لطالما كان موضوع «انكسار القلوب» من الموضوعات التي كتب عنها الأدباء أشعارهم ورواياتهم، ولكنه اليوم تجاوز أوراقهم إلى أرض الواقع، حيث أثبت العلماء حقيقة طبيبة، وهي أن الأشخاص الذين تعرضوا لآلام عاطفية ونفسية شديدة تصبح لديهم قلوبًا مكسورة بالفعل، ويكون ذلك بظهور ضعف مفاجئ للعضلة القلبية، ويصبح شكل القلب مختلفًا عن القلب السليم!

نموذج (A) لقلب مصاب ويظهر الفرق بينه وبين القلب السليم

وفي ورقة بحثية للدكتور الأمريكي «ستيفن روس جونسون» أستاذ أمراض القلب بكلية الطب في جامعة جورج تاون، توصل إلى أن الأشخاص المصابين بالاكتئاب تزيد لديهم احتمالية تعرضهم لاعتلال القلب بمقدار يتراوح ما بين 4-4.5% عن الشخص العادي، وظهرت هذه النتيجة بعد إجراء 13 دراسة شملت أكثر من 40 ألف شخص، ولا يقتصر الخطر على المصابين بالاكتئاب الشديد، فمرضى الاكتئاب المعتدل يزيد لديهم معدل الإصابة بأمراض الشريان التاجي بمقدار يتراوح من 1.5-2%.

ومن الدلائل على ارتباط متلازمة «القلب المنكسر» بالصحة النفسية أنه في بعض المناسبات، كالأعياد ويوم عيد الحب على سبيل المثال، تظهر أعراض المتلازمة بشكل ملحوظ؛ بسبب أن هذه الفترات يكثر فيها تذكر التجارب الفاشلة، وفي ألمانيا تم تخصيص رقم هاتفي لما يعرف بـ «ضحايا يوم عيد الحب» لتقديم الدعم لمرضى القلب المنكسر في هذا اليوم.

اليابانيون يكتشفون الحالات الأولى

ظهر مصطلح متلازمة «القلب المنكسر» لأول مرة في اليابان وعُرف باسم «اعتلال تاكاوتسيبو للقلب»، وكانت أول حالة تمت دراستها في عام 1991، وظهرت بعدها المزيد من الحالات، وحتى عام 2005 لم يكن الطب الغربي قد سمع عن المتلازمة، إلا بعد كتابة المجلة الطبية البريطانية «نيو انغلاند جورنال اوف ميديسين» عنها.

ويومًا بعد يوم زادت الدراسات التي تبحث في أسباب وأعراض متلازمة «القلب المنكسر»، فعلى سبيل المثال في عام 2000 تم تسجيل بحثين فقط، ولكن في عام 2010 وصل عدد الدراسات إلى 3 آلاف دراسة أجريت على نطاقٍ واسع في دول مختلفة، واليوم أصبح يعترف بتشخيص المتلازمة في دولٍ كبرى منها: فرنسا وبلجيكا والمكسيك وأستراليا وإسبانيا وكوريا الجنوبية والصين والبرازيل وألمانيا.

وتبلغ نسبة الإصابة بالمتلازمة في اليابان بين 1.2-2.2%، و3-2% في الدول الغربية، بين الذين لا يوجد لديهم عوامل اختطار قلبية، وتزيد بين الذين لديهم تضخم في عضلة القلب أو يعانون من«مرض الشريان التاجي» لتصل إلى 17%، ويبلغ متوسط أعمار المرضى الذين يتعرضون لها عادة لأول مرة ما بين 58-75 عامًا، وأما نسبتها بين من هم دون الخمسين عامًا فلا تزيد عن 3% من مجمل الحالات.

النساء أكثر عرضةً لانكسار القلب

أثبتت الأبحاث أن النساء تزداد لديهن الإصابة بمتلازمة «القلب المنكسر» عن الرجال، حيث سُجلت أكثر من 90% من حالات الإصابة بالمتلازمة بين النساء في أعمارٍ تراوحت بين 58 و75 سنة، ويفترض الباحثون أن 6% على الأقل من النساء اللواتي تم توصيف حالاتهن بأنهن أصبن بنوبة قلبية، كن في الواقع مصابات بهذه المتلازمة، والتي ظلت غير مشخصة في الولايات المتحدة حتى وقت قريب.

ومن المحتمل أن السبب في إصابة السيدات المسنات بصفة خاصة بهذا المرض، يرجع إلى الانخفاض المستمر في نسبة هرمون «الأستروجين» بأجسامهن بعد سن اليأس؛ لأن هذا الهرمون في المعتاد يوفر حماية للقلب.

وقد أظهرت دراسات أجريت على إناث جرذان أزيلت مبايضها، أن التي أعطيت منها هرمون «الأستروجين» في لحظات تعرضها للتوتر، قد عانت بشكل أقل من ضعف وظيفة البطين الأيسر، كما ازدادت لديها مستويات بعض المركبات الواقية للقلب.

الأعراض تتشابه مع أعراض النوبة القلبية

يذهب المصاب بانكسار القلب إلى المستشفى وهو يعاني من عدَّة أعراض تتمثل في: ألم في الصدر، وضيق في التنفس، وتعرق، ودوخة، واستفراغ وغثيان، وضعف، ووهن حاد، وخفقان.

ولكن لا يتم تشخيصه بسهوله؛ لأنه يصعب تمييز أعراض متلازمة «انكسار القلب» عن أعراض النوبة القلبية، فقد يُظهر تخطيط القلب الكهربائي وجود شكل غريب مماثل لما يوجد في تخطيط النوبة القلبية، وبالرغم من ذلك يمكن أن ينجح الطبيب في التشخيص الصحيح من خلال عدة أمور، وهي: أن الأعراض تظهر عند شخص سليم لا توجد لديه عوامل اختطار قلبية تفسر الحالة، بالإضافة إلى تعرض المريض لإجهاد جسدي أو نفسي في وقتٍ قريب، وتأكيد تخطيط القلب ومستوى الانزيمات على وجود إصابة قلبية، رغم أن نتائج الفحوصات الإشعاعية تظهر سلامة الشرايين التاجية، وأيضًا رصد تشوهات في حركة الجدار البطيني وانتفاخ بالوني في قمته أو في وسطة عبر التصوير الشعاعي، في حين إن قاعدته تظهر انقباضًا طبيعيًا أو بعض الفرط في الحركة.

السبب الرئيس مجهول!

بالرغم من كثرة الدراسات التي تناولت متلازمة «القلب المنكسر»، إلا أن السبب الدقيق المباشر لحدوثها يعتبر غير معروف، ولكن يعتقد أن زيادة إطلاق هرمونات التوتر، مثل «الأدرينالين» يؤدي إلى صعق القلب، وهو ما يحفز على حدوث تغيرات في خلايا عضلات القلب أو الأوعية الدموية التاجية (أو في كليهما)، مما يمنع البطين الأيسر من تنفيذه لعملية انقباضه بشكلٍ فعَّال.

وغالبًا ما يسبق حدوث المتلازمة وقوع إصابة بدنية أو صدمة نفسية مثل: ورود أنباء عن وفاة غير متوقعة لأحد أفراد الأسرة، أو تشخيص طبي مخيف، أو عنف منزلي، أو فقدان الوظيفة، وكذلك الإصابة بالرهاب بمختلف أنواعه، والمعاناة من الخلافات الزوجية، بالإضافة إلى مضاعفات ما بعد العمليات الجراحية، والعلاج الكيميائي، والسكتة الدماغية، وغيرها من أشكال الضغوطات والإجهاد الجسدي.

فرصة النجاة والتعافي مرتفعة

بالتأكيد هناك خطورة للإصابة الأولى بمتلازمة «القلب المنكسر» لدى بعض المرضى، ولكن معظمهم يتعافى تمامًا، ويعتبر معدل الوفيات أو حدوث مضاعفات في المستشفى منخفض جدًا، ويوصي الأطباء المعالجون المريض عادة بتناول أدوية لعلاج عجز القلب مثل «حاصرات بيتا»، ومثبطات الإنزيم المحول لهرمون «الأنجيوتنسين» وأدوية مدرّات البول، وفي حالة المرضى المصابين بتصلب الشرايين يُنصحون بتناول «الأسبرين».

وبالرغم من عدم شيوع العلاج البعيد المدى، فإنه في بعض الأحيان يتم إعطاء المريض «حاصرات بيتا» (أو أدوية حاصرات ألفا وبيتا سويًا) لفترة غيرة محدودة؛ بهدف منع عودة المرض، عن طريق عملها على خفض تأثيرات «الأدرينالين»، وهرمونات التوتر الأخرى، كما أنه من المهم لتقليل فرصة الإصابة مجددًا العمل على تجنب أي إجهاد بدني أو توتر عاطفي.

وتزول أغلب الأضرار التي لحقت بالبطين الأيسر وحركة جدرانه خلال أربعة أسابيع، ويتماثل معظم المصابين للشفاء تمامًا في شهرين، ولا تتسبب متلازمة «القلب المنكسر» في حدوث وفيات إلا نادرًا، ولكن عجز القلب قد يحدث بنسبة 20%، ويتم علاجه بأدوية مدرات البول التي تحسن عملية انقباض القلب، وبعلاجات أخرى، وهناك مضاعفات نادرة تم رصدها وهي: خفقان القلب، وإعاقة تدفق الدم من البطين الأيسر، وتفتق جدار البطين.

عرض التعليقات
تحميل المزيد