استيقظ أمس أكثر من 600 ألف سائح حول العالم يقضون عطلات خارج بلادهم، على خبر مفزع لهم، إذ أعلنت شركة «توماس كوك» انهيارها رسميًّا وإفلاسها، ما يعني أن مئات الآلاف تقطع بهم السبل، وباتوا عالقين لا يعرفون كيف سيعودون إلى بلدانهم، فبعضهم في تونس مُنعوا لساعات من مغادرة الفندق، وآخرون بمنتجع الغردقة في مصر حاليًا، وغيرهم في تركيا والمغرب، وربما عشرات الدول الأخرى، كلهم يتساءلون عن طريق العودة إلى الوطن.

لكن في النهاية النتيجة واحدة؛ فشركة «توماس كوك» انهارت بعد 178 عامًا من الريادة العالمية في سوق السفر والسياحة. فهي أقدم شركات الرحلات في العالم؛ إذ كانت تدير فنادق ومنتجعات وشركات طيران وتخدم 19 مليون مسافر سنويًّا في 16 دولة، ووصلت إيراداتها إلى 12 مليار دولار في 2018، فكيف أفلست الشركة فجأة؟ وما أسباب الانهيار؟ وما مصير السياح؟ وكيف ستتضرر الدول التي تعتمد على سياح «توماس كوك»؟

خلال السطور القادمة سنناقش هذه الأسئلة مع التركيز على أوضاع كلٍّ من مصر وتونس وتركيا، أبرز دول الشرق الأوسط المتضررة من انهيار «توماس كوك».

ما أسباب انهيار أكبر شركة رحلات في العالم؟

بدأت «توماس كوك» البريطانية نشاطها في عام 1841، وذلك من خلال تنظيم رحلات محلية عبر خطوط السكك الحديدية، وبعد أن اجتازت حربين عالميتين أصبحت رائدة في القطاع في أنحاء العالم، لكن تراكم الديون، والمنافسة الإلكترونية، وتغير سوق الرحلات العالمي، والأحداث الجيوسياسية المتلاحقة، وموجة الحر الأوروبية في العام الماضي، كانت من الأسباب دفعت الشركة إلى الهاوية.

ومع أن كل هذه الأسباب ساهمت في انهيار «توماس كوك»، فإن ارتفاع مستويات الديون كانت القشة التي قسمت ظهر الشركة، إذ بلغت الديون المتراكمة على مدار 10 سنوات نحو 2.1 مليار دولار، وحرمت الشركة من التطور اللازم لمجابهة تحدي المنافسة الإلكترونية والأزمات التي عصفت مؤخرًا بالاقتصاد العالمي عمومًا، ووضع بريطانيا المرتبك حاليًا بسبب «بريكست».

وبحسب «رويترز»، فقد احتاجت الشركة مبلغًا إضافيًا قدره 200 مليون إسترليني، بخلاف حزمة قدرها 900 مليون كانت قد اتفقت عليها بالفعل لتجاوز شهور الشتاء، لكن طلب المبلغ الإضافي تسبب في نسف حزمة الإنقاذ التي استغرق إعدادها شهورًا.

«السياحة الحلال».. هكذا تتّسع صناعة المليارات

وحاولت الشركة إصلاح ما يمكن إصلاحه، أول أمس الأحد، إذ التقت بالمقرضين والدائنين لمحاولة التوصل لصفقة أخيرة تسمح للشركة بمواصلة نشاطها، إلا أن هذه المحاولة باءت بالفشل، ولم تستطع الشركة إقناع أكبر المساهمين، وهي شركة «فوسون» الصينية، بالإضافة إلى مجموعة من الدائنين والمستثمرين، وبحسب «بي بي سي» فحتى عطلة نهاية الأسبوع الماضي، كانت الشركة قد نجحت في إيجاد ممول للمبلغ الإضافي، لكنه انسحب في اللحظات الأخيرة.

هل انتهت «توماس كوك» إلى الأبد؟

قبل أشهر قليلة كانت القيمة السوقية لأعرق شركات السياحة والسفر في العالم تتجاوز 2.3 مليار دولار، لكن أمس أصبحت قيمتها «لا شيء» بعد إيقاف التداول على سهم الشركة البريطانية، بينما سجلت خسائر بنحو 1.86 مليار دولار خلال الستة الأشهر المنتهية في مارس (آذار) الماضي، كما أن الشركة الآن أمام مدفوعات فوائد على القروض قيمتها نحو 1.37 مليار دولار، وفقد نحو 21 ألف موظف بالشركة وظائفهم.

وبحسب ما نقلت «رويترز» عن «توماس كوك» فإنها دخلت مرحلة تصفية إجبارية، وحصلت على الموافقة لتعيين حارس قضائي للتصفية، بينما سيجري تعيين شركة «أليكس بارتنرز بريطانيا» أو «كي. بي. إم. جي» مديرًا خاصًا لأقسام الشركة المختلفة.

لكن من الممكن أن تُباع الشركة إما كاملة أو على أجزاء، على حسب العروض، ويشار إلى أن وكالة «موديز» قررت أمس، سحب جميع التصنيفات الائتمانية الخاصة بالشركة، وفي انتظار إعادة هيكلة ديونها ورؤوس أموالها.

على جانب آخر، من المقرر أن تبدأ هيئة الطيران المدني البريطانية في إعادة زبائن «توماس كوك» المتضررين من الخارج في غضون أسبوعين، وأطلقت الهيئة موقعًا خاصًا يمكن للمتضررين أن يجدوا عليه تفاصيل الرحلات الجوية والمعلومات الخاصة بها، بينما السياح الذين لم يسافروا من بريطانيا، فسيتعين وضع ترتيبات بديلة لهم، غالبًا ستتولاها شركات التأمين.

وعلى مستوى الشرق الأوسط، فإن أبرز الدول التي ستتأثر بشكل ملحوظ بانهيار «توماس كوك» هي: مصر، وتونس، وتركيا، والمغرب، إذ سيكون الضرر متفاوتًا على حسب نسبة السياح في كل دولة.

مصر: 25 رحلة أسبوعية و35% زيادة كانت منتظرة هذا العام

يأتي انهيار «توماس كوك» في وقت يمكن وصفه بالحساس بالنسبة للسياحة المصرية، فالبلاد تكافح لاستعادة أعداد السياح ما قبل ثورة 25 يناير (كانون الثاني)، وتعد مجموعة «بلو سكاي» وكيل «توماس كوك» في مصر، وقد أعلنت أمس عن إلغاء حجوزات حتى أبريل (نيسان) 2020 لعدد 25 ألف سائح إلى مصر.

بينما لدى الشركة نحو 1600 سائح في منتجع الغردقة بمصر حاليًا، وكان من المتوقع وصول 100 ألف سائح عام 2020 إلى مصر من خلال «توماس كوك»، ويأتي هذه الانهيار بعد أن اتفقت المجموعة المصرية التي تمتلك أكثر من 20 فندقًا في مناطق سياحية متفرقة، في الأقصر، وأسوان، والبحر الأحمر، وجنوب سيناء، مع الشركة البريطانية في بداية الشهر الجاري على زيادة عدد سائحيها الوافدين إلى مصر بنسبة تتراوح بين 30 و35% هذا العام.

يشار إلى أن أعداد السائحين الوافدين إلى مصر قفز بنسبة 47.5% إلى 9.8 مليون سائح في 2018، إذ كشف تقرير حكومي صدر في أبريل الماضي أن عدد الليالي السياحية في مصر بلغ 102.6 مليون ليلة في 2018 مقابل 51 مليونًا في 2017، بينما لا تعلن الحكومة عن أرقام الإيرادات السياحية، أو أعداد السائحين، بدعوى أنها أرقام أمن قومي.

ووفق مصادر إعلامية مصرية، فإن «توماس كوك» كانت تسير نحو 22 رحلة طيران أسبوعية إلى مطار الغردقة الدولي، وثلاث رحلات أسبوعية إلى مطار مرسى علم الدولي، بما يعادل حوالي 4500 راكب أسبوعيًّا.

ومن المتوقع أن يستمر الارتباك في السوق المصري خلال شهرين قادمين، وخاصة أنه كان من المتوقع زيادة الحجوزات في أكتوبر (تشرين الأول) القادم بنسبة 50%، ومع التقديرات التي تشير إلى أن حصة «توماس كوك» من السياحة الوافدة إلى مصر سنويًّا بين سبعة إلى 10%، فلا شك سيتأثر القطاع الذي يعد أبرز مصادر العملة الأجنبية في مصر.

تونس: 65.9 مليون دولار مستحقة للفنادق التونسية على «توماس كوك»

قد لا تكون مبالغة إذا ما وصف انهيار الشركة البريطانية بالكارثي بالنسبة للموسم السياحي التونسي، إذ إن حوالي 40 فندقًا في تونس يتعاملون مع «توماس كوك»، فيما قال سياح بريطانيون في تونس لوكالة «رويترز» إن فندقًا منعهم من المغادرة لعدة ساعات، بسبب مخاوف تتعلق بمدفوعات رحلتهم عن طريق «توماس كوك»، وهو الأمر الذي يوضح حجم الأزمة، وذلك قبل إعلان الإفلاس.

ولكن بعد إعلان إفلاس الشركة، كشف وزير السياحة التونسي، روني الطرابلسي، أن «توماس كوك» تدين للفنادق التونسية بنحو 65.9 مليون دولار، عن إقامة سياح في شهري يوليو (تموز) وأغسطس (آب) الماضيين، بينما ما زال نحو 4500 سائح في البلاد يقضون عطلاتهم.

ويعد الوضع التونسي خاصًا بعض الشيء؛ ففي الوقت الذي تعيش فيه البلاد حالة من الزخم السياسي بسبب انتخابات الرئاسة، يبدو أنها مقبله على أزمة في أهم قطاع اقتصادي بالبلاد، إذ تضرر القطاع الحيوي في تونس بشدة في عام 2015، بعد هجمات إرهابية، لكن أعداد السياح بدأت في الانتعاش هذا العام، وقد لا يستمر هذا الانتعاش.

وتعد السياحة في تونس المصدر الرئيسي للعملة الأجنبية، كما تسهم بحوالي 8% من الناتج المحلي الإجمالي، وهي ثاني أكبر مشغل للأيدي العاملة بعد القطاع الزراعي، وكان من المتوقع أن تستقبل البلاد نحو 50 ألف سائح بريطاني عبر «توماس كوك» في الربع الأخير من 2019.

وتوفر «توماس كوك» للسوق السياحية التونسية، ما بين 200 و250 ألف سائح سنويًّا، في 2015، إلا أنها صدرت نحو 169 ألف سائح لتونس خلال العام الجاري.

تركيا: 700 ألف سائح سنويًّا في مهب الريح

تعد تركيا إحدى أهم الوجهات بالنسبة لـ«توماس كوك»، ولعل الضغوط بسبب الاضطرابات الأمنية والسياسية في تركيا، منذ محاولة الانقلاب العسكري في 2016، كان لها أثر كبير في أداء الشركة البريطانية خلال السنوات القليلة الماضية، لكن مع استقرار الأوضاع عادت الأمور إلى طبيعتها هذا العام، ليجيء إفلاس الشركة ليقلب الأوضاع رأسًا على عقب.

وتشير تقديرات، عثمان آيك، رئيس اتحاد الفندقيين في تركيا إلى أن تركيا قد تشهد فقدان ما بين 600 و700 ألف سائح سنويًّا، بسبب انهيار «توماس كوك»، موضحًا، بحسب ما نقلت عنه وكالة «رويترز»، أن هناك في الوقت الحالي نحو 45 ألف سائح في تركيا قدموا من بريطانيا وباقي دول أوروبا من خلال الشركة.

لكن ربما لا تكون أزمة أعداد السائحين التي ستخسرها تركيا هي الأهم حاليًا، إذ إن البلاد ستنشغل أكثر بالديون المستحقة على «توماس كوك» للفنادق التركية، فبحسب، آيك، فإن الشركة مدينة بما بين 100 و200 ألف جنيه إسترليني لبعض الفنادق الصغيرة، ما قد يعرضها للمعاناة في الأشهر القادمة.

وتقول وزارة السياحة التركية، إنها تعتزم بالتعاون مع وزارة المالية تقديم حزمة دعم على شكل قروض للشركات المحلية المتضررة من انهيار «توماس كوك»، موضحة أن حزمة دعم الشركات ستدخل حيز التنفيذ قريبًا.

جدير بالذكر أن القطاع السياحي في تركيا يواصل تحقيق مستويات قياسية مؤخرًا، فوفقًا لبيانات الحكومة فقد زار تركيا العام الماضي ما يقارب 46 مليون سائح، بينما يشكل الـ800 ألف سائح المتوقع فقدانهم نحو 1.6% من إجمالي السياح الذين استقبلتهم تركيا في 2018.

المغرب: أكثر من 200 منتج سياحي تسوقه «توماس كوك»

بدرجة أقل من الأوضاع في مصر وتونس وتركيا، تظهر تداعيات إفلاس «توماس كوك» على القطاع السياحي في المغرب، وذلك لأن حصة السياح البريطانيين والأوروبيين تعد الأكبر بين السياح في المغرب، وذلك على مدار العام، سواء في فصل الصيف أم الشتاء.

المغرب كان ينتظر استقبال 700 ألف سائح بريطاني هذا العام، لكن من غير الواضح حتى الآن حجم الضرر تحديدًا على القطاع المغربي، بينما ترتبط مجموعة من السلاسل الفندقية الفاعلة في المغرب بشراكة مع العملاق البريطاني المنهار.

ويقول المتابعون إن تأثير إفلاس «توماس كوك» سيظهر أكثر في مدينة مراكش التي تستقبل حوالي ربع السياح الوافدين من بريطانيا، بينما يسوق فرع «توماس كوك» في فرنسا حوالي 208 منتجًا سياحيًّا في المغرب، وكانت الشركة تعتزم إطلاق خط جوي يربط لندن بمراكش في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

ووفق تقديرات المرصد السياحي المغربي، فقد ارتفع عدد السياح البريطانيين الوافدين إلى المغرب في الأشهر السبعة الأولى من العام الجاري بنسبة 18%، مقارنة بالعام الماضي، وكانت «توماس كوك» قد ذكرت في 2017 أنها تسعى لرفع عدد السياح البريطانيين بالمغرب من 70 ألفًا إلى أكثر من 400 ألف خلال ثلاثة أعوام.

احزم حقائبك واستعد.. تطبيقات ستساعدك في رحلة سفرك من الألف إلى الياء

المصادر

تحميل المزيد