نشر موقع «درج» تحقيقًا ناتجًا عن تعاون مشترك ضمن برنامج التحقيقات الاستقصائية المتوسطية الذي يرعاه «CIFAR»، وبدعم من وكالة التنمية الألمانية (GIZ)، شارك في التحقيق ألكسندر بروتل، وأحمد عيد، وأسامة الصيّاد، ومنة أيمن، حول حماية بريطانية لثروة عائلة حسني مبارك. وفيما يلي نص التحقيق:

تلاحقت الأحداث في 18 يومًا، هي عمر ثورة 25 يناير في مصر، ليطوي اللواء عمر سليمان بإذاعة خبر التنحي صفحة 30 عامًا من حكم حسني مبارك، ويتبدد معه حلم توريث الابن الأصغر للرئيس المخلوع، أي جمال مبارك. وتصبح أيضًا شركات العائلة وحساباتها المصرفية في الخارج مهددة.

كانت أنظار العالم متجهة نحو ميدان التحرير تترقب ما ستسفر عنه الأحداث هناك، وبمجرد إذاعة البيان، أصدرت السلطات السويسرية قرارًا بتجميد أصول 12 اسمًا من أفراد عائلة مبارك، إضافة إلى بعض كبار رجال الدولة وزوجاتهم.

الضغط الشعبي لم يتوقف داخل مصر؛ فبمجرد أن بدأ إعلان التنحي يأخذ اتجاهًا نحو محاكمة مبارك ورجاله، أصدر النائب العام القرار رقم 29 لسنة 2011 بتاريخ 28 فبراير (شباط) 2011 بمنع عائلة مبارك من التصرف بأموالها.

على العكس من ذلك كان الاتحاد الأوروبي مترددًا بشأن إصدار قرار تجميد أصول عائلة مبارك ورجال نظامه، وفي يوم 21 مارس (آذار) أصدر الاتحاد الأوروبي القرار رقم 172 لسنة 2011 بشأن تجميد أصول 19 شخصًا من النظام السابق، على أن تمتثل كل الدول الأعضاء له.

ولكن هناك في أقصى المحيط الأطلنطي على أراضي الجزر العذراء البريطانية كانت الأمور تسير في غير هذا الاتجاه؛ فعلى الرغم من أن سلطات الجزر العذراء أعلنت امتثالها لقرار التجميد، أظهر تحقيق «أوراق بنما الذي أجري تحت مظلة الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين، أن شركة «بان ورلد أنفيستمنت» المملوكة للابن الأكبر لمبارك، علاء، ما زالت نشطة في سجلات الجزر مع إجراء تعديلات عليها ما يمثل خرقًا لقرار التجميد.

وفي تحقيقنا هذا ثابرنا على تعقب هذه الشركة، لنكتشف أن سلطات جزر العذراء أجرت تعديلات على وضعها القانوني، تاركة أصولها، وفقًا لقانون الشركات البريطاني، عرضة للنقل أو البيع، وليستمر بذلك انتهاك قرار الاتحاد الأوروبي، وتظل الأموال بعيدة من منبعها.

الرئيس المخلوع حسني مبارك مع نجليه علاء وجمال يدلي بإفادة في المحكمة – 2018

الشركة الأم

تأسست «بارن ورلد أنفيستمنت» في جزر العذراء البريطانية في ديسمبر (كانون الأول) 1993، وحملت رقم 103684. وتلعب منذ تأسيسها دور المركز في شبكة شركات أسسها الأخوين علاء وجمال مبارك، معظمها في دول تسمى «الملاذات الضريبية الآمنة»، نظرًا لما توفره للمستثمرين من إعفاء ضريبي على أنشطة الشركات، كما أنها توفر غطاء من السرية يمنع كشف هوية أصحابها؛ ما يجعلها قبلة لعدد من الشركات المسماة «شركات الأوف شور»، والتي يمكن استغلالها في ارتكاب جرائم مثل التهرب الضريبي، وتبييض الأموال.

ظلت هذه الشركة طيلة 18 عامًا تعمل في الخفاء خلف ستائر تخفي هوية مالكها الأصلي، ولا تظهر في الصورة إلا مجموعة من شركات متصلة بها يفضي تتبعها لإظهار شركات أخرى. فتولت شركة «كريدي سويس تراست»، المسجلة في جزيرة جيرنزي عملية التأسيس، أما الإدارة فذهبت لشركة «برايمريما نيجمنت ليمتد» الكائنة بجزر الباهاما.

ظهرت هوية صاحب الشركة فقط في أوراق حصر ممتلكات عائلة مبارك الذي أجراه جهاز الكسب غير المشروع التابع لوزارة العدل المصرية إثر التحقيق في الشكوى رقم 22 لسنة 2011 كسب غير مشروع المقيدة برقم 3 لسنة 2011 منع تصرف، إذ أدرجت «بان ورلد للاستثمار» ضمن الشركات التي يساهم فيها علاء مبارك.

كانت هذه الشركة، وفقًا لما جاء في مستندات الحصر، تمتلك حصة تبلغ 250 ألف دولار بصندوق حورس واحد، فضلًا عن المساهمة بنسبة 10 % بصندوق في قبرص يحمل اسم (International Securitie Fund) المدار بمعرفة شركة بوليون.

بوليون ظهرت ثانية، ولكن هذه المرة في حصر ممتلكات جمال مبارك، إذ إنه يملك 50 في المئة من الشركة، وتشير بيانات الشركة التي حصلنا عليها بالتعاون مع «مشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد» OCCRP، أن علاء مبارك احتفظ بمنصب إدارة هذه الشركة منذ 23 أغسطس (آب) 1996 حتى 22 فبراير 2011، وحملت «بان ورلد» 5 آلاف سهم في بوليون، حتى اختفت عند دخول شركة، مجهولة هوية صاحبها تدعى «نيكودا» كمساهم في بوليون.

وساهمت بوليون بحصة في رأسمال إحدى شركات مجموعة هيرمس المالية وهي شركة « EFG-Hermes Private Equity» المسجلة في جزر العذراء.

هكذا وعبر أساليب ملتوية ترتكز على شركات في ملاذات ضريبية تتستر على هوية مالكيها، نفذ الأخوان مبارك إلى سوق الاستثمار المصري. وكانت جزر العذراء البريطانية ودولة قبرص مركزين انطلقت منهما أنشطتهما.

مستند يثبت إجراء تعديل قانوني على شركة بان ورلد إنفيستمينت

مراوغة «بان ورلد»

وبعد الحصر الذي حصل في 16 أكتوبر (تشرين الثاني) 2011 بيوم واحد،أصدرت سلطات جزر العذراء خطابًا تحذيريًا تخاطب فيه الجمهور العام الذي يشمل الكيانات والأفراد المطالبين بالامتثال لمقتضيات الأمر الصادر من الاتحاد الأوروبي بتجميد أموال 19 شخصًا تم إدراجهم في القرار.  

تحذيرات السلطات لم تلق الصدى المفترض، ففي شهر أبريل (نيسان) من عام 2015 عمد بنك كريدي سويس السويسري الذي يدير شركة «بان ورلد» إلى تعيين وكيل تسجيل بدلًا من شركة موسيكا فونسيكا بعد أن غرمتها السلطات 37 ألف دولار أمريكي لعدم إبلاغها السلطات عن أن مالك هذه الشركة خاضع لعقوبة تجميد الأموال.

وعليه انتقلت وكالة التسجيل إلى شركة «إيكارا جونزاليس» في 15 أبريل 2015، وقبل ذلك بعام في أبريل 2014 وصل خطاب من موسيكا فونسيكا إلى وكالة التحقيق المالية لجزر العذراء، يشير إلى أن علاء مبارك هو مالك هذه الشركة. كل هذا كشفته سلسلة تحقيقات «أوراق بنما» المنشورة في أبريل 2016.

هكذا وعبر طرائق عدة نما إلى علم سلطات جزر العذراء أن مالك الشركة مجمدة أصوله المالية، ولكن عندما تتبعنا هذه الشركة وجدنا أن مياهًا جديدة قد جرت تحت الجسر.

ففي أغسطس (آب) 2016 نشر في الجريدة الرسمية لجزر العذراء تحذير لشركة «بان ورلد أنفيستمنت» للمطالبة بتعيين وكيل تسجيل جديد، وجاء هذا الطلب وفقًا لمستند حصلنا عليه بعد استقالة الشركة التي تولت دور وكيل التسجيل.

وعندما لم تستجب بان ورلد لتحذيرات السلطات، طبقت السلطات في سبتمبر 2016 القرار القانوني المسمى Striking off شركة «بان ورلد» امتثالًا للفقرة 4 من المادة 213 من قانون الشركات 2004.

يتبع قرار الحل تطبيق المبدأ القانوني «بونا فاكنتيا»، وهو وضع تحال فيه الأصول التي بلا صاحب إلى إدارة وزارة المالية في جزر العذراء، وعليه يحق للشركة حالتعيينها وكيل تسجيل جديدًا أن تستعيد أصولها وتواصل نشاطها، وفقًا لتفسير شركة بديل كريستن المتخصصة في الاستشارات القانونية بجزيرة جيرسي. ولا يوجد ما يتعارض مع إمكان نقل الأصول بعد استعادة الشركة عبر اتخاذ قرار التصفية.

هذه الإجراءات القانونية التي أدخلتها جزر العذراء على الوضع القانوني للشركة، تخالف ما نصت عليه الفقرة «ب» من المادة الأولى في قرار التجميد الصادر من الاتحاد الأوروبي والتي نصت على أن «تجميد الأموال يعني منع أي نقل أو تحويل أو تعديل أو استخدام أو الوصول إلى أو التعامل مع الأموال بأي طريقة يمكن أن تؤدي إلى إدخال تغييرات في حجمها أو كميتها أو موقعها أو ملكيتها أو حيازتها أو طابعها أو وجهتها أو أي تغيير أو تعديل آخر من شأنه أن يمكن من استخدام الأموال، بما في ذلك إدارة محفظة الاستثمارات».

المصير مجهول

كان علينا أن نواجه الطرف الذي تجتمع في يديه كل الخيوط، أي بنك كريدي سويس السويسري، الذي يحتفظ بدور إدارة الشركة الغائبة الآن عن الأعين. بعد محاولات للاتصال به، وصلنا منه رد مقتضب يحمل توقيع ويل باون، مدير التواصل بما يخص شؤون المصرف في المنطقة البريطانية: «يلتزم بنك كريديسويس التزامًا تامًا بالقوانين المعمول بها في المناطق التي تتركز فيها أعماله».

تقدمنا بطلب إلى سلطات جزر العذراء للحصول على معلومات عن وضع الشركة القانوني بعد ما يقرب من عام ونصف العام، على تطبيق الإجراء القانوني عليها، ولم يصلنا حتى نشر التحقيق أي رد.

تقدم فريق التحقيق الى مفوضية الاتحاد الأوروبي بطلب يحمل رقم 1786 لسنة 2018 للحصول على المستندات التي تكشف مصير شركة «بان ورلد أنفيستمنت» بعد الإجراء القانوني الجديد وفقًا للائحة رقم 1786 لسنة 2001 التي تتيح حق الدخول إلى البيانات.

وجاءنا رد سلبي من هيلد هيدرمان، رئيس قسم الخدمات في مفوضية الاتحاد الأوروبي، قال: «المفوضية لم تحدد أي مستند يمكنه الرد على ما جاء في استفساركم المذكور أعلاه. وعليه فلا يمكننا أن نكمل مسار الرد عليه».

ومن أوروبا إلى مصر، توجهنا إلى المستشار عاصم الجوهري، رئيس جهاز الكسب غير المشروع الأسبق، الذي قال إنه ومنذ فبراير 2011 قدمت النيابة العامة طلبات تعاون قضائي إلى الدول الأخرى لاسترداد الأموال التي هربها رموز نظام مبارك إلى الخارج.

وأضاف أن جهاز الكسب غير المشروع عمل منذ اليوم الأول على جمع الأدلة والبراهين التي تثبت أن منبع الأموال المهربة في الخارج غير مشروع، مشيرًا إلى أنهم طالبوا باستعادة الأموال وفقًا لاتفاقية مكافحة الفساد التي تعد مصر والدول الأوروبية طرفًا فيها؛ ما دفع الاتحاد الأوروبي إلى إصدار قرار بتجميد أصول رموز عهد مبارك المتهمين في قضايا فساد داخل مصر.

وأشار رئيس أول لجنة مشكلة لاسترداد الأموال من الخارج أنهم تعاقدوا في سبيل ذلك مع مكاتب وكالة دولية لمتابعة سير الإجراءات والتحقيقات الخارجية لضمان عودة الأموال المهربة.

وبسؤال الجوهري مباشرة عن تفاعل الحكومة البريطانية، قال: إن الحكومة بريطانيا متمثلة في وزارة الخزانة قررت تنفيذ قرار الاتحاد الأوروبي مباشرة بعد يوم واحد، ووافق البرلمان على ذلك، وما زال القرار نافذًا حتى الآن؛ ما يعني إمكان عودة الأموال.

واجهنا الجوهري بما لدينا من معلومات تؤكد خرق سلطات جزر العذراء البريطانية لقرار الاتحاد الأوروبي بتفكيك تجميد شركة «بان ورلد» على رغم ورودها صراحة في تقرير حصر أموال مبارك الصادر من الجهاز،  فجاءت إجابته مقتضبة: «لا أعتقد أن بريطانيا قامت بهذا الإجراء».

كلام الجوهري يأتي على النقيض تمامًا من تصريحاته التي أدلى بها لقناة «بي بي سي» البريطانية في سبتمبر 2012؛ إذ قال حرفيًا: «الحكومة البريطانية تغلب القانون الداخلي في بريطانيا ولا تطبق الاتفاقية التي وقعت عليها لمكافحة الفساد».

وأضاف: «الأموال موجودة في بريطانيا، والحكومة البريطانية تخفيها، وتطلب منا أن ندلي بمعلومات حول الأموال التي نريد استردادها، ولكن هي يجب أن تكشف هوية هذه الأموال، ونحن يمكن في ما بعد أن نثبت مدى مشروعية هذه الأموال».

حاولنا الاتصال مرارًا وتكرارًا بفريد الديب، محامي عائلة مبارك، للرد على استفساراتنا بشأن تصفية شركة «بارن ورلد انفيستمنت» المملوكة لعلاء مبارك وإعطائه حق الرد، إلا أنه رفض الإجابة متذرعًا بأن وسيلة النشر الإعلامية غير مصرية ولا يعرف عنها شيئًا.

 

تحذير من قبل سلطات جزر العذراء لشركة «بان ورلد إنفيستمنت» للمطالبة بتعيين وكيل تسجيل جديد

مستند يوضح تاريخ الوضع القانوني للشركة منذ التأسيس

عرض التعليقات
تحميل المزيد