انتقلت بريطانيا بمجرد إعلان نتائج استفتاء الخروج من الاتحاد الأوروبي في 24 يونيو (حزيران) 2016 إلى محطة جديدة وخطيرة على الصعيدين السياسي والاقتصادي، وذلك طبقًا لقراءة التداعيات لهذا الخروج سواء على بريطانيا أو الأسرة الأوروبية كمجموع متمثل في هذا الاتحاد.

وقد أضحى «البريكست»، وهو الكلمة المستخدمة اختصارًا للدلالة على مغادرة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، يرتبط ارتباطًا مباشرًا بالحديث عن مستقبل بريطانيا داخليًا وفي سياق محيطها الأوروبي.

أرادت خفض أعداد المهاجرين فهاجر مواطنوها

تناقلت وسائل الإعلام خبرًا يفيد بأن أكثر من 2800 بريطاني تقدموا بطلبات للحصول على الجنسية في 18 دولة بالاتحاد الأوروبي خلال الأشهر الثمانية الأولى من عام 2016، أي بزيادة 250 في المئة عن الفترة نفسها من العام 2015.

بريطانيا التي كان أحد أسبابها الرئيسية للخروج من الاتحاد الأوروبي هو خفض أعداد المهاجرين إليها، أمام معضلة إبقاء مواطنيها على أراضيها، تظهر الأرقام أن مواطنيها قد حاولوا كسب الوقت الذي ما تزال فيه بريطانيا عضوًا في الاتحاد الأوروبي، وتتمتع بحرية تنقل مواطنيها في 27 دولة من دول الاتحاد الأخرى، وذلك بدلًا من أن تقتصر حالة القلق على المهاجرين البالغ عددهم 7.5 مليون نسمة كونهم غير مرحب بهم، ووصل الأمر بوزير الصحة جيرمي هانت للتحذير من كون مغادرة الاتحاد الأوروبي ستؤدي إلى تخفيضات في الميزانية وإلى هجرة الأطباء والممرضين للخارج، وقابل موقفه هذا المؤيدون للخروج من الاتحاد بالقول أن «رسوم عضوية الاتحاد الأوروبي يمكن أن تنفق على الخدمات المحلية مثل نظام التأمين الصحي»، ويتخوف البريطانيون من تبعيات فقدان سريان مفعول بطاقات «EHIC» التي تمكنهم في حال السفر من الحصول على المساعدة الطبية في أي بلد آخر في الاتحاد الأوروبي.

يشغل مصير مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يعيشون في بريطانيا حاليًا بال الكثيرين، فرغم الطمأنة بأنه لن يمسهم تغيير قانوني إلا أن القلق واضح على مصيرهم وعلى حقوقهم التي لم تتغير بعد، وتحدث البعض عن تعرضهم للتمييز في أعقاب إجازة التصويت على الخروج من الاتحاد، خاصة أن الحكومة البريطانية رفضت إعطاء ضمانة أكيدة حول وضعهم، وهم بحاجة إلى تعهد متبادل من أعضاء الاتحاد الأوروبي الآخرين عن الملايين من المواطنين البريطانيين الذين يعيشون في القارة، كالحصول على الحق في الإقامة الدائمة كونهم عاشوا في المملكة المتحدة لمدة خمس سنوات.

أما فيما يخص مواطني الاتحاد الأوروبي الذين يرغبون في العمل في المملكة المتحدة، فشأنهم يعتمد على ما إذا قررت الحكومة البريطانية الحد من دخول العمال المهرة في المهن التي يوجد فيها نقص.

المستثمرون والشركات يغادرون بريطانيا

أضحت بريطانيا في السنوات الأخيرة أهم مركز مالي عالمي بعد نيويورك، وأصبح اقتصادها ثالث أكبر اقتصاد أوروبي بعد ألمانيا وفرنسا عندما بلغت قيمة الناتج المحلي البريطاني 2580 مليار دولار عام 2014م.

لكن مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تتزايد التوقعات بتراجع مركز بريطانيا المالي والاستثماري والصناعي، بالطبع لصالح دول أوربية أخرى، فالاستثمارات المباشرة إلى بريطانيا من الاتحاد الأوروبي والمقدرة بنحو 500 مليار جنيه إسترليني سنويًا، سيذهب نصفها عند فقدان بريطانيا الضمانات والميزات التفضيلية الموفرة في التجارة لدول الاتحاد الأوروبي، وذلك بسبب تراجع الميزات التنافسية للاقتصاد البريطاني، ولخوف رأس المال الاستثماري من عدم الاستقرار، وهو ما دفع العديد من المستثمرين بتقليص حجم الجنيه الإسترليني في ودائعهم المالية بسبب الخوف من استمرار تراجع سعره إزاء اليورو والدولار.

وفي قراءات متعددة لتبعات الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي أثيرت إمكانية إلغاء عشرات الاتفاقيات التجارية التي وقعتها بريطانيا مع منظمة التجارة العالمية و60 دولة من خارج الاتحاد الأوروبي، وهي اتفاقيات عقدت بشروط تفضيلية من الصعب أن تحظى بها بعد الخروج، وهو ما يعني مرور الصادرات والواردات البريطانية بمرحلة طويلة من الصعوبات، خاصة أن تراجع قيمة الجنيه الإسترليني وانتقال الشركات والبنوك من لندن وبريطانيا إلى ألمانيا وفرنسا وإيرلندا ودول الاتحاد الأخرى يتوقع أن يحدث بوتيرة سريعة.

وتذكر في هذا السياق أسماء شركات صناعية عالمية قد تترك بريطانيا بسبب الخوف من الرسوم الجمركية مثل شركة «نيسان» و«فولكسفاغن» و«بي إم دبليو» التي تنتج في بريطانيا للأسواق الأوروبية، وثمة حديث عن أن عددًا من الشركات والبنوك التي تعمل من بريطانيا لصالح السوق الأوروبية بدأت بوضع خطط أولية لنقل أنشطتها بشكل جزئي أو كلي إلى ألمانيا وفرنسا أو أيرلندا على المدى الطويل، أما عمال بريطانيا فلن يلحقوا بهذه الشركات، فبريطانيا ستخسر ما لا يقل عن ثلاثة ملايين فرصة عمل مرتبطة بالأسواق الأوروبية بسبب البريكست، وتوضح دراسة أعدتها مؤسسة «برتلسمان» الألمانية بأن: «البريكسيت وتبعاته ستؤدي إلى انكماش الناتج المحلي الإجمالي البريطاني بنسبة 3% بحلول 2030م، ما يعني خسارة حوالي 80 مليار جنيه جراء ذلك».

لذلك تحدث بعض الاقتصاديين عن أن أحد المخارج لبريطانيا يتمثل في فتح باب الاستثمار والتجارة مع دول عربية في مقدمتها الدول الخليجية التي تربطها ببريطانيا علاقات تاريخية قديمة، على اعتبار أن ذلك سيتم بسهولة بعيدًا عن قيود الاتحاد الأوروبي وبيروقراطيته الشديدة، وذلك في مجالات مختلفة كنقل التكنولوجيا للصناعات الخفيفة والطيران والتعليم والسياحة إضافة إلى المجالات الأمنية والعسكرية.

وقبل يومين، عجلت رئيسة وزراء بريطانيا «تيريزا ماي» بإعطاء بعض المؤشرات المطمئنة عن الميزانية المنقحة وهي أول ميزانية تصدرها الحكومة منذ نتيجة الاستفتاء، وأوضحت أمام أرباب العمل: «أنه من المقرر أن تستثمر السلطات العامة مبلغًا إضافيًا قدره ملياري جنيه (2.3 مليار يورو) في السنة، حتى نهاية الولاية التشريعية الحالية عام 2020م، على البحث والتطوير، في وقت تسعى فيه لندن لتعزيز موقعها باعتبارها عاصمة أوروبية للتكنولوجيا المتطورة.« مشيرة أنها ستعمل على خفض نسبة الضرائب على الشركات إلى أدنى مستوى بين جميع الدول الغنية والناشئة في مجموعة العشرين، فهي تريد بناء نظام ضريبي «مراع بشدة للابتكار».

السوق الموحدة.. الخسارة الأكبر

اعتبر الوضع الاقتصادي لبريطانيا الجزء الأكثر تعقيدًا بعد بريكست، فمجرد الوصول لاتفاق التجارة بحاجة لموافقة بالإجماع لأكثر من 30 من البرلمانات الوطنية والإقليمية في جميع أنحاء أوروبا، وبعضها قد ترغب في إجراء استفتاء قبل هذه الموافقة، ويتزامن هذا مع إصرار الداعمين لبريكست بتحقيق المزيد من التحرر والاستقلالية عن بروكسل، على اعتبار تحقيق قدرة أكبر على الانخراط في تجارة أكثر تحررية مع دول العالم.

مصدر الصورة الجزيرة نت

ستفقد بريطانيا السوق الواحدة التي تعد أكبر إنجاز للاتحاد الأوروبي، كونها كانت تسمح لها بانتقال السلع والخدمات والأموال والأفراد داخل الاتحاد الأوروبي بحرية، وهي ما سمحت للمواطنين البريطانيين للعمل في الاتحاد الأوروبي، ودول الاتحاد الأوروبي المتبقية ترفض وصول المملكة المتحدة إلى سوق موحدة ما لم توافق بريطانيا على التوقيع على نظامه، بما في ذلك حرية تنقل الأشخاص ورؤوس الأموال والخدمات والعمالة.

اختارت بريطانيا بخروجها فرض قيود على تصاريح عمل داخلها، وهو ما سيجعل بلدان أخرى ترد بالمثل وتضيق على البريطانيين عند سعيهم للحصول على تأشيرات للعمل.

وعند قراءة الانعكاسات الاقتصادية التي لحقت ببريطانيا بشكل عاجل يمكن ذكر أن بريطانيا فقدت تصنيفها الائتماني، وهذا يعني أن تكلفة الاقتراض الحكومي سيكون أعلى، وفي قراءة الآثار طويلة الأجل على بريطانيا بعد مغادرة الاتحاد الأوروبي، يرجح الاقتصاديون أن يزيد تأثير الإنفاق يومًا بعد يوم، حيث يقول الخبراء أن انخفاض قيمة العملات قد يقل عن 10٪ عما كانت عليه في 23 يونيو (حزيران) الماضي على المدى الطويل، وهو ما يعني أن السلع المستوردة سترتفع أسعارها، وبالفعل ارتفعت بعض أسعار المواد الغذائية، الملابس والأدوات المنزلية.

وإذا تدهور الأداء الاقتصادي، فقد يدفع بنك إنجلترا لاتخاذ قرار بشأن برنامج آخر من التيسير الكمي، بديلًا لخفض أسعار الفائدة، مما يؤدي إلى انخفاض عائدات السندات مع معدلات الأقساط لهم. كما أن الخروج من الاتحاد يمكن أن ينجم عنه رفع الضرائب على البريطانيين وخفض النفقات، إذ متوقع أن تخسر بريطانيا 2.4 نقطة نمو خلال الفترة 2016م إلى 2021م، وفق ما ذكرته هيئة مسؤولية الموازنة، وقد أعلن أمس وزير المالية البريطاني «فيليب هاموند» أن بريكست سيبطئ النمو الاقتصادي البريطاني في السنة المقبلة، ويرغمها على استدانة مبالغ إضافية، وحدد هاموند أمام البرلمان قيمة هذه الاستدانة بأنها ستصل إلى 122 مليار جنيه إسترليني (143 مليار يورو) إضافية على خمس سنوات، مشيرًا إلى أن نصف هذه الديون هي نتيجة مباشرة للبريكست، وما تبقى له صلة برغبة الحكومة في تحفيز الاقتصاد البريطاني.

هل يتفكك الاتحاد الأوروبي بعد خروج بريطانيا منه؟

«الاتحاد الأوروبي يخسر. الاتحاد الأوروبي يموت. آمل أن نكون قد أسقطنا الحجر الأول من الجدار، وآمل أن يكون خروج بريطانيا هو الخطوة الأولى لتكون دول أوروبا ذات سيادة»، يلخص هذا التصريح الخاص بزعيم حزب «استقلال المملكة المتحدة» وأحد الداعمين الرئيسين لحملة «بريكست»، نايجل فاراج قصة المخاوف الأوروبية من تبعات خروج بريطانيا من الاتحاد على الاتحاد نفسه.

تدرك الحكومات الأوروبية وقوع خطر وجودي على الاتحاد الأوروبي، يتمثل بدفع دول أوروبية نحو الإقدام على خطوة مماثلة في وقت لن تصمت فيه الحركات المعادية للاتحاد في دول كفرنسا وهولندا عن إكساب هذه التخوفات زخمًا خطيرًا، فتحت وطأة ضغط التيارات السياسية المتطرفة، التي أخذت تصعد إلى الحكم في أوروبا إمكانية أن تلجأ بلدان أخرى للسير في نفس الاتجاه البريطاني، وبالتالي يتفكك الاتحاد بعد عقود من تواجده، وهو ما يعد بمثابة كارثة بكل المقاييس على مكانة الاتحاد الدولية التي ستتراجع في قوة قرارها ووزنها في الملفات الساخنة في العالم، كما أن بريطانيا نفسها ستخسر مكانتها في الشؤون الدولية، ستخسر دورها الفعَّال ضمن إطار الاتحاد الأوروبي في مكافحة الجماعات المتطرفة وأولها «تنظيم الدولة».
وتعد تحركات زعيمة حزب الجبهة الوطنية اليمينية الفرنسية «مارين لوبان»، المناهضة للهجرة وللتواجد في الاتحاد الأوروبي، واحدة من أبرز ما يعزز مخاوف الدول الأوربية من ترك الاتحاد الأوروبي، وقد جاء نجاح المرشح الأمريكي دونالد ترامب بالانتخابات الرئاسية والذي دعمته بشدة المرشحة لرئاسة فرنسا «لوبان»، ليضاعف تلك التخوفات فيصبح التحرر من الاتحاد الأوروبي يتم بتكلفة قليلة، وينظر الأوروبيون بعين الريبة لنتائج الانتخابات الفرنسية المقبلة، لأن خروج بريطانيا لا يعني ضياع الاتحاد الأوروبي، لكن إذا فازت لوبان، واتخذت فرنسا قرارًا بالخروج من الاتحاد فهذا يعني انتهاء التكامل الأوروبي.

وعلى سبيل المثال، فالخلافات والشكوك المتبادلة بين باريس وبرلين بشأن اليورو بدأت تطفو على السطح، وتواجه فرنسا صعوبة في السيطرة على عجز ميزانيتها، مع رفض برلين فكرة تقاسم الديون، وهنا يعقب وزير الاقتصاد الفرنسي إيمانويل ماكرون بالقول: «اليوم أمامنا أمران محرمان: واحد فرنسي يتعلق بنقل السيادة والثاني ألماني ومرتبط بنقل الأموال أو التضامن، لا يمكننا التقدم بدون إزالتهما«.

لكن ما الذي يمكن فعله لإنقاذ الوضع؟ للإجابة على هذا التساؤل يمكنا الإشارة إلى ما كتبته صحيفة «دي فيلت» المحافظة بأنه ليست هناك خطة حول ما ستفعله ألمانيا التي تنقسم حكومتها حول إستراتيجية ما بعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، لكن الدول الأوروبية تدرس إمكانية المزيد من البعثات الخارجية المشتركة، مع تقاسم أعباء الإنتاج وشراء معدات عسكرية، ولمواجهة الهجرة والتهديد «الإرهابي« يسعى الاتحاد لإقامة شرطة حقيقية على حدوده، مع الحديث عن تأجيل فكرة إنشاء جيش أوروبي يطالب به مؤيدو الاتحاد.

وتوضح الصحيفة أن العمل يتركز على مبادرات محدودة في مجالي الأمن والدفاع اللذين يتسمان بتوافق أكبر، وأكد مصدر ألماني: «هناك توافق واسع إلى درجة كافية حول إمكانية بذل مزيد من الجهود في مجال السياسة الخارجية والأمن الأوروبي المشترك»، كما ذكرت صحيفة «نيكاي» الاقتصادية اليابانية أن: «المصارف المركزية في أوروبا والولايات المتحدة واليابان ناقشت تحركًا لضخ سيولة بالدولار لمواجهة الخروج البريطاني من الاتحاد».

عرض التعليقات
تحميل المزيد