليكون بهذا المستوى، لو أن هناك مواقف صارمة تدينه، مُضيفًا: «ثبت في السياسية، أن أشكال الضغط مهما قلَّت تحقق اختراقات في القضايا المختلفة، والدور البريطاني في الواقع الفلسطيني ليس استثناءً».

من جانبه، يرى المدير العام لأكاديمية دراسة اللاجئين في البحرين، محمد ياسر عمرو، أو وعد بلفور لم يكن طارئًا، أو مصادفة، وإنما «كان حلقة في سلسلة من الإجراءات البريطانية، لتمكين المشروع الصهيوني في فلسطين، مُضيفًا في حديثٍ لـ«ساسة بوست»، أنه «رغم عدم قانونيته إلا أن الإجراءات التي تبعته والتي توجت باختيار الصهيوني المتعصب هربرت صموئيل أول مندوب سامي بريطاني مكنت اليهود من فلسطين».

وتابع: «لذلك ونحن على أشراف مئوية بلفور لا بد من تحمل بريطانيا مسؤولياتها تجاه فعلتها الشنيعة بالاعتذار، وأن تبدأ بسلسلة من الإجراءات التصحيحية، وهذا لا يتأتى إلا بضغط عربي، وضغط من جامعة الدول العربية والمنظمات المجتمع المدني، وحراك أوروبي رسمي وعربي».

الاعتذار يؤكد أن إسرائيل «دولة احتلال»

ردًّا على ندوة حملة التوقيع على اعتذار بريطانيا عن وعد بلفور آنفة الذكر، أرسلت إسرائيل مندوب الإذاعة الإسرائيلية ليسجل وقائع الندوة، كتحرك أولي من إسرائيل، لإعاقة التحرك الفلسطيني.

 

ووفق تقرير لصحيفة الإندبندنت، فإن المناسبة، التي نظمت في مجلس اللوردات، أدت إلى عاصفة غضب في إسرائيل، عندما ظهر شريط فيديو عن المناسبة، وتحدث فيه أحد الحضور للمناسبة، قائلًا: «لو كان هناك طرف معاد للسامية فإنهم الإسرائيليون أنفسهم».

لذلك يرى الباحث في العلاقات الدولية، خالد هنية، أنه من الأهمية «خلق طابع رمزي على الأقل»، باعتذار بريطانيا عن وعد بلفور؛ لأن ذلك سيكون له أثره على المستوى الإقليمي والدولي، كما يعتقد.

وأضاف هنيّة: «سيكون للاعتذار أثر في مسار القضية الفلسطينية في بعدها الدولي، هذا في المسار الأخلاقي الذي يؤكد أن إسرائيل دولة احتلال، ولا يمكن أن تستمر على هذه الأرض».

وأكد هنية على أن الاعتذار لا بد أن تتبعه خطوات عملية جادة تكون بدايتها الاعتذار، ويتحقق ذلك بداية من خلال المسار القانوني، باستصدار مذكرة من مجلس العموم البريطاني تحظى باستفتاء شعبي على أساس العملية الديمقراطية، لتحديد الموقف البريطاني من إسرائيل، وطرح هذه المذكرة على مجلس الأمن لتشكيل ضغوط على إسرائيل، على حد قوله.

أما فيما يتعلق بالمسار المادي والمعنوي، فيعتقد هنية أن تعويض الفلسطينيين عن 100 عام مضت من الاحتلال، يجب أن يكون من خلال تكريم اللاجئين وتعويضهم ماديًّا.

 

عرض التعليقات
تحميل المزيد