بدأ استياء قطاع كبير من البريطانيين من البقاء في الاتحاد الأوروبي لأسباب كثيرة، على رأسها الأسباب الاقتصادية، التي كان من أهمها مسألة اضطرار بريطانيا لاستقبال اللاجئين من بقية دول الاتحاد الأوروبي الأقل ثراءً، ومنحهم مزايا من قبيل معاشات شهرية للعاطلين، وإعفاءات ضريبية للعاملين، كما تنص لوائح الاتحاد الأوروبي.

لكن الكثير من المحللين الاقتصاديين، بالأخص اليساريون منهم، لا يرون أن الانفصال البريطاني ستقع ثماره الاقتصادية، إن وجدت، في أيدي القطاعات الأقل ثراءً في بريطانيا، التي أيدت شرائح منها قرار الخروج بشدة، تحت شعارات غلبت عليها النزعة القومية أكثر من المضمون الطبقي.

لذلك يرى هؤلاء المحللون أن ثمار إقصاء الأجانب، إن وجدت، فستذهب للطبقات البرجوازية في بريطانيا، لا إلى المهمشين، الذين تحمسوا للخروج من الاتحاد الأوروبي رفضًا لمزاحمة الأجانب لهم في بلادهم.

هل للخروج البريطاني تأثيرات اقتصادية على عالمنا العربي؟

من المحتمل أن يُلقي الخروج البريطاني بظلاله على اقتصاد العديد من الأقطار العربية، في مقدمتها جمهورية مصر العربية، ودول الخليج العربي؛ إذ تنتاب المصدرين المصريين مخاوف عديدة بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، متعلقة بفقد ميزة التصدير لبريطانيا دون جمارك، وفقًا لما هو منصوص عليه في اتفاقية الشراكة الموقعة بين مصر والاتحاد الأوروبي، والتي دخلت حيز التنفيذ منذ عام 2004.

وصرح بالفعل رئيس غرفة الصناعات الكيماوية في اتحاد الصناعات المصرية، شريف الجبلي، بأن خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي قد يعني أنها ستصبح سوقًا مستقلة، ومن ثم قد تفرض جمارك على الصادرات المصرية.

فيما رصدت مجلة »نيوزويك« الأمريكية، من قبل الخروج البريطاني، في تقرير لها، القلق المصري من احتمالية توجه بريطانيا في حالة انفصالها إلى تعزيز مصالحها الاقتصادية في دول الخليج، على حساب جمهورية مصر العربية ومصدريها.

وقد كتب المحلل والكاتب السياسي عبد الباري عطوان، في مقال له بصحيفة رأي اليوم الإلكترونية، أن الجناح البريطاني الذي حمل مطالب الانفصال على عاتقه، يرى في بلدان الخليج تحديدًا البديل الاقتصادي الأمثل للاتحاد الأوروبي الذي انفصلت عنه بريطانيا.

التأثيرات الفورية للخروج

بعد الإعلان عن نتائج الاستفتاء بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي يوم الجمعة 24 يونيو (حزيران) 2016، تراجعت قيمة الجنيه الإسترليني إلى أدنى مستوى لها منذ 31 عامًا (1985)، مسجلة أكبر انخفاض في تاريخها، كما تأثر اليورو بالسلب أيضًا قبل أن يستعيد بعض خسائره في الأيام التالية.

وكانت الضربة قوية للغاية بالنسبة للأسواق المالية الأوروبية والآسيوية، ما جعل حاكم البنك المركزي البريطاني، مارك كارني، يصرح بأن بنك إنجلترا مستعد لمنح أكثر من 250 مليون جنيه إسترليني، من الأموال الإضافية عن طريق عملياته الطبيعية، من أجل دعم سير الأسواق. كما أكد أن البنك قادر على تأمين سيولة كبيرة بالعملات الأجنبية في حالة الضرورة.

لكن العاملين بالأسواق المالية في العاصمة البريطانية لندن، كانوا أكثر المتضررين والخائفين، وقد صرح أحدهم قائلًا: »إنها كارثة مطلقة. غالبية البريطانيين لم يكن لديهم أية فكرة عما يصوتون عليه، والآن كل الذين يملكون منزلًا، أو معاشًا تقاعديًا، أو كانوا يعتزمون القيام برحلة إلى الخارج، باتوا أكثر فقرًا بكثير«.

وحذر المسؤولون بالأسواق المالية في لندن قبل الاستفتاء، من أن الأوساط المالية البريطانية ستخسر الكثير إذا ما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويرى هؤلاء ومعهم قطاعات ليست بالقلية من الشعب البريطاني، أن بروكسل قد تتعمد أن تجعل بريطانيا تدفع ثمن قرار انفصالها.

وعلى جانب آخر، حين أُعلنَ عن نتيجة الاستفتاء بالخروج البريطاني، قالت وكالة »موديز« للتصنيف الائتماني، إن تلك النتيجة ستؤثر بالسلب على التصنيف الائتماني لبريطانيا، وتوقعت الوكالة سيادة فترة طويلة من الضبابية في الفترة القادمة، ستفرض بدورها ضغوطًا كبيرة على الأداء المالي البريطاني، وأن هذه الضبابية ستؤدي إلى تقليص تدفق الاستثمارات، وستهز الثقة في الاقتصاد البريطاني، وهو ما سيضغط على آفاق النمو، ويلقي بظلال سلبية على التصنيف الائتماني للديون السيادية في بريطانيا.

وبعد نتيجة الاستفتاء مباشرة أيضًا، صرح رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، بأن تصويت بريطانيا لصالح الانفصال عن الاتحاد الأوروبي رفع من تقلبات أسواق السلع الأولية، وأثار مخاوف موسكو، وأكد ديمتري على أن نتيجة خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي لن تؤثر عليها فحسب، وإنما ستؤثر أيضًا على الاقتصاد العالمي.

لكن على الجانب الآخر، كان لانخفاض سعر صرف الجنيه الإسترليني أثر إيجابي على شركات التصدير في بريطانيا.

وقد ارتفع سهم الشركة البريطانية الأمريكية للتبغ، في يوم الاثنين الذي تلا الخروج، بنسبة 1.44%.

هذا بالإضافة إلى الصعود الكبير لأسهم الشركات متعددة الجنسيات الكبرى في البلاد، العاملة في مجال تصدير المواد الغذائية، ومجال إنتاج المشروبات الروحية.

تأثيرات بعيدة المدى

من المتوقع أن يؤدي الخروج البريطاني إلى تحرير البلاد من سقف العجز الذي تفرضه بروكسل، عند 3% من الناتج المحلي الإجمالي، والسقف المحدد للديْن العام الذي تفرضه بروكسل أيضًا، عند نسبة 60% من الناتج المحلي الإجمالي، كما ستتحرر من مراقبة المفوضية الأوروبية.

وبعد الخروج يبقى هناك توقعان رئيسيان لمستقبل بريطانيا الاقتصادي؛ ففيما حذرت الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا واليابان، من أن بريطانيا ستفقد مكانتها باعتبارها قوة تجارية عالمية، إذ أكد الرئيس الأمريكي أن بريطانيا ستأتي في مؤخرة الصف في ما يتعلق بتدبير المباحثات مع الولايات المتحدة.

كان رأي الاقتصاديين المؤيدين للخروج الكبير، أن تلك الآراء الأجنبية من الدول الكبرى، هي محض إشاعات غرضها الإرباك والتخويف، وأن بريطانيا بعد الخروج ستستطيع عقد اتفاقيات تجارية مع الاتحاد الأوروبي، ودول من خارجه أيضًا، وستتخذ قرار تخفيض رسوم الواردات بنفسها في حال تأخر الاتفاق حتى.

وعن النتائج المنتظرة أيضًا، فقد كشف تقرير صادر عن وزارة الخزانة البريطانية، في وقت مبكر، أن من بين تلك النتائج المتوقعة، إذا ما خرجت البلاد من الاتحاد الأوروبي، هي انخفاض حصيلة الضرائب بمقدار 36 مليار جنيه إسترليني، وانخفاض الناتج القومي الإجمالي بنسبة 6.6%، وتراجع قيمة لندن ومكانتها التجارية باعتبارها أهم سوق مالي في القارة، لصالح فرانكفورت ولوكسمبورج.

إضافة إلى ذلك، سيفقد المواطن البريطاني بعد الاستفتاء مزايا التنقل بأقل الأسعار بين دول الاتحاد الأوروبي، وإجراء المكالمات الهاتفية الموحدة عبر الاتحاد الأوروبي بأكمله، وشراء البضائع من أي دولة في الاتحاد بدون الخضوع لحدود جمركية.

كما أن بعض البنوك والمؤسسات المالية الكبرى، كانت قد اتخذت القرار بنقل قسم من عملها خارج بريطانيا، إلى داخل الاتحاد الأوروبي، في حالة إقرار الخروج.

هذا وقد يؤدي الخروج البريطاني إلى ارتفاع تكلفة الاستثمار في قطاع الطاقة، فمن المتوقع أن يحدث عجز في المعروض من الطاقة الكهربائية بالبلاد بعد قرار الانفصال، وسيسحب ثقة المستثمرين في هذا القطاع بالبلاد.

ويعد واحدًا من أهم التحديات الآن لبريطانيا عقب الخروج، هو عقد اتفاق تجارة حرة يتضمن استمرار تدفق السلع البريطانية دون تعريفة جمركية في دول الاتحاد الأوروبي، فقد حذرت شركات كبرى مثل »رولز رويس«، من قبل الاستفتاء، من أن أخطارًا كبيرة ستواجه صادراتها المقدرة بـ223 مليار جنيه إسترليني لدول الاتحاد.

وعلى صعيد آخر، سيتسبب خروج بريطانيا من الاتحاد في أضرار بالغة لـ1.3 مليون بريطاني، يعيشون ويعملون في دول أوروبية على رأسها إسبانيا بـ319 ألف شخص، وسيصبح المواطن البريطاني ملزمًا من الآن فصاعدًا بالحصول على ترخيص للعمل في أية دولة أوروبية.

هذا بالإضافة إلى أن ألف مواطن بريطاني يعملون في مؤسسات الاتحاد الأوروبي، مهددون بفقد وظائفهم من جراء الانفصال، وهو ما سيدفعهم إلى التفكير في الحصول على جنسية أوروبية أخرى.

وقد دفع هذا الكثير من المحللين لتوقع ارتفاع معدل البطالة في البلاد عقب الخروج، بعد أن بلغ أدنى مستوياته منذ عشر سنوات حاليًا، بنسبة قدرها 5% فقط، إذ كانت بريطانيا قد شهدت نجاحًا كبيرًا في تجنب خسارة الوظائف بعد الأزمة المالية العالمية، بنفس القدر الذي عانت منه دول أخرى.

وقد توقع المعهد الوطني للبحوث الاقتصادية والاجتماعية ببريطانيا، بعد الخروج، تقلص أجور المستهلكين الواقعية، بما يتراوح بين 2.2%، و7%، في عام 2030، وذلك بالمقارنة مع التوقعات الخاصة بحالة بقاء بريطانيا في الاتحاد. وقد صرح المسئول المالي البريطاني مارك كارني، بأن اقتصاد البلاد قد يدخل في انكماش على مدار 40 عامًا.

لكن على الجانب الآخر، يرى بعض الاقتصاديين أن سوق العمل سيصبح أكثر ديناميكية في بريطانيا، بعد إلغاء قوانين الاتحاد الأوروبي وأعبائها، وبعد إلغاء رسوم الاستيراد المرتفعة في الاتحاد، مؤكدين أن ذلك سيفتح الباب لتحسين المعيشة، مع إبقاء الخوف من تعرض بعض القطاعات الاقتصادية في البلاد لمنافسة شرسة نتيجة تقليص رسوم الواردات.

إذ يرى هذا التيار من الاقتصاديين أن قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي سيعزز النمو في البلاد، رغم ما قد يسببه من تراجع طفيف، بحسب تعبيرهم، في البداية.

وقد سبق وذكرنا أن شركات التصدير في بريطانيا قد تصبح أكبر المستفيدين من هبوط قيمة الجنيه الإسترليني.

وبحسب الكثير من المحللين، ربما يصبح المزارعون في بريطانيا الأكثر استفادة من قرار انفصال بلادهم عن الاتحاد الأوروبي، لأنه في نظرهم قد ذهبت العديد من الأموال بشكل سنوي في ظل الاتحاد، لخدمة سياسات زراعية معقدة.

ويؤكد العديد من المراقبين أن دعم المزارعين في بريطانيا سيبقى، حتى في ظل حالة ما بعد الخروج مباشرة، لأن بريطانيا قادرة على إعادة استخدام مدفوعاتها التي كانت تذهب للموازنة الأوروبية قبل قرار الخروج. ولكن لن يتم معرفة هذا الأمر بشكل نهائي، إلا بعد متابعة ما ستسفر عنه الأيام من تشريعات تحديد جوانب الموزانة في بريطانيا.

عرض التعليقات
تحميل المزيد